النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

مخرج الواقعية الذي لم يكن واقعياً بما فيه الكفاية

رابط مختصر
العدد 8908 الجمعة 30 أغسطس 2013 الموافق 23 شوال 1434

كما اختار «مصطفي لطفي المنفلوطي» يوم الهول يوم وداع، فغادر الدنيا في اليوم الذي أطلق فيه شاب مجنون، الرصاص على زعيم الأمة وقائد الثورة «سعد زغلول»، في محطة قطارات القاهرة، فنعاه ـ كما يقول أمير الشعراء أحمد شوقي في رثائه ـ في عصف الرياح الناعي.. فلم يجد الناس ـ في حمي انشغالهم بما تعرض له الزعيم - وقتاً يحزنون على رحيل الكاتب الذي كان أجدادنا يقتبسون من كتبه ورواياته، رسائل الغرام التي يكتبونها لجداتنا، ولا يرسلونها إليهن لأنهن لا يعرفن القراءة، اختار المخرج السينمائي المتفرد «توفيق صالح» أن يغادر الدنيا في الأسبوع الماضي ونعاه الناعي في عصف رياح المعركة ضد الإرهاب التي تخوضها مصر في هذه الأيام، فلم يجد كثيرون ممن يعرفون قدره، فرصة لكي يحزنوا على رحيل الرجل الذي حفر اسمه في قائمة رواد التيار الواقعي في السينما العربية، على الرغم من أنه ـ على امتداد ستين عاما ـ لم يقدم سوي سبعة أفلام فقط. وحين عرض فيلمه الأول «درب المهابيل» في دور السينما في صيف عام 1955 لفت نظر عدد كبير من النقاد، فأشادوا به، وتبنهوا إلى أنه يقدم صورة مختلفة للحارة المصرية، وأنه اختار من النماذج البشرية التي تعيش فيها نماذج أخرى غير التي اختارها «كمال سليم» في فيلمه الرائد «العزيمة» (1939) وانتقل من الاهتمام، بأحلام أبناء الطبقات الوسطي الصغيرة، بالصعود ـ عبر العمل ـ إلى الطبقات العليا، كما فعل «كمال سليم» إلى الاهتمام بالبسطاء والمهمشين من سكان الحارة، الذين تتواضع أحلامهم عند مجرد الحصول على سرير بأربعة أعمدة، حتى يتاح لهم أن يتزوجوا وأن يكونوا أسرة! لكن الفيلم ـ الذي كتب قصته «نجيب محفوظ» ـ واجه عقبات إنتاجية كبيرة نتيجة لأن منتجيه كانوا من الهواة، الذين يخوضون تجربة الإنتاج السينمائي لأول مرة، ويملكون من الأحلام أكثر مما يملكون من الأموال، ولم يصمد في دور العرض إلا أسبوعا واحدا، إذ عرض في موسم الصيف الذي كان آنذاك موسما ميتاً، ومن دون دعاية كافية، فضلا عن أن فقر الإنتاج عقد العلاقات بين المخرج الشاب الذي كان عائدا لتوه من رحلة إلى باريس اكتسب خلالها خبرة من العمل في استديوهات السينما الفرنسية، بسبب إصراره على أن يوفر له المنتج كل منا يطلبه من إمكانات لكي يظهر الفيلم بالصورة التي يريدها، بينما بدأ المنتج يجأر بالشكوى مما اعتبره إسرافا من المخرج في استهلاك الفيلم الخام، مما يكبده نفقات لا قدرة له على الوفاء بها، خاصة بعد أن اضطر للاقتراض لكي ينقذ ما أنفقه عليه. ومع أن الفيلم اكتسب فيما بعد مكانة متميزة في تاريخ السينما باعتباره فيلما رائدا، إلا أن ذلك لم يعد للمنتج أمواله التي لم يستطع استردادها، بينما شاع في الوسط السينمائي أن المخرج الشاب يفتقد للمرونة الكافية للعمل، وأنه حنبلي ومتزمت أكثر من اللازم، ويثير المشاكل بسبب إصراره علي أن يكون كل شيء في مكانه الصحيح، وأنه من الفنانين المثاليين الذين يفتقدون للواقعية مع أنه يخرج أفلاما واقعية، إذ هو لا يضع في اعتباره واقع السينما المصرية باعتبارها صناعة وتجارة فضلا عن أنها فن. وكان هذا الانطباع الذي لم يسع توفيق صالح لتبديده، بل لعله سعى لتأكيده هو الذي عطل مسيرته الفنية.. وعلى العكس من المخرجين الذين ينتمون إلى المدرسة السينمائية نفسها، وسبقوه للعمل في السينما مثل «صلاح أبوسيف»، أو كانوا ينتمون إلى جيله مثل «يوسف شاهين» الذين حاولوا أن يمزجوا بين ضرورات السوق، وبين سعيهم لتحقيق رؤيتهم الفنية، واثبتوا للمنتجين أنهم يستطيعون أن يقدموا أفلاما تجارية جيدة الصنع تحقق إيرادات وأرباحا، ولما أصبح لهم اسم في السوق، ولأفلامهم رصيد في شباك التذاكر، استطاعوا أن يفرضوا شروطهم على المنتجين، أو أن ينتجوا أفلامهم، ليقدموا الفن الذي يريدونه، فإن «توفيق صالح» ظل عند موقفه، بألا يقدم إلا ما يريد أن يقدمه وعلى المعترض من المنتجين أن يخبط رأسه في الحائط، أو أن يبحث له عن منتج آخر. وربما لهذا السبب بدا لنا نحن المعجبين بفن «توفيق صالح» أن القطاع السينمائي المملوك للدولة الذي تأسس في بداية الستينات، هو المجال الوحيد الذي يستطيع من خلاله «توفيق صالح» وأمثاله ممن يصرون على تقديم فن سينمائي متحرر من الضرورات التجارية ومن ضغط شباك التذاكر، أن يحققوا أحلامهم وأحلامنا المثالية، في سينما حقيقية يمكن مع الزمن أن ترتفع بذوق الجمهور، وأن تخلق جمهورا يتفاعل معها، فلا يعود هناك تناقض بين الفن والتجارة. وكانت سعادتنا بالغة عندما كلف «صلاح أبوسيف» الذي كان يرأس مجلس إدارة إحدى شركات القطاع العام السينمائية، «توفيق صالح» بإخراج فيلم «بين القصرين» المأخوذ عن ثلاثية «نجيب محفوظ» وبدا لنا أن الفيلم سيجمع النجاح من كل أطرافه، فلا أحد يستطيع أن يقدم رواية لكاتب بمكانة «نجيب محفوظ» إلا مخرج بمكانة «توفيق صالح». ولسبب مجهول حل «حسن الإمام» محل «توفيق صالح» في إخراج الفيلم، الذي ما كاد يعرض حتى شن النقاد عليه حملة عنيفة، واتهموا المخرج بتشويه رواية «نجيب محفوظ» وانتقلت الثورة إلى ندوة الكاتب الكبير التي كان يعقدها بكازينو أوبرا كل يوم جمعة، لأنه أدلى بتصريحات تقول إنه مسئول عن روايته وأن الفيلم ـ الذي ابدى اعجابه به ـ هو مسئولية المخرج.. وسألناه: لماذا لم تتمسك بأن يقوم توفيق صالح بإخراج الفيلم؟ فنقل لنا عن «صلاح أبوسيف» قوله له إن «توفيق» اعترض على السيناريو الذي كتبه «يوسف جوهر» فطلب إليه أن يعدله كما يرى.. وبعد شهرين عاد توفيق إليه ومعه مذكرة من 50 صفحة فولسكاب يشتمه فيها! وهكذا تأكد لنا أن القطاع العام لم يحل مشكلة «توفيق صالح» مع صناع أو تجار السينما وأنه مسؤول عن التعثر في حياته المهنية، بسبب حنبليته وإصراره على ألا يفعل إلا ما يراه.. وحين سألت توفيق صالح عن هذه الواقعة بعد ذلك بسنوات، لم يؤيدها أو يكذبها وقال إن ذلك لم يكن السبب.. ومنذ سنوات نشر الناقد «سمير فريد» كتابا مهما نشر فيه الرسائل التي كان يرسلها إليه «توفيق صالح» أثناء غربته عن مصر، ومن بينها نص المعالجة التي كتبها لرواية «بين القصرين»، واعترض عليها «صلاح أبوسيف» لأسباب إنتاجية، إذ كان الأخذ بها يعني كتابة سيناريو آخر، مما يعطل البدء في تنفيذ الفيلم، الذي كان قد أدرج في خطة الشركة. وما كدت اقرأ المعالجة حتى أيقنت أن «توفيق صالح» كان على حق، فهي تقوم على أساس تقديم معالجة لأجزاء الثلاثية تنطلق من رؤية واحدة حتى لو قدمت في ثلاثة أفلام، على أن تنطلق كلها من أن «كمال عبدالجواد» ـ أصغر أبناء أسرة السيد أحمد عبد الجواد ـ هو البطل الذي ينبغي أن تعرض الوقائع من وجهة نظره، باعتباره يمثل جيل ثورة 1919، التي تبدأ أحداث الرواية على مشارفها عام 1917 وتنتهي عندما شارفت علي السقوط عام 1944.. وأن وجود بقية الشخصيات يرتبط بعلاقات «كمال» بالجيل السابق عليه.. والجيل اللاحق له.. وهي رؤية عميقة للثلاثية، للأسف أن «توفيق صالح» لم يستطع تقديمها، وأنه رحل عن الدنيا ولم يترك لنا سوي سبعة أفلام فقط، لأن مخرج الواقعية المقتدر.. لم يكن واقعيا في حياته المهنية بما يكفي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها