النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12143 الخميس 7 يوليو 2022 الموافق 8 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

البعض يفضلونها صحافة نشر الشائعات لا الأخبار

رابط مختصر
العدد 9083 الجمعة 21 فبراير 2014 الموافق 21 ربيع الثاني 1435

بمانشتات زاعقة احتلت معظم مساحة الصفحة الأولى منها وفى تقرير اخبارى موسع ومزود بالصور شغل صفحة داخلية منها أكدت إحدى الصحف المصرية فى الأسبوع الماضى أنها تنفرد دون كل صحف العالم بالكشف عن سر الرحيل المفاجئ لنائب رئيس الجمهورية الأسبق اللواء عمر سليمان، وان وفاته لم تكن طبيعية، بل كانت جنائية، إذ قتل بعقار سام لا تبدو اثاره، حقنه به طبيب مصرى يقيم بالإمارات التى تتولىشرطتها التحقيق بإشراف مديرها اللواء «ضاحي خلفان» التحقيق مع الطبيب القاتل الذى قبض عليه منذ أسابيع. وما كاد أحد البرامج التليفزيونية التى تقدم للمشاهدين عناوين صحف اليوم التالى يذيع الخبر حتى اتصل اللواء «ضاحى خلفان» هاتفيا بالبرنامج ليكذب الخبر جملة وتفصيلا مؤكدا أن شرطة الإمارات لا علم لها بشىء مما ورد فيه، وأنها لا تحقق فىأية جريمة تتعلق باللواء عمر سليمان، ولم تلق القبض على أحد من الأطباء المصريين أو من غيرهم بتهمة من هذا النوع. وهكذا قضى «ضاحى خلفان» على الشائعات التى أرادت الصحيفة أو من ضحك عليها وأمدها بهذا الخبر أن تروجها بين الناس، كما قضت هذه الشائعة على شائعة أخرى، كانت قد راجت خلال الأسبوعين السابقين تؤكد أن اللواء «عمر سليمان» لا يزال على قيد الحياة وأن شهود عيان قد رأوه بأعينهم فى أحد المولات الشهيرة التى تقع بإحدى ضواحى القاهرة، وهو يتنقل بين أقسامه. وليست هذه أول مرة تنتشر فيها مثل هذه الشائعات وتنشرها الصحف، فبعد عدة أسابيع من قرار النيابة العامة المصرية بحبس الرئيس الأسبق «حسنى مبارك» ونجليه «علاء» و«جمال» أكد أحد المواطنين أنه رأى «جمال مبارك» وهو يقود سيارته على جسر قصر النيل مما يؤكد كذب البيانات الرسمية التى ادعت أنه محبوس على ذمة التحقيق فى الاتهامات الموجهة إليه، إذ هو لا يستطيع أن يصدقها ، ويكذب عينيه اللتين سيأكلهما الدود بعد عمر طويل.. واهتمت الصحف والفضائيات بالتعليق على الخبر، وبالبحث عن المكان الذى يقيم فيه «جمال مبارك»، ولم تكف الضجة التى اذاعها شاهد العيان، إلا بعد أن نشرت الصحف صورا لجمال مبارك وهو يرتدى ملابس المحبوسين احتياطيا فى أحد السجون! ومنذ حوالى عشرين سنة وبعد أسابيع من وفاة الفنان «صلاح قابيل» فى فبراير عام 1992، راجت شائعة تقول بأن الفنان الراحل كان قد أصيب باغماءة وان أهله ظنوا خطأ أنه مات، فقاموا بدفنه، ولكن بعض السائرين فى المدافن ليلا سمعوا دقا على باب المقبرة فلما فتحوها فوجئوا بالفنان الراحل يطل عليهم وهو يتسربل بأكفانه. وعلى الرغم من أن اعدام الرئيس العراقي السابق «صدام حسين» تم أمام شاشات التليفزيون، وشاهده العالم كله وأثار فى حينها ضجة احتجاج واسعة لأنه نفذ فى صباح يوم الاحتفال بعيد الأضحى، فقد أصر بعض أنصاره على القول بأنه لا يزال على قيد الحياة وكرروا ما كانوا يقولونه منذ القبض عليه وخلال محاكمته التى كانت تجرى هى الأخرى أمام شاشات التليفزيون على امتداد شهور من أنه لا يزال حرا، وأن الذى قبض عليه وحكم عليه هو بديل له يشبهه وكان ينوب عنه اثناء رئاسته فى القيام بالجولات الجماهيرية التى كان يقوم بها فى شوارع بغداد وغيرها من المدن العراقية وهو البديل نفسه الذى أعدم بدلا عنه، بل إن كاتبا مصريا أصدر كتابا يؤكد به هذه الشائعات ووجد آلاف من القراء يشترون كتابه التافه ويصدقون ما ورد فيه! أما آخر الشائعات التى جرى ترويجها فهى شائعة اغتيال المشير «عبدالفتاح السيسى» وزير الدفاع المصرى التى اطلقها إعلام جماعة الاخوان المسلمين فى سياق الحرب الإعلامية التى يشنها على ثورة 30 يونية وعلى الدور الذى لعبته القوات المسلحة المصرية بقيادة «المشير السيسى» فى مساندتها.. وخلال الأسابيع التى كان الذين يروجون للشائعة خلالها عبر شاشات قناة «الجزيرة» وغيرها يتحدون المشير علنا أن يظهر فى مناسبة عامة كان الرجل يمارس عمله ويلتقى بغيره من المسئولين المصريين والأجانب ويشهد احتفالات بتخريج ضباط جدد من الكليات العسكرية ويخطب فيها ويبث ذلك كله على شاشات التليفزيون فلا يجد الذين اطلقوا الشائعات إلا القول بأن الذي يقوم بذلك هو بديل للمشير يشبهه تماما وليس هو .. إلى أن تكاثف ظهور المشير وبدأ الحديث عن أنه يستعد لخوض معركة الانتخابات الرئاسية يتصاعد على نحو أصبح معه الاستمرار فى تأكيدها أمر يثير السخرية ممن اطلقوها فتوقفوا فجأة عن الحديث عندها وبدءوا يبحثون عن شائعة غيرها. وفى كل هذه الحالات وغيرها كنت أدهش أحيانا حين يسألنى أحد العوام عن مدى صحة الشائعات، كأن هناك احتمال بأن تكون صحيحة وتزداد دهشتى حين يكون من بين السائلين متعلمون بل ومن خريجى الجامعات الذين يفترض أنهم يملكون درجة من الوعى تمكنهم من التمييز بين المعقول واللامعقول ، وتصل هذه الدهشة إلى حد الذهول حين تنشرها صحيفة أو تبثها قناة فضائية، أو يروجها عضو قيادى فى حزب سياسى، أو جماعة دينية كبيرة وعريقة يندب نفسه لحكم البلاد، ويدعى قدرته على قيادتها، أو يجلس مجلس الارشاد العام للناس بهدف هدايتهم إلى فضائل الدين ومنافع الدنيا ، ثم يستحل لنفسه الكذب عليهم وخديعتهم. وقد كان الظن فيما مضى أن الشائعات تنتشر فى المجتمعات التى تحكمها أنظمة استبدادية تقوم بالتعتيم على الحقيقة، وتعتمد على التواتر الشفهى للمعلومات، وتفتقد للقدر الكافى من وسائل الاتصال التى تستطيع أن تقضى عليها فى مهدها، وان انتشار التعليم وازدياد الوعى والثورة فى وسائل الاتصال التى حولت العالم كله إلى قرية كونية كفيلة بالقضاء على الشائعات، إلا أن ذلك كله لم يحل دون انتشار هذه الشائعات الساذجة فى أمتنا العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة، ربما لأنها لا تزال تفتقد القدر الكافى من الشفافية ومن العقلية النقدية وربما لأن بعض الصحف المقروءة والمسموعة والمرئية التى يفترض أنها نشأت أصلا لكى تنشر الحقيقة وتتحقق عبر أساليب مهنية من صحة «الشائعة» قبل أن تحولها إلى «خبر» تفضل أن تنشر الشائعات لأنها أكثر اثارة وجاذبية للقارئ العربى من الأخبار، ولولا ذلك لما أصرت الصحيفة التى فبركت خبر تحقيق شرطة الإمارات مع المتهم باغتيال اللواء عمر سليمان على نشره على الرغم من أن «ضاحى خلفان» قد كذبه قبل أن تدور آلة الطباعة، ولما تجاهلت التكذيب تماما فىاعدادها التالية .. وكأنها تؤكد أننا بالفعل أمة عربية واحدة ذات شائعات خالدة!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها