النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11922 الأحد 28 نوفمبر 2021 الموافق 23 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:25AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

أوائل الخليجيين الذين ذهبوا إلى أوروبا وأمريكا

رابط مختصر
العدد 9195 الجمعة 13 يونيو 2014 الموافق 15 شعبان 1435

لم يعد الوصول الى دول اوروبا وامريكا، بل أقطار العالم قاطبة، عملية صعبة لمواطني دول الخليج مثلما كان الحال قبل قرن من الزمان. فالى جانب مئات الالاف من الشباب والشابات الذين ذهبوا ويذهبون كل عام الى هناك من اجل التحصيل العلمي، هناك جحافل المصطافين الخليجيين الذين لا تخطئهم العين في شوارع لندن وباريس ومدريد وروما وجنيف، ونيويورك وفلوريدا وكاليفورنيا. لكن السؤال هو من ياترى أول من وضع قدمه من أبناء المنطقة على أرض القارة العجوز والعالم الجديد ؟ في ما خص أوروبا، وجدتُ بعد البحث في العديد من المراجع أن أول إثنين زاراها كانا حاكم الكويت العاشر المرحوم الشيخ أحمد الجابر الصباح، والأميرفيصل بن عبدالعزيز آل سعود، اللذان وصلا ــ كل على حدة ــ إلى لندن عن طريق البحر في 1919 لتقديم التهاني إلى الحكومة البريطانية لإنتصارها في الحرب العالمية الأولى، وذلك نيابة عن حاكم الكويت التاسع الشيخ سالم المبارك الصباح، والملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود على التوالي. هذا علما بأن الشيخ أحمد الجابر لم يعد إلى الكويت إلا في عام 1920 لأنه توقف طويلا في مصر في طريق عودته إلى الكويت، بينما استغرقت رحلة الأمير فيصل نحو ستة أشهر لأنه، من بعد لندن، جال في ربوع بريطانيا وفرنسا وبلجيكا. بعد ذلك توالت زيارات الأمير فيصل لأوروبا فزار في 1926 كلا من بريطانيا وهولندا وفرنسا. وفي 1932 زار إيطاليا وسويسرا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا والإتحاد السوفيتي. وطبقا لما ورد في الصفحة 265 من الجزء الثاني من كتاب «تاريخ الغوص على اللؤلؤ في الكويت والخليج العربي لمؤلفه «سيف مرزوق الشملان» فإن من الذين رافقوا الشيخ أحمد الجابر في رحلته المشار اليها فكانوا ضمن أوائل من شاهد أوروبا من أبناء الخليج: المرحوم أحمد العبدالجليل، المرحوم جاسم اليعقوب، المرحوم قيطان الجاسم، والمرحوم صالح بن عثمان الراشد الحميدي. والأخير يعتبر أول تاجر كويتي يسافر إلى فرنسا وإيطاليا حيث زار مرسيليا وميلانو في 1923 ، أما أول من زار باريس من عرب الخليج والجزيرة فقد كان الوجيه الحجازي محمد علي زينل علي رضا الذي حل بها في 1920 وأسس فيها لنفسه مكتبا تجاريا في المبنى رقم 62 في شارع لافايات الشهير باحتضانه لكبريات متاجر المجوهرات النفيسة، بل إشترى في باريس أيضا سكنا خاصا في جادة الشانزيليزيه ليكون بذلك أول من إمتلك عقارا في أوروبا من أبناء الخليج والجزيرة على نحو ما فصلنا في مقال سابق. تلى الشيخ محمد علي زينل التاجر البحريني المرحوم عبدالرحمن بن حسن القصيبي الذي زار باريس ولندن في 1923 . بعد ذلك توالت رحلات وجهاء الخليج الى اوروبا، وكانت وجهتهم الغالبة هي باريس لأسباب تتعلق بتعاملاتهم التجارية مع دور المجوهرات الفرنسية. حيث يخبرنا سيف مرزوق الشملان في كتابه المشار إليه أعلاه ما بات معروفا للكثيرين من أنّ تجار اللؤلؤ في الخليج كانوا يقصدون «بمبي» في الهند كل عام لتصريف محاصيلهم من لآليء الخليج الطبيعية، فكانوا يبيعونها على التجار العرب المقيمين هناك وهؤلاء يتولون بيعها بواسطة دلالين (وسطاء) عرب وهنود الى الاوروبيين الذين يقومون بدورهم بتصديرها الى بلدانهم. ومع مرور الوقت رأى بعض تجار اللؤلؤ الخليجيين أنه من الأفضل لهم بيع لآلئهم في أوروبا مباشرة فقصدوا باريس، ومنهم من فتح لنفسه مكاتب تجارية هناك بل أقام في فرنسا لسنوات طويلة. من الأسماء الكويتية التي ذهبت مبكرا إلى باريس من أجل الغرض المذكور المرحوم حسين بن علي بن سيف الرومي وإبنه المرحوم علي بن حسين الرومي اللذين حلا في باريس مرتين في عامي 1931 و1932 برفقة المرحوم عيسى الصالح القناعي. وانطلق الثلاثة بالباخرة من ميناء «بمبي» ومروا بميناء بور سعيد المصري فميناء جنوه الايطالي ومن هناك بالقطار إلى باريس. وفي عام 1932 سافر إلى باريس من الكويت الطواش محمد بن شملان بن سيف الرومي برفقة المرحوم مساعد الصالح القناعي. أما الأسماء البحرينية فتشمل المرحوم الشيخ مصطفى بن عبداللطيف البستكي الذي زار باريس للمرة الأولى في 1924 ، والمرحوم صالح بن هندي المناعي، والمرحوم الأديب عبدالله بن علي الزايد، والمرحوم الشيخ عبدالجليل بن محمد البستكي. ومن الاماراتيين الأوائل الذين سافروا إلى باريس المرحوم حميد بن جامل الذي كان من كبار تجار الشارقة. إلى ذلك هناك العديد من الأسماء التي ذهبت إلى باريس من بندر لنجه لبيع اللؤلؤ قديما من أمثال: يوسف بهزاد، محمد فاروق عرشي، عباس بن عبدالله بن عباس، وعبدالواحد بن محمد صديق. ويقول سيف مرزوق الشملان في الصفحة 270 من كتابه المذكور ما يلي: «كان سفرهم ــ أي الكويتيين ــ إلى باريس في ذلك الوقت يدعو إلى الاستغراب والدهشة. فالشخص الذي يسافر إلى الشام يثير استغرابهم فما بالكم بالسفر إلى باريس؟ تلك المدينة الكبيرة والعصرية بكل معنى الكلمة والبعيدة عن الكويت مسافات شاسعة والسفر إليها يستغرق نحو اسبوعين على الأقل». وكتب الشملان في الصفحة 272 أن الكويتيين العائدين من باريس كانوا يتحدثون عنها بدهشة واعجاب، وكان مواطنوهم ينظرون إليهم نظرة خاصة بسبب سفرهم إلى تلك الديار والعودة منها بأخبار عامة وخاصة عن المرأة وجمالها وسفورها وعطوراتها، وعن السيارات والقطارات والطائرات ودور السينما والعمارات الشاهقة والقصور الجميلة والاسواق والشوارع والحدائق الفسيحة. أما في ما يتعلق بالولايات المتحدة فإن وصول الخليجيين إليها كان متأخرا بسبب بعدها الجغرافي عن سواحل الخليج العربي ، خصوصا إذا ما علمنا أن معظم من سبق ذكرهم ممن وصلوا إلى أوروبا قديما إستخدموا الباخرة كوسيلة للإنتقال. على أني وجدت في الموقع الالكتروني لـ « عميد الرحالين الشيخ محمد العبودي» وهو رجل دين سعودي إشتهر بكثرة أسفاره ورحلاته بسبب وظيفته كأمين عام مساعد لرابطة العالم الاسلامي في مكة المكرمة دراسة بعنوان «أول نجدي سافر إلى أمريكا». غير أنه إذا لم نحصر الموضوع في نجد، فإن أول مواطن من عرب الخليج وصــل إلى أمريكا هو «أحمد بن النعمان الكعبي» وزير خارجية سلطان عمان «السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي» وسكرتيره الأول الذي وصل إلى نيويورك على ظهر السفينة «سلطانة» في عام 1840 كمبعوث للسلطان إلى الرئيس الامريكي «فان بورين»، حاملا معه للأخير هدايا من السلطان اشتملت على الجواهر والسيوف المطعمة والعطور والتمور والسجاد الفارسي. أما النجدي الذي سافر إلى أمريكا فهو شخص يدعى «عبدالله بن خليفة بن سعيدان الخليفة» من مواليد مدينة بريدة في إقليم القصيم بنجد في حدود عام 1873، والذي وصل إلى نيويورك في عام 1909 تقريبا وأقام بها لمدة ست سنوات متواصلة من دون تخطيط مسبق، علما بأنه بعد سنوات قليلة لحق به شخص آخر من أهل بريدة هو الشيخ خليل الرواف الذي أقام في أمريكا وتزوج فيها زوجتين وأنجب من إحداهما إبنا. وقد أكد الرحالة البريطاني الكابتن «وليم شكسبير» قصة عبدالله بن سعيدان الخليفة في حديثه عن رحلته إلى بريدة في عام 1914 حينما قال أنه قابل في تلك المدينة أحد أبنائها يتكلم الإنكليزية بلكنة إمريكية لأنه كان قد عاش في مدينة نيويورك. وتتلخص حكاية عبدالله الخليفة في أنه لم يكن يعرف أمريكا، ولم يكن يسعى للذهاب إليها، لكن الصدفه وحدها قادته اليها. حيث كان الرجل قد سافر إلى مصر مع عدد من تجار العقيلات من أهل بريدة ممن يتاجرون في الإبل ما بين الشام ومصر ونجد. وبسبب حاجته إلى مال يقتات منه عمل لدى أحد تجار الخيل من أهل القصيم المقيمين في مصر. وحدث أن جاء إلى مصر في تلك فترة جماعة من التجار الأمريكيين برفقة أحد اللبنانيين لشراء بعض الخيول العربية لمزارعهم في الولايات المتحدة. وبعد أن اشتروا معظم خيولهم من عند التاجر القصيمي الذي كان عبدالله الخليفة يعمل لديه، أفصحوا للتاجر عن حاجتهم لمن يرعى ويعلف الخيول من القاهرة إلى ميناء الاسكندرية التي سيستقلون منها الباخرة نحو برشلونة ومن ثم نحو نيويورك. فما كان من التاجر القصيمي إلا أن اقترح عليهم الاستفادة من صبيه عبدالله الخليفة لأنه «أمين ويعرف كيف تساس الخيول». وهكذا قاد عبدالله خيول الامريكان إلى الاسكندرية مقابل خمسة جنيهات ذهبية، لكن السفينة المفترض نقل الخيول وأصحابها إلى برشلونة تأخرت لعدة أيام، الأمر الذي حتم على عبدالله البقاء مع الخيول. في هذه الأثناء كان الامريكان يشاهدون باعجاب أسلوب عبدالله في الإعتناء بالخيول وإطعامها وترويضها مما جعلهم يعرضون عليه فكرة السفر معهم بحرا إلى برشلونة كي يواصل مهمته مقابل مبلغ إضافي من الجنيهات معطوفا على أجرة عودته إلى الاسكندرية بحرا، فوافق عبدالله على العرض الذي كرره الامريكيون مرة أخرى في برشلونه بمعنى أن يسافر معهم إلى نيويورك مقابل أن يعطوه من المال ما يعيده إلى الاسكندرية على ظهر إحدى البواخر. وقد أوفى الامريكيون بوعودهم لعبدالله فأعطوه مكافأة إضافية وعرفوه على وكيل بواخر كي يضمن له رحلة تعيده من حيث أتى. ولأن البواخر ما بين الولايات المتحدة ومصر كانت تتأخر، فقد أعطي لعبدالله مكانا يقيم فيه ريثما تصل الباخرة المطلوبة. وهنا يقول العبودي أن عبدالله الخليفة أخبره أنه أثناء إنتظار الباخرة سمع رجلين يتحدثان العربية، ففرح فرحا عظيما لأنه لم يسمع لغته الأم منذ زمن طويل، وبادر إلى الحديث معهما فعلم انهما من نصارى لبنان المهاجرين. ولأن عبدالله الخليفة كان صاحب شخصية جذابة وحديث ممتع فإن الرجلين اللبنانيين ارتاحا له وأخذاه معهما لتناول الطعام، فعرفا منه انه على وشك العودة من حيث أتى، الأمر الذي أثار دهشتهما لأن الناس وقتذاك كانوا يأتون من الشرق ــ أي من البلاد العربية ــ إلى أمريكا، باحثين عن المال والثروة والمستقبل، وليس العكس. كما علما منه انه كسب من عمله الكثير من الجنيهات الذهبية، فنصحاه بأن يحتفظ بها لديهما خوفا من سرقتها، وأن يستثمرها في التجارة وهكذا أقنع اللبنانيان عبدالله بالبقاء في نيويورك وتجربة حظه في التجارة، واعدين إياه بالمساعدة والمشورة خصوصا وأن أحدهما كان يتاجر بالملابس والآخر يتاجر بالأدوية الشعبية. ومما أخبر به عبدالله الشيخ العبودي أن تاجر الملابس اللبناني ساعده في شراء بعض الملابس، وزوده بملابس من عنده كي يبيعها بعمولة، ولما تأكد من أمانته وشطارته كرر معه المحاولة، بل زكاه أيضا لدى التاجر اللبناني الآخر كي يعمل لديه في دكان الأدوية الشعبية كمساعد. ويُعتقد أن عبدالله الخليفة بعد أن تمكن من حل لغز النجاح في عالم التجارة فتح لنفسه دكانا في نيويورك، وبدأ في جمع الأموال، وظل كذلك لمدة ست سنوات متواصلة إلى أنْ رأى في منامه أمه العجوز ترجوه العودة إلى بريدة كي تكحل عيناها برؤيته قبل أن تموت. وهنا يقول العبودي « لقد قالوا كان هذا هو سبب عودته، وربما كان ذلك لهوى في نفسه أيضاً لأن عادة جماعة أهل بريدة إذا حصل الشخص منهم مالاً أحب أن يعود إلى بلدته فيعطي منه من يعطي ويتمتع بما يتمتع به ، وبعضهم يستطيع استثمار شيء من ذلك المال على قلة وسائل الاستثمار ماعدا المداينات ، وبعضهم ينفق جميع المال ثم يعود ثانية إلى الغربة». لكن عبدالله الخليفة أخبر العبودي بأنه باع كل ما كان يملك في نيويورك مقابل جنيهات من الذهب حملها معه على ظهر باخرة متجهة من الولايات المتحدة إلى الهند عبر المحيط الهادي، حيث كان هدفه هو زيارة الهند قبل العودة إلى نجد كي يتبضع من الأولى ما يستطيع بيعه في الثانية من بضائع، ولاسيما الأدوية والعقاقير الشعبية التي عرف عن استعمالاتها ومصادرها وأسعار شرائها الكثير اثناء عمله في دكان المهاجر اللبناني. وبالفعل وصل عبدالله إلى الهند واشترى بما معه من نقود كميات كبيرة من البضائع حملها على ظهر سفينة متجهة إلى البحرين، ومن هناك إلى «العينين» أي الجبيل، ومن الجبيل حملها على ظهور الإبل إلى بريدة، التي وصلها في 1914 أي قبل الحرب العالمية الأولى. وفي بريد فتح عبدالله دكانا وصار يبيع تلك البضاعة، محققا ثروة معتبرة إلى أن توفاه الله في 1952. وقد عـُرف عن الرجل ـ طبقا لشهادة العبودي الذي جاوره في السكن في بريدة ـ قوة الشخصية والكرم ورعاية المحتاجين والمشردين والمرضى النفسيين والصبر على أذيتهم. وقد شبه البعض رحلة عبدالله إلى أمريكا بالأسطورة، لذا حاكت النساء والعوام والجهلاء حولها الحكايات الغريبة، ومنها أن الرجل لم يكن يــُسمح له بالآذان والصلاة علنا لأن أمريكا «ديرة كفار»، فكان يلجأ إلى الصلاة سرا. بل تجاوز الأمر إلى السخرية منه واتهامه زورا بأنه نسي أشياء كثيرة من بيئته الأصلية بسبب غيابه الطويل نسبيا في أمريكا. من ذلك أنه كان يمشي ذات مرة في الطريق مع «فهد النصــّار» من أبناء بريدة، فرأى فهد براز بعير فالتقطه بيده قائلا لعبدالله الخليفة: يا عبدالله ..شيء كبير، رفيع عن الارض، له رقبة طويلة، يأكل البرسيم، ويطلع من ذنبه هذا المدور، مشيرا إلى البراز، فما هو؟ فرد عبدالله: هو أنا أعجمي يا فهد .. هذا البعير .. هو أنا ما اعرفه؟ فأجابه فهد: أنت جاي من أمريكا، ولو إنك تعرفه من قبل، يمكن نسيته! ومن المفيد أن نذكر أن أول حاكم عربي زار أمريكا هو سلطان عمان السابق «سعيد بن تيمور بن فيصل بن تركي البوسعيدي» والد جلالة السلطان قابوس. وتمت زيارته بحرا في عام 1938 بادئا باليابان، وعارجا في طريق عودته ببريطانيا ففرنسا فايطاليا فالهند. ملاحظـــة: لا توجد أي صورة فوتوغرافية لعبدالله بن سعيدان الخليفة، ربما بسبب تحريم أهل نجد للتصوير في ذلك الزمن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها