النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

بنت الشاطئ.. العلم الشريف والعلم الذي ليس كذلك

رابط مختصر
العدد 8887 الجمعة 9 أغسطس 2013 الموافق 2 شوال 1434

كانت نبوية موسى -أول فتاة مصرية تحصل على شهادة البكالوريا- في السادسة والعشرين من عمرها، تعمل مدرسة للغة العربية في مدرسة عباس الابتدائية للبنات بالقاهرة، حين ولدت «عائشة عبدالرحمن» عام 1912 في مدينة دمياط التي يلتقي عندها فرع النيل بالبحر الأبيض المتوسط، وهو ما أوحى لها فيما بعد أن تتخذ منه لنفسها اسما مستعارا توقع به مقالاتها التي تنشرها في الصحف، هو «بنت الشاطئ» وهو الاسم الذي عرفها به الناس، ككاتبة ومفكرة، وأستاذة جامعية وواحدة من أوائل النساء اللواتي تصدرت أسماؤهن صفحات الصحف، وأول امرأة تحاضر في الأزهر. وكان والدها قد تلقى تعليما متوسطا بالأزهر، أهّله لأن يعمل مدرسا للغة العربية في مدرسة دمياط الابتدائية الأميرية، وما لبث المناخ الصوفي السائد في المدينة الساحلية التي تضم عددا من مقامات أولياء المتصوفة أن اجتذبه إليه، فالتحق بإحدى الطرق الصوفية، وأوغل في هذا السبيل حتى ضاق ذرعا بعمله في المدرسة الابتدائية وسعى حتى نقل منها إلى المعهد الديني، حيث أخذ مكانه بين شيوخه.. واستراحت نفسه لأنه يدرس «العلم الشريف» لتلاميذه في المعهد، وليس العلم غير الشريف الذي كان يدرسه لأندادهم في المدرسة الأميرية. ولم تكن مصر تعرف قبل عصر محمد علي، سوى التعليم الديني الذي كان الطلاب يتلقونه في الجامع الأزهر والمعاهد التابعة له، حيث يدرسون العلوم الدينية الإسلامية كالتفسير والحديث والفقه فضلا عن علوم اللغة العربية، كالنحو والصرف والبلاغة.. وهو التعليم الذي كان يمد دواوين الحكومة بما تحتاج إليه من موظفين إداريين، إلى أن تنبه «محمد علي» إلى أن هذا النوع من التعليم لا يكفي وحده لتلبية احتياجات مشروع تحديث مصر، الذي كان قد شرع في تنفيذه، فاضاف إليه التعليم المدني، وانشأ مدارس يتعلم فيها الطلاب فضلا عن اللغة العربية والدين، واللغات الأجنبية، وعلوم العصر مثل الحساب والجبر والهندسة والكيمياء والطبيعة والصحة.. الخ.. ويتدرج من المدارس الابتدائية إلى الثانوية، ثم المعاهد العليا، التي يتلقون فيها تعليما متخصصا، يشمل علوم الهندسة والطب والاقتصاد والقانون والإدارة والألسن.. الخ. ومع أن كثيرين دفعوا بأبنائهم إلى هذا التعليم، الذي يؤهلهم لاحتلال مراكز مرموقة في الإدارة الحكومية، إلا أن آخرين، خصوصاً خريجي الأزهر فضلوا أن يعلموا أولادهم، ما كانوا يسمونه «العلم الشريف» في الأزهر، بدلا من أن يدفعوا بهم إلى دراسة «العلم غير الشريف» في المدارس المدنية، حتى لا يتهددهم زيغ العقيدة، حين يتعلمون علوم الكفرة الواردة من بلاد الفرنجة! وكما ان والدها فضل أن ينتقل لتدريس العلم الشريف في المعهد الديني، عن أن يواصل التدريس في مدرسة كفرية، فإنه ما كاد يرزق بها حتى سماها «عائشة» تفاؤلا باسم «أم المؤمنين» ووهبها لتعلم «العلم الشريف».. ولأن الأزهر لم يكن يقبل تعليم البنات آنذاك، فقد قرر أن يتولى تعليمها بنفسه، وأخذ يصحبها معه وهي لاتزال طفلة لتحضر جلسات كان يعقدها في منزله أو في مكتبه، يناظر فيها زملاءه في الأدب والشعر وعلوم القرآن، فحفظت آيات من القرآن الكريم وأبياتا من الشعر، وعرفت بعض مسائل الشريعة.. قبل أن تتعلم القراءة والكتابة ثم دفع بها إلى الكتاب لتدرس فيه، صباحا وتواصل حضور مجالس أبيها الذي أخذ يلقنها العلوم العربية والإسلامية في المساء. وذات صباح من خريف عام 1920 اختفت صويحباتها من الساحة اللواتي كن يلعبن معها فيها على شاطئ النهر، واكتشفت أنهن قد بدأن الدراسة المنتظمة في المدرسة الأميرية، وحين تفرجت على كتبهن تمنت أن تدرس مثلهن، لكن أباها رد عليها بحزم: ليس لبنات المشايخ العلماء أن تخرجن إلى المدارس الفاسدة المفسدة وإنما تتعلمن العلم الشريف في بيوتهن. ودفعها القهر والحرمان مما تريد إلى حالة من الزهد وبانت على وجهها علامات الذبول والانكسار والشرود والانطواء، وتدخل جدها لأمها، وكان عالما أزهريا شهيرا، وضغط على الأب، حتى انتزع موافقته على التحاقها بالمدرسة الابتدائية، واشترط الأب أن تواصل دراستها للعلم الشريف في البيت، وأن تترك المدرسة بمجرد أن تشارف سن البلوغ. وكانت قد تجاوزت العاشرة ووصلت إلى السنة التي اشترط والدها أن تتوقف عن الدراسة بعدها، حين أنهت دراستها الابتدائية بتفوق فأصرت على أن تواصل تعليمها في المرحلة التالية، ورفض الأب وتدخل الجد للمرة الثانية وبعد معركة طويلة التحقت بالمدرسة، بعد أن تنازل الأب عن رعايتها للجد، فأقامت معه تقرأ له الصحف، وتستمليه ما كان يكتبه إليها من مقالات في بعض الشؤون المحلية لتكون تلك بداية صلتها بالصحافة. وعندما أكملت دراستها فيما كان يعرف أيامها بالمدرسة الراقية -وهي توازي الآن المرحلة الإعدادية أو مرحلة التعليم الأساسي- لم يبق لها في دمياط أي مجال للتعليم، وكان المجال الوحيد المتاح أمامها هو أن تلتحق بمدرسة المعلمات في مدينة المنصورة القريبة منها. وحتى لا تتكرر المعركة مع الأب، انتهزت فرصة سفره في إحدى رحلاته التي لا تنقطع لحضور موالد أولياء الله، واقنعت أمها بأن تصاحبها إلى المنصورة لأداء امتحان القبول، وليكن بعد ذلك ما يكون. وعاد الأب ليعرف ما جرى، فثار ثورة عارمة، وما كاد الإخطار يصلها بأنها قد نجحت في الامتحان، وقبلت في المعهد حتى أرسل الأب إلى وزارة المعارف خطابا يعلنها فيه بأنه بصفته ولي أمرها، يسحب الطلب الذي تقدمت به للالتحاق بالمعهد. واشتعلت المعركة ولجأت الأم إلى شيخ الطريقة الصوفية التي كان الأب ينتمي إليها وظلت تستعطفه وترجوه في حضور الأب حتى أذن لابنته بمواصلة التعليم على أن تكون تلك آخر مرحلة لها فيه، لكن لم ينفذ وعده، وأصر على حجزها بالمنزل لتعود إلى الطريق المستقيم الذي اختاره لها، وتعرض البيت لهزة عاصفة كادت تقوضه فاضطرت للانقطاع عن الدراسة ولكنها استعارت الكتب المدرسية المقررة على طالبات السنة النهائية بمدارس المعلمات وعكفت على دراستها وتسللت من البيت خفية، بينما كان الأب في إحدى رحلاته، لتؤدي الامتحان، وتكون أولى الناجحات في شهادة الكفاءة للمعلمات. وفي أثناء الامتحان الشفهي دهش الممتحنون لغزارة معلوماتها في الأدب والشعر والتراث والفقه، فسألوها عن خططها للمستقبل، فقالت إنها ستستعد لكي تتم الدراسة بالقسم الإضافي في مدرسة المعلمات على أن تتقدم للامتحان من المنزل فانكروا عليها ذلك، ونصحوها بأن تتقدم للالتحاق بالجامعة.. لتبدأ مرحلة أخرى من الكفاح! وفي الجامعة التقت بأستاذها وزوجها -فيما بعد- الشيخ «أمين الخولي» وتعلمت على يديه المناهج العصرية، وطبقتها على ما تعلمته من العلم الشريف، فتتالت إبداعاتها في دراسة التراث، وتألق اسمها في الفضاء العام، بعد أن تعلمت أن كل العلم شريف.. وعلمت ذلك لطلابها وقرائها على امتداد الأرض العربية. ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها