النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11923 الإثنين 29 نوفمبر 2021 الموافق 24 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:43AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

الكوليرا تقتل ألفين من سكان المنامة والمحرق

رابط مختصر
العدد 8880 الجمعة 2 أغسطس 2013 الموافق 24 رمضان 1434

في كتاب الصديق الدكتور خليل رجب - أحد أبرز الاطباء البحرينيين المتخصصين في امراض النساء والولادة والاستاذ المحاضر بجامعة الخليج العربي - الموسوم بـ «تاريخ الخدمات الصحية في البحرين - من القرن التاسع عشر حتى عام 1995» يطلـّع القارئ على صور وحكايات ومعلومات غزيرة عن ابرز المحطات التاريخية التي شهدتها البحرين لجهة بدايات الخدمات الصحية وتطورها. فالبحرين كانت أول بلد في منطقة الخليج يحظى بإنشاء مثل هذه الخدمات، وذلك حينما بادرت حكومة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة في عام 1897 بإقامة محجر صحي في القضيبية «تم نقله في عام 1929 إلى جزيرة بوماهر في المحرق في الموقع الذي يستخدم اليوم كقيادة لخفر السواحل» لمواجهة الأمراض المعدية والخطيرة. فوباء الجدري مثلا ظهر في البحرين قادما من العراق وتركيا في اوائل القرن الثامن عشر، وعاد مجددا في أواخره مسببا تشوهات خلقية للكثيرين، وكان آخر زيارة له للبلاد في عام 1957، ومرض الكوليرا انتشر في البحرين في عام 1821 وكان آخر زيارة له في عام 1978 أما الطاعون فقد فتك بآلاف الأرواح في الأعوام 1904 و1905 و1907 حتى قيل أن كل جنازة كانت تخرج تتبعها في اليوم التالي جنازتان او ثلاث في تلك الحقبة الحزينة التي اطلقوا عليها اسم «سنوات الرحمة». وكانت هناك بطبيعة الحال امراض السل والتراخوما والدوسنطاريا والملاريا وغيرها من الامراض التي كان وراؤها الجهل، وقلة النظافة، وعدم مراجعة الطبيب إلا بعد استفحال المرض، إضافة إلى منع الرجال لزوجاتهم من مراجعة الطبيب اثناء غيابهم في رحلات الغوص والتجارة الطويلة، وعدم الانتظام في أخذ الدواء بسبب الصوم نهارا. على ان الفضل الأول في مكافحة الأوبئة المعدية التي أسردناها ومعالجة غيرها من الامراض الروتينية يعود بادئ ذي بدء إلى القائمين على الإرسالية الأميركية الذين أسسوا في عام 1892 أول عيادة طبية في المنامة ضمن محاولات الارسالية للتقرب من المواطنين بهدف تنصيرهم، وذلك حينما استأجروا لهذا الغرض بيتا في المنامة عــُرف بإسم «بيت جمعة» نسبة إلى صاحبه جمعة بوشهري. فمنذ ذلك التاريخ، وبفضل جهود الإرسالية وعلى رأسها القس زويمر وزوجته، نمت الخدمات الطبية في البحرين نموا سريعا من ناحية الكم والنوع. ويرجع الباحث الاستاذ عبدالملك التميمي نجاح الارسالية في مهمتها الطبية النبيلة هذه إلى عوامل عدة منها: • اكتساب الإرسالية لخبرة من عملها في بيئة مشابهة هي بيئة البصرة التي طردتها السلطات العثمانية منها بحجة أن أفرادها لا يحملون الدبلوما التركية اللازمة لمزاولة مهنة الطب في الاراضي التابعة للخلافة العثمانية. • توفر الأموال اللازمة لتقديم الخدمات الطبية والتوسع فيها، من الكنيسة الإصلاحية في الولايات المتحدة، ومن تبرعات الأهالي، ومن أجور الخدمات الطبية، وغيرها. • خضوع البحرين للحماية البريطانية، الأمر الذي وفر دعما وحماية للإرسالية لمزاولة أعمالها، خصوصا وأن السلطات البريطانية كانت وقتئذ قد إتخذت من البحرين قاعدة لأنشطتها في الخليج. • انتشار وباء «أبو الركب» في البحرين في اواخر 1894 وهو ما أدى إلى تزاحم المواطنين على طلب الخدمات الطبية من الإرسالية، وبالتالي تزايد ثقتهم في الطب الحديث، وتوهم القائمين على الارسالية بأن لجوء الناس إليهم ما هو إلا اعتراف منهم بالانجيل والمسيح الشافي. • الوضع الاقتصادي الجيد نسبيا للكثير من العائلات البحرينية في تلك الحقبة بسبب محصول اللؤلؤ الوفير. • عدم مواجهة الارسالية لمشاكل في معالجة النساء البحرينيات بسبب وجود زوجة القس زويمر على رأس الهيئة الطبية للإرسالية وقدرتها على معالجة معظم النساء بمعرفتها الطبية المحدودة، وذلك قبل ان تنضم إلى عيادة الإرسالية الطبيبة الامريكية الدكتورة «لوسي باترسون» في عام 1904. النقلة النوعية الثانية في الخدمات الطبية في البحرين كانت مع بزوغ شمس القرن العشرين، حينما إستشعرت سلطات الإدارة البريطانية بضرورة إقامة مستشفى في جزيرة البحرين يستطيع تلبية الحاجات المتزايدة لجميع المرضى، ومعالجة الحالات التي تحتاج بعضها إلى الأقامة في المستشفى واجراء العمليات. حيث كان هناك اتفاق تام على أن تقديم العلاج بالمستوى المحدود السابق لم يعد يتمشى مع العصر. وهكذا تم شراء قطعة من الأرض في منطقة رأس رمان إلى الجنوب من الموقع الحالي للسفارة البريطانية لبناء المستشفى المأمول والذي دشن بناؤه في عام 1900 وتم افتتاحه رسميا في عام 1905 وأطلق عليه اسم «مستشفى فيكتوريا التذكاري» ليصبح أول مستشفى في الخليج والجزيرة العربية. أما بناء المستشفى فقد كان وفق الطراز الكلونيالي البريطاني، ومكونا من طابقين: العلوي لسكن الأطباء وعائلاتهم، والسفلي لأغراض العلاج والإدارة والتخزين والصيدلة والمختبرات. وكان يحتوي على 12 سريرا، جميعها مصنوعة من جريد النخل، ومن مهامه وقتذاك علاج المصابين بالأمراض المعدية وغير المعدية كالجروح والكسور وآلام المعدة والرأس والحصبة والسفلس والغرر، تحت إدارة حكومة الهند البريطانية. وبعد مرور بضعة أعوام آل الإشراف عليه إلى المعتمدية البريطانية في المنامة مع تعيين الدكتور هولمز مديرا له ومسؤولا في الوقت نفسه عن المحجر الصحي. وفي عام 1952 تسلمت إدارته حكومة البحرين وتوابعها. ويقول أحد الذين عاصروا مرحلة افتتاح هذا المستشفى أنه كان يعمل في بداية الأمر بثلاثة أطباء بينهم واحد من العجم يدعى «فرج»، إضافة إلى المسؤول الإداري الأول المرحوم إبراهيم عبدالله المحميد وخادم «نوكر» يدعى محمود، وناطور هو والد المغفور له الأستاذ محمود المردي. والمعروف ان «مستشفى فيكتوريا» ظل يعمل حتى تاريخ هدمه في أوائل الستينات، ومر عليه العديد من المديرين إبتداء من مديره الأول الدكتور هولمز، وإنتهاء بمديره الأخير الدكتور مودي الذي انتقل للعمل في مستشفى عوالي، ومرورا بالدكتور كرانت الذي عين فيما بعد مديرا لإدارة الصحة العامة. أما النقلة النوعية الثالثة فقد تجسدت في قيام الارسالية التبشيرية الامريكية في التاسع عشر من شهر مارس عام 1902 بوضع حجر الأساس لمستشفى الإرسالية الأمريكية الذي لا يزال قائما إلى اليوم في وسط المنامة. وقد أقيم هذا المستشفى على أرض مقدمة من الحاكم الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، بطاقة 21 سريرا، وجناح رئيسي واحد مع جناحين متخصصين ورابع للنساء. فلعب دورا حيويا في تقديم الخدمات الطبية ليس للبحرينيين فقط وإنما أيضا لإشقائهم في دول الخليج، خصوصا بعد أن تولى إدارته الدكتور هاريسون الذي أمضى نصف قرن من عمره في هذا المستشفى، بل كان في مقدمة الأطباء الذين كانوا يسافرون إلى المملكة العربية السعودية وقطر وإمارات الساحل لتقديم خدماتهم. والجدير بالذكر أن «مستشفى الارسالية الامريكية» ساهمت في قيامه وتهيئته ماليا عائلة «دويت مايسون» النيويوركية، لذا أطلق عليه «مستشفى مايسون التذكاري» في بداية الأمر. والمعروف أنه في عام 1962 أزيل مبنى هذا المستشفى لإقامة المباني الجديدة لمستشفى الارسالية الامريكية التي دمج معها مستشفى ماريون ويلز «سنأتي على ذكر تاريخه لاحقا» ضمن مجمع طبي. والواقع أن المستشفى ساعد كثيرا في تخفيف آلام المعذبين، وكان الناس يحملون لهذا العمل كل تقدير في وقت لم تكن الرعاية الطبية المحلية الحديثة متوفرة لهم. وهكذا بالتحاق الدكتور «شارون توماس» وزوجته بمستشفى الإرسالية في البحرين حدث تقدم جيد في الخدمة الطبية ، من بعد الجهود الطبية التي قدمها السيد زويمر وزوجته بمعرفتهما الطبية المحدودة كونهما لم يكونا طبيبين في الاصل. كما قام أطباء المستشفى في هذه الحقبة بحملات الرقابة والتفتيش على السفن والمراكب البحرينية القادمة إلى البلاد كإجراء احترازي من تسرب الأوبئة المعدية إلى البلاد. إلى ذلك وصلت خدمات المستشفى إلى القرى والمناطق الريفية النائية عبر إرسال أطباء الارسالية ومبشريها على ظهور الدواب والدراجات إلى هناك محملين بالأدوية والأمصال. ويمكن للمرء ان يتخيل حجم الكارثة والضحايا في البحرين في عام 1903 لو لم يكن هذا المستشفى موجودا ويعمل بكامل طاقته. ففي العام المذكور داهمت البلاد ثلاث أوبئة دفعة واحدة هي: الجدري والدفتريا والطاعون. وقد عمل المستشفى كل ما بوسعه لمنع خطرها لكنه لم يتمكن من التغلب عليها كليا، الأمر الذي تسبب في الكثير من الشقاء والأحزان والمصائب. وفي محاولة من الارسالية في الولايات المتحدة لتدارك الموقف أرسلت إلى البحرين في عام 1904 الطبيبة «لوسي باترسون» التي قامت بتنظيم عمل المستشفى وأجرت العديد من العمليات الجراحية على الرغم من إزدحام المستشفى بالمرضى ومحدودية إمكانياته. ولم يكد البحرينيون يتنفسون الصعداء حتى داهم جزيرتهم في عام 1905 وباء الكوليرا الذي أصيب به 10 بالمائة من سكان المنامة والمحرق البالغ تعدادهم وقتذاك 30 ألف نسمة، أي 3 آلاف شخص مات منهم ألفان. الخطوة التالية للإرسالية كانت الاستعداد لافتتاح مستشفى خاص بالنساء. فمن خبرتها بالتقاليد الاجتماعية في البحرين التي كانت وقتذاك تعيق استشفاء النساء على أيدي الأطباء الذكور، وجمع المرضى من الذكور والاناث تحت سقف واحد، ونظرا لقلة عدد الطبيبات في «مستشفى فيكتوريا التذكاري»، فقد كاتبت مديرة المستشفى السيدة «فان برسيوم» مرجعها في الولايات المتحدة في أواخر عام 1914 قائلة أنها وزميلاتها بحاجة إلى التوسع في الخدمات الطبية المخصصة للنساء البحرينيات، ومضيفة أن هذا الأمر لو تحقق سوف يساعد أكثر على الاختلاء بهن من أجل الهدف الأسمى وهو «التنصير». غير أن قيام الحرب العالمية الأولى دفع الارسالية إلى تأجيل كل خططها الطبية والتبشيرية، وتركيز مستشفاها وعيادتها في البحرين على تقديم الخدمات الطبية للجنود البريطانيين. وبإنتهاء الحرب في عام 1918 عادت الأمور إلى مجراها الطبيعي، غير أن فكرة إنشاء مستشفى خاص بالنساء لم تفعـّل الا في عام 1924 حينما طالب المبشرون مجلس الارسالية بإقامة مستشفى للنساء والأطفال مراعاة للعادات الاجتماعية، فوافق الأخير على الطلب وأوكل إلى المعتمد السياسي البريطاني في البحرين مهمة الحصول له على قطعة أرض للغرض المنشود. وكنتيجة لجهود المعتمد قدم السيد عبدالعزيز القصيبي الممثل المحلي لحاكم نجد قطعة ارض من املاكه مجاورة لمستشفى الارسالية، مقابل 10620 روبية ليقام عليها مستشفى للنساء وتوليد الاطفال ودار لرعاية الطفولة وسكن للممرضات والذي اكتمل بناؤه في عام 1926 واطلق عليه اسم «مستشفى ماريون ويلز التذكاري»، تخليدا للدكتورة «ماريون ويلز توماس» التي توفيت في البحرين في صيف 1905 بسبب إصابتها بالتيفوئيد. وقد ساهم في عملية التشييد مجلس الإرسالية بمبلغ ألف دولار، والشيخ حمد بن عيسى آل خليفة حاكم البحرين بمبلغ خمسة آلاف دولار، وشركة الزيت الانجليزية الايرانية بمبلغ خمسة آلاف دولار، إضافة إلى مبلغ عشرين ألف روبيه تم جمعه من تبرعات الأثرياء والمواطنين. وفي عام 1930 كان الطبيبان ديم ولاركا، وهما من أعضاء الإرسالية يقومان بتقديم الخدمات الطبية في «مستشفى ماريون ويلز». وبعد عامين، أي في عام 1932 ، انضم اليهما الدكتور ويلز توماس فلعب دورا كبيرا في خدمة الناس كما فعل والده الدكتور «شارون توماس» من قبل. وقبيل الحرب العالمية الثانية أي في عام 1938 بدت الحكومة مهتمة أكثر من أي وقت مضى بتأسيس مستشفى حكومي لخدمة المواطنين، بعد أن رأت مدى إقبالهم على العلاج في مستشفيات الارسالية. وهكذا إنطلق العمل في إنشاء مستشفى النعيم، وهو يعتبر أول مستشفى أنشأته حكومة البحرين و قد افتتح على مراحل بدءا من عام 1941 وانتهاء في عام 1943، وكان مكانه في الموقع الحالي لمركز النعيم الصحي حتى عام 1983 حينما تم هدمه من أجل إقامة المركز المذكور.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها