النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11931 الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 الموافق 2 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

طـِلـِعـْلـُه ، طـِلـِعْـلـُه .. في حديقة الأندلس

رابط مختصر
العدد 8957 الجمعة 18 أكتوبر 2013 الموافق 13 ذو الحجة 1434

من عاش سنوات الخمسينات والستينات لابد وأنه يتذكر بهجة الاحتفالات وطقوس الفرح التي كانت تقيمها بلدية المنامة سنويا بمناسبة ذكرى جلوس صاحبي العظمة الشيخين سلمان بن حمد آل خليفة، وعيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراهما في حديقة الأندلس بالقضيبية تحت إسم «المعرض الزراعي والتجاري»، وكان يشارك فيه كل أهل البحرين، سنة وشيعة، مواطنون ومقيمون، رجالا ونساء، كبارا وصغارا. كانت تلك من المناسبات التي ينتظرها الجميع، وكانت البلدية تستعد لها قبل أشهر طويلة من بدئها بتزيين حديقة الأندلس بالمصابيح الملونة والأعلام الوطنية وإقامة المنصات الخشبية الدائرية والمربعة للعروض التمثيلية والاسكتشات الغنائية «مثل الإسكتشات التي كان يقدمانها الفنانان جاسم خلف وصالح أحمد الشهيران بـ حجي بن حجي وأحمد بن أحمد»، مع تزويدها بالأضواء ومكبرات الصوت، ناهيك عن قيامها بتنظيم مجموعة من الأكشاش لعرض مختلف أنواع البضائع أو لبيع المأكولات الشعبية، والمشروبات الغازية، والعصائر، ومجموعة أخرى من الأكشاش لعروض مسابقات الحظ الشبيهة بما نشاهده في الأفلام المصرية القديمة في موسم المولد النبوي في منطقتي الحسين والسيدة زينب بالقاهرة. وكانت الأكشاش الأولى تؤجر لمن يريد من المواطنين أو المقيمين، بينما تؤجر الثانية للمشتغلين في ألعاب الحظ وعروضها من الشقيقة مصر. ولم تكن البلدية وحدها المعنية بهذا الحدث. فإلى جانبها كانت دائرة الشرطة أيضا تستعد لها مبكرا بتدريب فرقتها الموسيقية وفرقة الفرسان التابعة لها من أجل تقديم عرض يليق بالمناسبة. وعلى حين كانت البلدية والشرطة مشغولتين بهذه الأعمال، كان الصبية الصغار يقتصدون ويستقطعون بشق الأنفس شيئا من مصاريفهم المدرسية القليلة كيلا تفوتهم متعة ممارسة ألعاب الحظ السخيفة التي كانت تتمحور حول إصابة هدف ما ببندقية شوزن قديمة، أو دفع كتلة حديدة نحو نقطة النهاية في مسار أفقي، أو دفع آنة أو آنتين مقابل السماح لك بسحب ورقة مطوية تحتوي على رقم جائزة ما من داخل وعاء زجاجي. وبطبيعة الحال فإن كل الجوائز كانت تافهة ولا تتعدى زجاجة من مشروب سينالكو، أو ميدالية مفاتيح، أو دمية قطنية، أو برواز صغير من براويز الصور البلاستيكية، أوقلم حبر صيني حقير. غير أن فرح الفائزين كان كبيرا ومجللا، خصوصا مع سماعهم لصوت صاحب الكشك وهو يردد بأعلى صوت وسط الجمهور الغفير عبارة: «طلعله .. طلعله» إعلانا عن فوز شخص ما بجائزة حقيرة، وترغيبا للآخرين أن يتقدموا ويجربوا حظوظهم. وكان المعرض الزراعي والتجاري السنوي فرصة أيضا للمراهقين المتخصصين في المعاكسة البريئة - وأشدد هنا على المعاكسة البريئة - لأنها لم تكن تتجاوز تبادل النظرات والغمزات وكلمات الإعجاب الطائرة همسا. وبقدر ما كان هؤلاء يستعدون للمناسبة بلبس أفخم ما لديهم من قمصان وبنطلونات وأحزمة وأحذية متفقة مع موضة الستينات، مع رش أجسادهم وملابسهم بقطرات من عطر «بروت» الإمريكي أو سائل ما بعد الحلاقة من نوع «أولد سبايس»، فإن الطرف الآخر كان يتفنن في لباسه من أجل جذب الأنظار، خصوصا وأننا نتحدث عن وطر مضى لم تكن فيه الفتيات متشحات بالسواد الكامل كما اليوم. ومما أتذكره ويتذكره معي كل أقراني من شباب تلك الحقبة المتميزة في تاريخ البحرين عن هذا المعرض أن المسؤولين عن تنظيمه كانوا يحرصون على إدخال أقصى درجات البهجة والمتعة والتسلية إلى قلوب الجمهور، وذلك عبر الاتفاق مع الأندية والفرق المسرحية وفرقة موسيقى الشرطة لتقديم عروض فنية وموسيقية مسائية بالتزامن، ناهيك عن تشجيعهم على جلب فنانين معروفين من أرض الكنانة للشدو بروائعم الغنائية وأحدث أعمالهم الفنية. وعليه شهدت البحرين بالتزامن مع الذكرى الرابعة لجلوس المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة في ديسمبر 1966 حفلتين موسيقيتين ساهرتين: الأولى أقامتها «فرقة الأنوار» على مسرح النادي الأهلى وشارك فيها المطرب أحمد الجميري بأغنية «أول ما نبدأ»، والمطرب يوسف مشائي بأغنية « أنا ما أنساك». أما الحفلة الثانية فقد أقامتها «أسرة هواة الفن» على مسرح سينما النصر بالمنامة، وشارك فيها بالغناء إبراهيم حبيب الذي قدم أغنيته المشهورة «دار الهوى»، وحمد الدوخي الذي غنى «علموني إيشلون أنساه»، ومحمد علي عبدالله الذي قدم رائعته الخالدة «كم سنة وشهور». وكان مسك الختام في هذه الحفلة المطرب المصري ماهر العطار الذي غنى بمصاحبة فرقة موسيقية من بلده كان يقودها حسن عشماوي أغنية «إفرش منديلك» من كلمات محسن عزت وألحان إبراهيم رأفت، والتي يقول مطلعها: إفرش منديلك ع الرملة، وأنا ح لفّ وأجيلك عالرملة «هل فهمتم شيئا؟»، وأتبعها بالأغنية التي أطلقته نحو الشهرة وهي أغنية «بلغوه» من كلمات عبدالعزيز سلام وألحان محمد الموجي، وفيها يغني: «بلغوه .. شوقي وسلامي بلغوه، طمـّنوه .. إن سألكم عني طمـّنوه، ماتقولوش إني بكيت، وفي غيابه اشتكيت، ماتقولوش عني كده ل تزعلوه». وفي الذكرى التالية لجلوس صاحب العظمة الشيخ عيسى أقامت أسرة فناني البحرين «أسرة هواة الفن سابقا» في ديسمبر 1967 تحت رعاية صاحب السمو ولي عهده الأمين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة عدة حفلات ساهرة إبتداء من 15 ديسمبر، شاركت فيها مواهب فنية وموسيقية ومسرحية محلية واعدة. غير أن الأنظار كانت مشدودة إلى مسرح سينما النصر حيث كانت تعرض بالتزامن حفلات غنائية بمشاركة نخبة من فناني مصر، كان من بينهم الممثل الفكاهي المصري والمنولوجست الشهير محمود شكوكو، والمطربة شريفة فاضل التي أمتعت الجمهور بتقديم أغنيتها الشهيرة «حارة السقايين» من كلمات حسين السيد وألحان منير مراد، والتي يقول مطلعها: «على مين على مين على مين، على مين يا سيد العارفين، بتبيع الحب لمين، إنْ كنت جاي تغني، روح إسأل قبله أنا مين، ما ترحش تبيع الميه في حارة السقايين»، ومن بعدها قدمت أغنية «وحياتك يا شيخ مسعود» من كلمات حسين السيد التي تبدأ بـ «وحياتك ياشيخ مسعود ، لو كنت مسافر أسيوط، إبقى إعطف على بيت الخال، وإنْ شفت الواد عبدالعال، قوله سلامات .. فين الشربات» واختتمت فقرتها بأغنية «فلاح كان فايت» من ألحان منير مراد والتي يقول مطلعها: «فلاح كان فايت من جنب السور، شافني وأنا بجمع كم وردة في طبق بنـّور، قطع الموال وضحكلي وقال، ياصباح الخير يا صباح الخير ياأهل البندر» أما في الذكرى السادسة لجلوس المغفور له الشيخ عيسى في ديسمبر 1968 والتي صادف أيضا الاحتفال بعيد الفطر المبارك فقد شهدت البلاد مجموعة من الحفلات والمهرجات الفنية المتميزة. بدأت هذه الاحتفالات بحفل ساهر شارك فيه بعض من أشهر مطربي مصر من أمثال محمد عبدالمطلب ومحمد رشدي ونجاة الصغيرة، إضافة إلى الممثل الظريف إسماعيل ياسين والمنلوجست الشهيرة ثريا حلمي، حيث أطربت نجاة الجمهور بجديدها المتمثل في أغنية «أنا بستناك» من كلمات مرسي جميل عزيز وألحان بليغ حمدي، وقديمها المتجسد في أغنية «أيظن» من كلمات نزار قباني وألحان الموسيقار محمد عبدالوهاب، وقد رافقتها الفرقة الماسية بقيادة المايسترو أحمد فؤاد حسن. كما أطرب محمد رشدي، الذي كان وقتذاك، في بداية مشواره الفني الجمهور البحريني بأغنيته المعروفة «عدوية» من كلمات عبدالرحمن الأبنودي وتلحين بليغ حمدي، والتي يقول في مطلعها «صياد رحتْ أصطاد .. صادوني .. عدوية! طرحوا شباكهم رموش العين .. صادوني .. عدوية!». وعلى مسرح سينما النصر، كانت فرق الفنانة تحية كاريوكا تشارك البحرينيين أفراحهم بعرض مسرحية «قهوة توتة» التي تخللها فاصل من الرقص الشرقي من أداء الراقصة سهير مجدي، وفاصلان غنائيان من أداء الفنان الشعبي المصري محمد طه الشهير بـ «أبوذراع»، والمطربة السورية «رويدا عدنان». ولم يقتصر حضور الفنانين العرب إلى البحرين على مناسبات الأعياد، بدليل أن البحرين شهدت في صيف عام 1967 وصول مجموعة من الفنانين لتقديم حفلات غنائية على المسرح الصيفي للنادي الأهلي بالمنامة لصالح جمعية رعاية وإيواء الأيتام في سوريا. وكانت هذه المجموعة تتكون من الفنانة السورية هالة شوكت التي تولت تقديم الفقرات، والمطرب اللبناني نصري شمس الدين الذي غني ثلاث من أغانيه «محبوب قلبي، عيونها سحروني، يا ظريف الطول» والمطرب السوري موفق بهجت الذي غنى أيضا ثلاث من أغانيه «سلوا سلوى، نازلة على المدينة، لاعبتني»، والمطربة سميرة توفيق التي غنت «بالله تصبوا هالقهوة وزيدوها هيل» و «دقوا المهباش» و»أشقر وشعره ذهب»، إضافة إلى الراقصة كواكب التي قدمت فواصل من الرقص الشرقي. وفي الستينات أيضا «تحديدا في 1964» كان الجمهور البحريني على موعد مع المطرب الصاعد «وقتذاك» محرم فؤاد الذي أطربهم بعدد من أغانيه الأثيرة وفي مقدمتها أغنيته الخالدة «رمش عينه اللي جرحني» من كلمات مرسي جميل عزيز، وألحان محمد الموجي، كما وسجل بعض الأغاني لصالح إذاعة البحرين كان من بينها أغنية «يا نسمة الخليج» التي يقول مطلعها: «يا نسمة الخليج بحق وحدتي، مري على الحبيب واشكيله لوعتي». وبالعودة للحديث عن «المعرض الزراعي والتجاري»، الذي افتتحت نسخته الأولى في عام 1957، فإنه لا مناص من القول أن هذه التسمية لم تكن دقيقة. صحيح أن المعرض كان يشتمل على أقسام خاصة بالمنتج الزراعي من فواكه وخضروات وزهور، وأخرى خاصة بالمواشي والدواجن، وثالثة خاصة بالآلات المستخدمة في الزراعة والتفريخ وإدرار الحليب ومكافحة الحشرات، وكان يقدم الجوائز النقدية لأحسن مجموعة من الخضروات، وأجمل باقة زهور، وأفضل تنسيق للورود، وأحسن ثور، وخروف، وتيس، ونعجة، وبقرة حلوب، وعجل صغير، وديك، ودجاجة، وأفضل شمندر وملفوف وجزر و»طماط» و»آلو»، لكن الصحيح أيضا أنه كان يشتمل على أقسام أخرى خاصة بطرق مكافحة مرض الملاريا، وعرض منتجات القرى البحرينية من النسيج والسلال والأواني الفخارية، وبضائع المؤسسات التجارية، بل وعرض إبداعات الرسامين والخطاطين البحرينيين من اللوحات الفنية أيضا. في حديثه عن مجريات المعرض الزراعي والتجاري الثاني الذي افتتحه المغفور له عظمة الشيخ سلمان في عام 1958 كتب الشاعر والمربي الأستاذ عبدالله محمد الطائي «من أبناء عمان الذين كانوا يعلمون في الهداية الخليفة» في مجلة هنا البحرين، عن استقبال أصحاب المحال التجارية المشاركة في المعرض لصاحب العظمة حاكم البلاد، وكيف أن سموه كان يداعبهم ويسأل عن منتجاتهم ومصادرها. وإختتم الطائي حديثه بالنص التالي: «عندما مر عظمته بمحلات سينالكو قدم له المشرف على المحل من مرطباته فتناوله عظمته وشرب منها قليلا إرضاء للمشرف. وأصر المشرف بعد ذلك على سمو ولي العهد إلا أن يشارك في تناول مرطباتهم فلم يسع سموه إلا أن يتوقف قليلا ويشرب». ونختتم بالقول أن محاولات عديدة جرت لإخراج حديقة الأندلس من سكونها وصمتها الكئيب، وإعادة مظاهر الفرح والحبور والبهجة والحركة إليها في مواسم الأعياد كما كان شأنها قبل نصف قرن، إلا أن تلك المحاولات إصطدمت برفض بلدية المنامة بحجة عدم كفاية الموظفين طبقا لما صرح به عضو المجلس البلدي لبلدية العاصمة «غازي الدوسري» للصحافة. غير أني أزعم أن سبب الرفض هو تراجع الانفتاح المدني بصفة عامة لصالح ظاهرة التشدد والإنغلاق والغلو التي تقودها فئة صغيرة من المواطنين المعادين لكل مظاهر الفرح والابتهاج لأسباب دينية كما يزعمون. والنتيجة هي أن كل الأقطار المجاورة التي كانت تقبع خلفنا بأشواط صارت اليوم تتسابق فيما بينها حول ما بدأناه نحن قبل أكثر من نصف قرن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها