النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12143 الخميس 7 يوليو 2022 الموافق 8 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

فيلم وثائقي عن أولى وقائع ثورة يوليو الغامضة!

رابط مختصر
العدد 8978 الجمعة 8 نوفمبر 2013 الموافق 4 محرم 1435

في عرض محدد، وعلي امتداد ما يقرب من ساعتين استمتعت خلال الأسبوع الماضي بمشاهدة فيلم «اسمي مصطفي خميس»، آخر أفلام المخرج «د.محمد كامل القليوبي» الأستاذ بمعهد السينما، وهو فيلم سعي من خلاله، للاحتفاظ للذاكرة الوطنية، بواحد من أكثر وقائع الفترة المبكرة من تاريخ ثورة 23 يوليو 1952 غموضا وأكثرها إثارة للجدل، وهو إضراب عمال مصنع شركة مصر للغزل والنسيج الرفيع، بمدينة كفر الدوار الصناعية، القريبة من الإسكندرية الذي وقع بعد أقل من ثلاثة أسابيع من استيلاء الضباط الأحرار علي السلطة، وأسفر عن تقديم عشرات من العمال إلي المحاكمة أمام مجلس عسكري عال، رأسه أحد أعضاء ما كان يعرف آنذاك بمجلس القيادة، وضم في عضويته، عضوا آخر من هذا المجلس الذي تحول بعد ذلك إلي «مجلس قيادة الثورة»، وعقد هذا المجلس جلساته في استاد الشركة الرياضي، أمام آلاف من عمال الشركة، وغيرهم من عمال الشركات الصناعية الأخرى في المدينة، في مشهد دفع البعض إلي المقارنة بينه وبين محاكمة فلاحى قرية «دنشواى» الذين اتهموا - عام 1906 - بالاعتداء علي عدد من ضباط جيش الاحتلال، كانوا يصطادون الحمام في قريتهم، وحوكموا أمام محكمة مخصوصة لم تستغرق سوي ثلاثة أيام، وكما انتهت محاكمة «دنشواي» بإعدام أربعة من الفلاحين وجلد اثني عشر، والأشغال الشاقة والسجن لعشرات غيرهم، ونفذت الأحكام فيهم في جرن لدرس القمح أمام أهالي القرية انتهت محاكمة عمال كفر الدوار - التي لم تستغرق سوي ثلاثة أيام هي الأخري - بالحكم بإعدام اثنين من العمال هما «مصطفي خميس» و«محمد حسن البقري» وبالأشغال الشاقة والسجن لعشرات غيرهم. وكان وراء هذه الرعونة في إجراءات المحاكمة التي افتقدت لأي ضمان من ضمانات العدالة، وللأحكام القاسية التي صدرت بحق المتهمين هواجس تلبست مجلس القيادة، بأن وراء إضراب عمال الشركة مؤامرة دبرها أنصار النظام البائد لإشاعة الفوضي وإفشال الثورة، مما دفع قوات الشرطة إلي محاصرة المصنع والقبض علي عدد من العمال، فأشعل هذا غضب بعضهم، وبدءوا في إشعال النيران في بعض مرافق المصنع، كان من بينهم المتهم الثاني «محمد حسن البقري». وفي اليوم التالي خرجت مسيرة من عمال المصنع الذين لم يكونوا داخله عند بدء الإضراب، احتجاجا علي اعتقال زملائهم، كان يقودها «مصطفي خميس».. وعندما حاولت الاقتراب من أسوار المصنع، حدثت مصادمات بينها وبين جنود الشرطة، أسفرت عن مقتل ثلاثة جنود.. لتزداد هواجس أعضاء مجلس القيادة اشتعالا، فيقرروا القيام بحملة تأديب قضائية.. انتهت بمشاهد ذكرت المصريين بما جري في حادث «دنشواي»! وكان من الآثار المباشرة لهذه المواجهة العنيفة، أن الطبقة العاملة المصرية توقفت منذ ذلك الحين، ولمدة طويلة، عن ممارسة حق الإضراب عن العمل لأسباب نقابية، وهو الحق الذي انتزعته لنفسها منذ بداية القرن العشرين، وظلت تمارسه حتي في ظل العهود الديكتاتورية بعد ثورة 1919، فلم تعد إليه إلا في سبعينيات القرن الماضي. وكان من بين هذه الآثار كذلك أن العلاقات بين مجلس قيادة الثورة، وبين التنظيم الوحيد الذي كان يؤيدها من الحركة الشيوعية المصرية آنذاك، وهو «الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني/ حديتو» تعرض لانشقاق داخله، بسبب تورط بعض قياداته في تأييد الإجراءات العنيفة التي اتخذت بحق العمال، مما اضطره إلي تغيير موقفه السياسي من ثورة يوليو، وبعد أن كان يعتبرها ثورة وطنية ديمقراطية أصبح ينظر إليها باعتبارها ديكتاتورية عسكرية فاشية، وهو ما أدي إلي تعقد العلاقات بين الثورة والشيوعيين لعدة سنوات بعد ذلك. كانت تلك بعض المحاور التي سعي «د.محمد كامل القليوبي» للبحث فيها، بعد ما يقرب من 61 سنة من وقوع أحداث كفر الدوار، بالاستماع إلي من بقي علي قيد الحياة من شهود الواقعة، وما ورد في مذكرات الذين كتبوا مذكراتهم ممن كانوا علي صلة بها، فضلا عن أقوال الذين سعوا لتدقيق وقائعها، وحل ألغازها من المؤرخين، فأضاف بهذا الفيلم إلي وثائق التاريخ المتعلقة بها، وثيقة مهمة، وأضاف إلي السينما التسجيلية والوثائقية فيلما مهما آخر، بعد فيلمه الوثائقي الذي صحح به تاريخ بداية السينما المصرية، واكتشف من خلاله تراث رائد السينما التسجيلية والروائية «محمد بيومي». ويلفت اهتمام «القليوبي» بهذا النوع من الأفلام الوثائقية النظر لأهميته البالغة في إحياء الذاكرة الوطنية، خاصة أن الحاجة تشتد إليه بعد أن توسعت الدراما السينمائية والتليفزيونية في الاعتماد علي وقائع التاريخ كخلفية لأحداثها، أو الترجمة، لسير الشخصيات الفنية والفكرية والسياسية، ودفعتها الضرورات الدرامية إلي تغيير بعض وقائع التاريخ، أو إضافة بعض الشخصيات علي نحو جعل بعض المشاهدين - الذين اشتد إقبالهم علي متابعة هذا النوع من الدراما التاريخية -إلي النظر إليها باعتبارها مصدرا وحيدا لمعرفة التاريخ، وليست رؤية درامية تختلط فيها الوقائع بالخيال، فكان لابد لتصحيح هذا اللبس أن تتأسس مدرسة للسينما الوثائقية العربية، تقدم حقائق التاريخ كما وقعت لا كما يتخيلها كتاب الدراما، وهو ما ساهم به «القليوبي» بفيلمه السابق عن «محمد بيومي» وبهذا الفيلم، ولعله يستمر في هذا الطريق الذي لا شك أنه أحد رواده.. فيضيف بذلك بصمة مميزة، كالتي أضافها بأفلامه الروائية علي الرغم من قلتها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها