النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11931 الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 الموافق 2 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

الشارعان الهنديان المرتبطان بوجدان الخليجيين

رابط مختصر
العدد 9034 الجمعة 3 يناير 2014 الموافق غرة ربيع الأول 1435

لم يرتبط شارع اجنبي بوجدان أهل الخليج من الرعيل الأول كما ارتبط شارع «محمدعلي رود» في بمبي. هذه المدينة الهندية التي كانت محجتهم الرئيسية للتجارة والاستجمام والاستشفاء والتعليم في حقبة ما قبل النفط. وبالمثل ارتبط شارع آخر في بمبي أيضا بالذاكرة الجمعية لتجار ونواخذة الخليج هو شارع «ناجديفي ستريت» الذي اتخذ الكثيرون من تجار وأعيان الخليج القدامى من المكاتب والمحلات القائمة على ضفتيه مكانا لمزاولة أعمالهم التي تراوحت ما بين تصريف اللؤلؤ وتصدير السلع والبضائع هندية المنشأ إلى بلدانهم او العمل كوسطاء مقابل «قومسيون» معين. ولحسن الحظ أن الكثير من أغلفة الرسائل البريدية التي كانت تــُرسل من الخليج إلى بمبي في الثلاثينات والأربعينات والخمسينات لا تزال محفوظة في أيد أمينة، وكلها تشير إلى أسماء وعناوين أولئك الرجال الميامين الذي هاجروا إلى الهند طلبا للرزق أو أقاموا بها إقامة دائمة بحثا عن الفرص التجارية المجزية. ومما يثلج الصدر أن في الخليج من الباحثين من هو مهتم بتوثيق هذه الأمور أو الكتابة عنها بغرض تنوير الأحفاد بما فعله أجدادهم في سعيهم للرزق وكسب المعرفة والاتصال بالعالم الخارجي الأكثر تمدنا. من بين هؤلاء الباحث والمؤلف الكويتي الأستاذ «خالد عبدالرحمن العبدالمغني» الذي ذهب شخصيا إلى بمبي قبل عامين للاطلاع عن كثب على أماكن إقامة وعمل الرعيل الخليجي الأول في الهند، وجمــْع ما يدل على ذلك من رسائل ووثائق ومستندات. وحينما عاد الرجل من رحلته الاستكشافية المضنية نشر ثمار عمله الميداني في دراسة نشرتها جريدة القبس الكويتية على حلقات في مايو 2013، مدعمة بالصور والشهادات والحوارات. وقبل أن نستعرض شيئا مما سجله العبدالمغني، لا بد من الإشارة إلى أن شارع «محمد علي رود» لم يـُطلق عليه هذا الإسم نسبة إلى الزعيم الهندي المسلم محمد علي جناح الذي قاد فكرة تقسيم شبه القارة الهندية إلى كيانين مستقلين، أو نسبة إلى باني مصر الحديثة وحاكمها في الفترة من 1805 وحتى 1848 محمد علي باشا، أو نسبة إلى رجل البر والإحسان الحجازي الحاج محمد علي زينل، كما يعتقد البعض، وإنما نسبة إلى الناشط السياسي الهندي، والخطيب المفوه، والصحافي المجتهد، وموظف جهاز الخدمة المدنية، وسادس رئيس مسلم لحزب المؤتمر الهندي، وشقيق مولانا شوكت علي - من زعماء المسلمين في الهند - وصديق غاندي ومولانا أبوالكلام آزاد وغيرهم من قادة حركة الاستقلال «مولانا محمد علي جوهر» المولود في عام 1878 لعائلة بشتونية، والمتوفي في لندن في عام 1931، والمدفون عند قبة الصخرة في القدس بناء على وصيته، والحاصل على أعلى الشهادات من كلية لينكولن وجامعة أكسفورد البريطانية في تخصص التاريخ. كما لا يفوتنا أن نقول أن شارع محمد علي رود «لم يتغير منذ تشييده في منتصف الثلاثينات لولا «الجسر الذي شق سماءه فزاد من ضوضاء الصوت في أركانه والغبار في أنحائه، وحجب النور على امتداد وسطه» وفي منتصف الشارع تقريبا تجد «مطعم سنترال» أو المقهى الشهير الذي كان ملتقى النواخذة والبحارة الخليجيين في أربعينات القرن العشرين وموقعا استراتيجيا لتبادل الهموم وأخبارتطورات الحرب العالمية الثانية. وينقل العبدالمغني عن المرحوم صالح الشايع قوله أن الشارع كان عبارة عن أزقة يقطنها الهنود المسلمون وتتوزع فيها المساجد إلى أن قرر الحاكم البريطاني بالاتفاق مع السلطات البلدية شق شارع حديث ومستقيم تطل على جانبيه المتاجر والمقاهي والمسارح ودور السينما. وطبقا لعبد المغني فإن من التجار الخليجيين الذين استقروا في «محمد علي رود» سليمان الهارون، حمد بن سلطان، الشيخ عبداللطيف العبدالرزاق، ومساعد عبدالله الساير. وطبقا له ايضا فإن الشارع سكنه وعمل به لفترات زمنية متفاوتة ثلاث شخصيات كويتية معروفة لأسباب سياسية وليست اقتصادية. أولى هذه الشخصيات هي حسين بن عيسى القناعي المتوفى في عام 1957 والذي استقر في بمبي عام 1914 على اثر خلافه مع حاكم الكويت وقتذاك الشيخ مبارك الصباح الذي طلب منه أنْ يعمل مديرا للجمارك ولكنه رفض بحجة أنّ الجمرك حرام، علما بأن القناعي عمل مع آل إبراهيم في بمبي في بداية الأمر قبل ان يستقل بتجارته وينقل مقره من «شارع سوتار تشاول» القريب من «شارع عبدالرحمن» المنسوب إلى تاجر الخيول العربية النجدي عبدالرحمن المنيع إلى «مجمع سيتارام» القريب من مكاتب التاجر الحجازي وعميد الجالية العربية في بمبي الحاج «محمد علي زينل علي رضا» فإلى شارع «محمد علي رود» رقم 102. والشخصية الثانية هي راشد العبدالغفور المتوفي في عام 1986 والذي كان أحد المشاركين في أحداث مجلس 1938 التشريعي، وأحد اعضاء الكتلة الوطنية. حيث تفادى المساءلة والاعتقال بالفرار برا إلى الزبير بواسطة سيارة جاره سعود اليوسف المطوع القناعي. بعد ذلك تمكن من التسلل إلى البصرة التي استقل منها في عام 1939 سفينة مبحرة باتجاه بمبي مع مجموعة من مواطنيه الناشطين. وحينما اكتشفت سلطات حكومة الهند البريطانية أن دخوله إلى الهند كان بأوراق مزورة وضعته تحت الإقامة الجبرية إلى حين ترحيله إلى بلده، لكنها عادت وقبلت ببقائه في الهند وسمحت له بمزاولة التجارة بمساعدة ابنه عبدالله الذي التحق به في بمبي مع زميله خالد مساعد الكليب. ومما يروى أن هذا الثلاثي عملوا في بداية الأمر من خلال مكتب التاجر النجدي صالح بن عبدالله البسام الكائن في «عمارة بدري» بشارع ناجديفي رقم 293 قبل أن يستقلوا بتجارتهم في عام 1941 ويفتحوا مقرا خاصا بهم في 101 شارع محمد علي رود داخل عمارة ملاصقة للعمارة التي احتضنت مكاتب حسين بن عيسى القناعي وإخوانه. أما الشخصية الثالثة فهي «محمد علي البراك» المتوفى في عام 1953، والذي يــُنسب لعائلة الفضالة، والمعروف بلقب الزعيم بسبب نشاطه السياسي ضد نظام بلده في عهد الشيخ أحمد الجابر. حيث يــُروى أن بعض اصدقائه نصحه في عام 1938 بالخروج من الكويت إلى العراق تفاديا لاعتقاله، ففعل ذلك. وهو لئن استقر في العراق بعيدا عن الملاحقة في زمن الملك غازي، فإنه تعرض للمتاعب في عهد خلفائه (فيصل الثاني وعبدالإله)، الأمر الذي قرر معه الهجرة إلى بمبي في عام 1941 حيث سكن في مكتب حسين بن عيسى القناعي في شارع محمد علي رود رقم 102 قبل أن يفتح محلا لبيع الأحذية في الشارع نفسه. ونظرا لحماسه ضد كل ما هو إنجليزي فقد شارك في المظاهرات والاحتجاجات التي قادها المهاتما غاندي بدءا من حملات العصيان المدني في عام 1940 وانتهاء بالمظاهرات المنددة بإعلان الحرب ضد دول المحور. وفي إحدى هذه التظاهرات تعرض البراك إلى حادثة دخول سيخ في صدره مما أدى إلى دخوله المستشفى للعلاج. وبعد خروجه منه اعتقلته سلطات الهند البريطانية بتهمة موالاة العدو وزجت به في معتقل في بمبي لأكثر من خمس سنوات إلى أن صارت الهند على وشك نيل استقلالها. وقتها كتبت حكومة الهند البريطانية إلى المعتمد البريطاني في الكويت رسالة أخبرته فيها أنها لا تريد البراك في الهند وسوف ترحله إلى الكويت «لتتعاملوا معه بالطريقة التي ترونها مناسبة». وبالفعل تم إرسال البراك إلى الكويت مخفورا عن طريق البحر فوصلها في نوفمبر 1946 وتم إيداعه السجن الذي بقي فيه مدة ثلاثة أشهر إلى أن ساءت حالته الصحية فأفرج عنه ليموت في ديسمبر 1953. ويقول العبدالمغني في دراسته القيمة أن تجارا خليجيين كثرا نقلوا مكاتبهم وأعمالهم في فترة من الفترات من «محمد علي رود»، إلى «ناجديفي ستريت» الموازي للأخير - وإنْ لم يكن في طوله واتساعه - وذلك طبقا للعناوين التي ظهرت على مراسلاتهم مع نظرائهم في أوطانهم. فهناك مثلا مغلف مرسل من الكويت إلى الوجيه عبدالعزيز الإبراهيم على عنوانه في 13 ناجديفي ستريت، ومغلف مرسل في عام 1941 من الكويت إلى الحاج علي حمود الشايع على عنوانه في 178 ناجديفي ستريت، ومغلف آخر مرسل في عام 1947 على العنوان نفسه من يوسف صالح الحميضي في الكويت إلى الوجيه محمد بن عبدالله الفوزان، ومغلف رابع مرسل في عام 1929 من عنوان محمد سالم السديراوي في بمبي في شارع ناجديفي إلى فهد الخالد وإخوانه في الكويت، ومغلف خامس يحمل عنوان التاجر النجدي صالح بن عبدالعزيز البسام في 293 شارع ناجديفي. وفي هذا السياق يذكر العبدالمغني أن من أوائل من انتقل إلى شارع «ناجديفي» هو الشيخ عبدالعزيز الابراهيم، وذلك في أوائل القرن العشرين، حيث استقر في العمارة رقم 13، ولكن بعدما شب حريق كبير في الحي في عام 1908، انتقل الابراهيم إلى منطقة «تشاباتي» حتى عام 1913 حينما عاد وسكن ضاحية «كولابا» الراقية حتى نهاية الثلاثينات وبعدها. ومن أوائل الذين افتتحوا مكاتب واستقروا في «ناجديفي ستريت» أيضا كل من صالح بن عبدالله البسام الذي بقي فترة طويلة امتدت من الثلاثينات حتى الخمسينات في المبنى رقم 293، ومساعد أحمد البدر الذي استقر منذ عام 1929 في المبنى رقم 206، وهو نفس المبنى الذي كان للتاجر البحريني عبدالله الشيخ إسحاق مكتب فيه، ومحمد عبدالله الفوزان الذي كان له مكتب في المبنى رقم 178 من هذا الشارع في أوائل الثلاثينات قبل أن ينتقل إلى مكتب علي حمود الشايع في أواخر عام 1939 وحتى الستينات حينما تم هدم العمارة لإعادة بنائها على نفس المساحة وبنفس الارتفاع. ومن الشخصيات البارزة التي فتحت لها مكتبا في بمبي منذ اوائل القرن الماضي، واستمرت لفترة طويلة حتى نهاية ستينيات القرن الماضي التاجر النجدي «حمد علي القاضي» الذي كان يتمتع بنشاط كبير وعلاقات تجارية متشعبة مع تجار الكويت والبحرين ودبي ومسقط وعدن والبصرة. وقد بدأ القاضي عمله التجاري في بمبي من خلال مكتب له في «عمارة نواب» في شارع جانيكار رقم 107 المتقاطع مع «محمد علي رود» والقريب جدا من «ناجديفي ستريت». وفي منتصف الثلاثينات نقل مكتبه إلى موقع جديد في شارع «مسجد بوندير» رقم 238-40 وهو نفس عنوان المكتب ودار الضيافة الذي افتتحه في عام 1908 محمد سالم السديراوي وكيل الشيخ مبارك الصباح في الهند. ثم يستطرد العبدالمغني ليصف هذا الشارع فيقول: «اذا سلكت الجادة الداخلية يمينا خارجا من «مطعم سنترال» تجد على مسافة قريبة جدا «ناجديفي ستريت»، وهو شارع ممتد، طويل نسبيا، مواز لمحمد علي رود، وما زال يحتفظ ببعض من الشكل الذي عــُرفت به العمارات القديمة بإرتفاعاتها المتواضعة، وإنْ تم هدم بعضها وإعادة بنائها ليلبي متطلبات العصر. ويــُلاحظ أن تلك العمارات لا يزيد عرضها عن ثمانية أمتار تقريبا، وهي متلاصقة على نسق واحد تقريبا، واجهاتها عبارة عن محل وباب يفتح على درج يؤدي بك إلى الشقق التي في الأعلى». وأتذكر شخصيا أن والدي الحاج أحمد بن عبدالرحمن المدني قادني ذات يوم إلى محل من تلك المحلات لزيارة تاجر هندي في مكتبه فرأيت فعلا درجا يؤدي إلى شقة كئيبة في الأعلى. لكن ما أثار دهشتي واستغرابي هو وجود معزة مربوطة عند المدخل وأمامها كومة من «الجت». ولم يمض وقت طويل حتى عرفتُ أن تلك المعزة المسكينة يتم حلبها كلما حل ضيف على صاحب المكتب ليقدم حليبها للضيافة بدلا من القهوة والشاي والمرطبات!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها