النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11928 السبت 4 ديسمبر 2021 الموافق 29 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:06PM

كتاب الايام

ملك القوافي ذو الجناح العربي والأفق الإنساني

رابط مختصر
العدد 9111 الجمعة 21 مارس 2014 الموافق 20 جمادى الأولى 1435

اعتاد أهل البحرين أن يذكروا كلمة «مستشار» مجردة فيعرف المستمع أن المقصود هو السير «تشارلز بلغريف»، وأن يذكروا كلمة «دختر» مجردة أيضا فيعرف المستمع أن المقصود بها هو الطبيب الهندى «بندركار». وعلى نفس المنوال رددوا في أحاديثهم كلمة «الأستاذ» دون أن يُـلحقوا بها أي اسم علم، لكن الجميع كان يعرف من هو المقصود بها. وفي هذا السياق يقول صديقه شاعر المملكتين المرحوم غازي بن عبدالرحمن القصيبي «كنت في السابعة أو نحوها حينما رأيته أول مرة في مكتب أبي رحمه الله، ولاحظتُ أنّ الجميع بلا استثناء كانوا يسمونه الاستاذ ويعاملونه باحترام بالغ». لم تكن البحرين في ثلاثينات القرن الماضي ــ وحتى وقت طويل بعد ذلك ــ قد عرفتْ بعد قامة فكرية متبحرة في فنون الأدب العالمي الشعرية والمسرحية والروائية، والإلمام باللغات الأجنبية تحدثا وقراءة وكتابة، ومعرفة العالم خارج نطاق منطقة الخليج العربي سواه، لذا لم يكن مستغربا أن يطلقوا عليه لقب «الأستاذ». إنه شاعر البحرين الأكبر «إبراهيم عبدالحسين إبراهيم العريض المنامي» الذي ستحل الذكرى الثانية عشرة لرحيله قريبا، حيث إن البحرين فقدته في 29 مايو 2002 عن 94 عاما، فبكت وحزنت عليه كافة أطيافها لأن من كان مثله يستحق الحزن ليس فقط بسبب ريادته الثقافية ومكانته العلمية ضمن مثقفي وعلماء البحرين، وليس بسبب نشره اسم بلده عاليا في المحافل الشعرية العربية والأجنبية من خلال طباعة أعماله في العديد من الدول العربية والأجنبية، وإقامة الصلات مع كبار شعراء ومفكري عصره من أمثال أحمد شوقي، ميخائيل نعيمة، إيليا أبو ماضي، نزار قباني، نازك الملائكة، عبدالرزاق البصير، حمد الجاسر، محمد مهدي الجواهري، ومحمد سعيد المسلم، وإنما أيضا ــ وهذا هو الأهم ــ بسبب حبه لبلده، وإخلاصه لقيادته، واعتزازه بعروبته، وروحه الوطنية النقية التي تجاوزت الحسابات الطائفية والمذهبية والجهوية. ونجد تجليات ذلك في دوره التربوي كصانع للأجيال، حيث بدأ حياته العملية بافتتاح مدرسة أهلية خاصة للبنين تحت اسم «المدرسة الأهلية» في المنامة، وكانت تقع في بناية الحاج منصور العريض التي تحولت لاحقا إلى مقر لإدارة المعارف، لتزويد أبناء وطنه بالعلم الحديث المواكب لعصر اكتشاف النفط والتجارة الحديثة مع العالم الخارجي، بدلا من علوم الكتاتيب والماضويات. ولم ينس العريض من خلال مدرسته تلك أن يغرس في طلابه، الذين صاروا لاحقا مفكرين ووزراء وتجارا، مواهب فنية كحب المسرح والتمثيل المسرحي بدليل أنه ألف وأخرج وقدم من على خشبة مسرح مدرسته بعضا من أوائل المسرحيات التي عرفتها البحرين مثل مسرحتي «وامعتصماه» في عام 1932 و»بين دولتين» في عام 1934، إضافة إلى مسرحية باللغة الإنجليزية هي مسرحية «وليم تل» بطل استقلال سويسرا. ويقول صديقنا الدكتور محمد علي الخزاعي ان موهبة العريض المسرحية ظهرت مبكرا جدا، وبالتالي كان من الممكن أن يصبح أحد أبرز رواد المسرح في الخليج والعالم العربي لولا أنه وزع اهتمامه ما بين الشعر والنقد والتأليف والترجمة. ونجد تحركه من أجل رفعة اسم ومكانة البحرين الثقافية متجسدا في حضوره لمؤتمرات أدبية عديدة عـُقدت في دمشق والقاهرة وبغداد والاسكندرية والكويت، فضلا عن حضوره لمؤتمر الدراسات العربية الرابع لجامعة بيروت الامريكية في عام 1954، والمؤتمر الرابع للكتــّاب الآسيوأفريقيين في نيودلهي في عام 1970. ولا ننسى في هذا السياق ان نشير الى اتصالاته ومراسلاته التي شملت عددا كبيرا من أبرز الأسماء الشعرية والأدبية والفكرية في القرن العشرين، وما تلقاه من هؤلاء من كلمات إشادة بشخصه وشعره وجهوده. وقد قامت دار سعاد الصباح للنشر والتوزيع بالكويت بجمع ونشر تلك الرسائل في كتاب حرره الدكتور منصور سرحان وأشرف عليه الأستاذ الدكتور محمد جابر الأنصاري مستشار جلالة الملك المفدى للشئون العلمية والثقافية. في هذا الكتاب الذي يحمل اسم «إبراهيم العريض وإشعاع البحرين الثقافي» نجد رسائل إطراء وصلته من الشاعر أحمد زكي أبوشادي رائد مدرسة «أبوللو» الشعرية الذي وضع في عام 1951 دراسة عن العريض قال فيها عنه إنه «منصف العربية وطاقتها الحضارية، كما ينصف عصره ونفسه، وهو واحد من كثيرين يكاد كل منهم بتنوعه واستقلاله يكوّن مدرسة خاصة به». ومن بين الذين أعجبوا بأدب العريض أيضا وراسلوه كل من المفكر المهجري ميخائيل نعيمة الذي كتب إليه في عام 1962 قائلا: «أنت تأخذ بيد القارئ برفق لتسير به في شعاب يطل منها على مواطن الجمال في الشعر، وأنعم بك من رفيق ودليل، ولولا إنك اهتديت إلى مواطن الفتنة في الشعر من زمان لما كنت ذلك الرفيق الأنيس، والدليل الأمين»، والشاعر اللبناني رشيد سليم الخوري الشهير بـ»الشاعر القروي» الذي كاتبه في عام 1952 قائلا: ولكم أنا معجبٌ بأناملك الصنّاع تنسجُ هذا المطرف الفضفاض من سبعة خيوطٍ من الشعر. وحين ألفّ العريض كتابه الشهير «فن المتنبي بعد ألف عام» في عام 1962، كتب المفكر والناقد التونسي عبدالسلام مسدي يقول:»كتاب ابراهيم العريض عن المتنبي حديقة من النقد الادبي، سياجها التاريخ، وأرضها تربة فنية زرعت إرهاصات من الحداثة كأوضح ما تكون الانباءات، وهو كتاب ألف في مطلع العقد السادس ليـُقرأ بعد أنْ يكون الوعي العربي قد استوعب الغزارة الفكرية التي زودت بها المناهج الحديثة العملية النقدية». وفي عام 1950 تلقى العريض رسالة من نزار قباني بعث بها من أنقرة ونـُشر نصها لاحقا في مجلة «الأديب» البيروتية وفيها يقول قباني: «قال لي شاعر دمشقي صديق إنّ كتاب إبراهيم العريض ــ يقصد كتاب «الأساليب الشعرية» ــ أغناني عن الرجوع إلى عشرات الدواوين. فلقد التقط إبراهيم العريض أجمل ما في الشعر العربي قديمه وحديثه وعلى اختلاف ألوانه ومشاربه وركزه في هذه الباقة. وهكذا يا إبراهيم كنتَ سباقا فاتحا. فإن كتابك الصغير يعتبر «دائرة معارف» للشعر العربي منذ أنْ كان حدا ودمدمة إلى أن صار همسا وهوسا وفتونا. لقد كان التقسيم الكلاسيكي قبل «الأساليب الشعرية» يفلقني. فالشعر في نظر هؤلاء المدرسين، إما أنْ يكون هجاء أو مديحا أو نسيبا أو «علاكا مصديا». وجئت أنت يا إبراهيم، كما جاء سميك النبي، فقوضت هذا التقسيم المهلهل، وتسلحتَ بسلاح علم النفس وتجاربك ومواهبك، ورأيت في «النسيب» وحده ألف مدرسة وألف درب وألف أسلوب، وأقمتَ بناءك على حقائق روحية ثابتة، لا على مواضيع اجتماعية متحركة». أما ما قيل فيه من رثاء بعد رحيله، سواء على شكل مقالات او برقيات، فقد قام نادي العروبة بالمنامة بجمعه وإصداره في كتاب تحت عنوان «إبراهيم العريض في ذاكرة الوطن»، وذلك تقديرا وعرفانا من النادي للعريض الذي كان أحد مؤسسيه ورواده ونجومه الساطعة. أما اعتزاز العريض بقوميته العربية فتجسدها الصورة الفوتوغرافية الشهيرة له وهو يطبع «قبلة البحرين والخليج العربي في عام 1957 «على جبين الرئيس جمال عبدالناصر، الرجل الذي عــُرف ذات يوم بـ»رائد القومية العربية». وأما مواقفه من القضايا القومية لأمته العربية فتجسدها أشعاره المتضمنة في الملحمة الشعرية المكونة من 875 بيتا والتي أصدرها في عام 1951 تحت عنوان «أرض الشهداء» مع إهداء إلى شعب فلسطين. وحول هذه الملحمة كتب الأمير الشاعر عبدالله الفيصل آل سعود إلى العريض قائلا: «إعجابي الكبير بقدرتك الشعرية الفذة لا يقل بحال من الأحوال عن إعجابي بقوميتك الكريمة. وإني لأرجو أنْ يكون رد الهدية ممن أهديتْ اليهم، غسلا بالدماء لعار الأبد ولعنة الأجيال، فتعود إلى فلسطين العربية حياتها الحرة الكريمة». ولا يكتمل الحديث إلا بالإشارة إلى دور العريض الوطني أي ما اضطلع به من مهام في بناء الدولة الحديثة في البحرين كواجب من واجبات المواطنة. ففي عام 1972 ترشح في انتخابات المجلس التأسيسي الذي انحصرت مهمته في وضع دستور البلاد بعد انتهاء معاهدة الحماية البريطانية، ففاز في تلك الانتخابات، كما فاز برئاسة المجلس ولعب دورا هاما في صياغة أول دستور للبحرين. وفي عام 1974 اختارته البحرين ليكون سفيرا متجولا لها، فكان ذلك نعم الاختيار لأنه صار ينقل معه في تجواله شعر البحرين ويعــّرف به. بعد ذلك عين العريض سفيرا مفوضا فوق العادة في وزارة الخارجية، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى رحيله إلى جوار ربه. لقد كان «الأستاذ» وفيا لقيادة بلده إلى آخر يوم في حياته. تشهد على ذلك قصيدته التي كتبها في مايو 2002 وهو يئن من الإرهاق وأمراض الشيخوخة. إذ لم يرد أن يودع دنياه دون أنْ يقول كلمته في ملك البلاد «حمد بن عيسى آل خليفة» ومشروعه الإصلاحي الذي نقل البحرين من حال إلى حال، فكتب قصيدة «مرآة عصرنا» التي من أبياتها: أنت مرآة عصرنا يا ابن عيســـى بك في العصر نحـــن أهنأ قومـــا إن رثى النيران في الظرف عجزي منك عذري بالصمت يعدل لومــا يحسب المادحون أنهم قــد بلغوا في المديح شــأوك دومـــا بينما الحق ـ أنـت ما زلت تعلو فوق الـــذي تخـــيلت يــومــا أنت في حلكة الدجـــى اليوم حلـــم إذ يغـــط الرعــاة حولك نومـا إذ حملت الميثاق فينا ضمانـا كيف يرضى في عهدك الناس ضيما لم أجد في الملوك قبلك فردا حالف الغرب ثم باراه سـومـا كل باب طـرقته كان فتحا ومضيق عبرتــه كان عـومــا إن تجدد لكل سعي لباســا فلأن النشــــــاط يفرض حــومـا عش لدنياك سائلا ومجيبـا ولدنيا سواك صحوا وغيمـا يسند (العم) في الجهاد خطاهــــا بخيوط تدور في الكون ـ ريمـا لابنك المرتقى وقد قام فينــا مثلا يحتذى ـ صلاة وصومــا مما لاشك فيه أن هناك عوامل كثيرة لعبت دورا في تكوين الشخصية الاستثنائية للعريض وتنمية مواهبه الثقافية، وتأصيل النزعة الوطنية المتسامحة فيه، وتمكينه لاحقا من الاضطلاع بمهامه الرسمية خير قيام. ولعل أحد هذه العوامل هو أن العريض ولد ونشأ في مجتمع ملون منفتح على مختلف الأفكار والصرعات والمذاهب والثقافات، ألا وهو المجتمع الهندي ذوالحضارة العريقة والفنون الغزيرة والاساطير الملونة. فـ «الأستاذ» ولد في الثامن من مارس من عام 1908 في «بـَمـْبي»، ميناء الهند الأشهر وقبلة أهل الخليج للتجارة، لأب من تجار اللؤلؤ البحرينيين وأم عراقية كربلائية كان والده قد اقترن بها في البحرين قبل انتقالهما معا إلى «بمبي»، لكنها توفيت بعد ولادته بشهرين ودفنت في مدينة «بونا»، الأمر الذي اضطر معه الأب إلى تكليف جارة هندية لهم برعايته ورضاعته. وحينما كان شاعرنا في سن الرابعة توفيت تلك الجارة الطيبة فانتقل إلى يد خادمة كانت تعمل لديهم. وهكذ نجد أن العريض أبصر النور وتفتح ذهنه وتعلم ألف باء الحياة، وأكمل تعليمه الابتدائي والثانوي في الهند أي في بيئة غريبة عن بيئته العربية، ولم ينتقل إلى البحرين إلا في عام 1922 حينما كان في الرابعة عشرة من عمره. حيث وصلها وهو يجيد الإنجليزية والأوردية والفارسية بطلاقة دون لغته الأم. وفي هذا الشأن كتب العريض شارحا «لقد جئت من الهند وأنا لا أعرف كلمة عربية واحدة، ولم أكن أستطيع الكلام ولا فهم ما يقوله الناس في البحرين آنذاك. كنت في البداية أبكي بسبب عدم معرفتي بلغتي الأم، ومع الأيام وجدتُ أنّ البكاء لن يفيدني، وقررتُ أنْ أتعلم هذه اللغة وكأنني مستشرق.. وتعبتُ كثيرا أثناء ذلك، فلا مناهج موجودة، ولا دروس معدة لذلك، ولا مدرسون متخصصون، غـير أني قبلت التـحدي وتعلـمت وتفوقت». نعم! قبل العريض التحدي فاستغل ذكاءه ونجابته وتلهفه، ومساعدة الأديب الشاعر سليمان التاجر له، فنجح في إجادة العربية إجادة تامة خلال ثلاث سنوات، بل وراح ينظم الأشعار بها بدليل ظهور ديوانه الأول «الذكرى» بعد ست سنوات من تعلمه العربية، كما راح يتبحر في قراءة وحفظ ودراسة الأعمال الشعرية لأبي تمام، وأبي فراس الحمداني، وإيليا أبي ماضي، وجبران خليل جبران، إضافة إلى أبي الطيب المتنبي الذي وصفه العريض بأنه «أكبر عبقري في الشعر العربي لأن قدرته بلغت حد تطويع اللغة وإخضاعها للمعنى الذي يريد». أما إجادته للغة الإنجليزية فقادته إلى الانعكاف على دراسة أشعار ثلة من كبار الشعراء العالميين من أمثال وليم شكسبير، توماس إليوت، جورج بايرون، إدوارد فيتزجيرالد، توماس مور، جون كيتس، إضافة إلى الشاعر والفيلسوف الهندي الكبير رابندرنات طاغور الذي كان لأشعاره أثر كبير في تغذية العريض بنزعة جمالية وفلسفية وفنية طغتْ على أعماله. وأما تبحره في الفارسية فجعلته يــُقـْدم على دراسة رباعيات الخيام وترجمتها إلى العربية ما بين عامي 1933 و1934 ثم يطبعها في عام 1966. وقد عمد في ترجمته إلى اختيار طريق غير ذلك الذي سلكه وديع البستاني، محمد السباعي، جميل صدقي الزهاوي، أحمد رامي، وأحمد الصافي النجفي في نقل الرباعيات من الفارسية إلى العربية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها