النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

بيـــــــــــــان الــــــــــــــــوداع

رابط مختصر
العدد 8726 الجمعة 1 مارس 2013 الموافق 18 ربيع الآخر 1434

قرأت بيان الوداع الذي نشرته قبل أسابيع مجلة «الآداب» البيروتية يعلن فيه قراؤها وكتابها أنها قررت أن تتوقف عن الصدور، كما أقرأ نعي أحد أصدقاء العمر في صفحة الوفيات، إذ كنت واحداً من قرائها ومن كتابها في سنوات شبابي، وحتي عندما تباعدت المسافات فيما بيننا، بسبب توقفها أحيانا، أو توقيفي في أحيان أخرى، ظللت أتابع ما يقع بالمصادفة بين يدي من اعدادها المتناثرة، وفي السنوات الأخيرة تحولت من مجلة شهرية إلى مجلة ربع سنوية، فكنت كلما التقيتها أنقل بصري بين بصمات الزمن الوغد على وجهها، وبين صورتي في المرآة، فأتذكر أبيات إبراهيم ناجي التي تقول: آه مما صنع الدهر بنا/أو هذا البطل العابس أنت/والخيال المطرق الرأس أنا/شدّ ما بتنا علي الضنك وبتْ. وحين كان الزمن أواخر عام 1952، توقفت مجلة «الرسالة» التي كان يصدرها «أحمد حسن الزيات» بعد عشرين عاما، ظلت خلالها تواصل الصدور أسبوعياً بانتظام، وأقيمت سرادقات العزاء على صفحات الصحف وفي منتديات الأدباء والمثقفين، تنعى المجلة الثقافية الأولى في الوطن العربي، التي كانت تصدر من القاهرة ويحررها شعراء وقاصون ونقاد وباحثون ينتمون إلى بلاد العرب «أوطاني من الشام لتطوان» ويقرؤها مشتركون يتوزعون بين المحيط والخليج. فيتعارف كتابها، الذين كانوا يرسلون إليها كتاباتهم عبر البريد على بعضهم البعض، ويتبادلون الكتب والأفكار والمناقشات التي تصل أحياناً إلى حدّ الشجار الفظ. وكان صاحبها «أحمد حسن الزيات» مثقفاً مصرياً، تلقى ثقافة تقليدية فدرس في الأزهر، واستكمل دراسته في باريس، ففاز، كما يقول نجيب محفوظ عن أحد أبطاله، بعلومها دون أن يحصل على شهاداتها، شأن كل رجل لا تهمه المظاهر، وكان يؤمن بوحدة الثقافة العربية، إلا أنه أدرك بحكم تجربته، أن هذه الوحدة تقوم على التنوع، لذلك عاد من باريس ليصدر «الرسالة» لتكون جسراً للتواصل بين الأطياف المتنوعة للثقافة العربية الواحدة، ولتجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين ثقافة الشرق وثقافة الغرب، ومنبرا للحوار بين التيارات والمدارس والاتجاهات. وبهذه الصيغة ظلت «الرسالة» تصدر أسبوعياً لمدة عشرين عاما متصلة، بينما كان غيرها من المطبوعات الثقافية تصدر عادة مرة كل شهر، وتتوقف شهرين في السنة، وتلقي مصارعها بعد سنوات قليلة، ووجدت لنفسها مكانا في سوق القراءة، بين مطبوعتين ثقافيتين راسختين هما «المقتطف»، التي صدرت عام 1876، وتوقفت عام 1952، و»الهلال» التي صدرت عام 1892 ولاتزال تصدر حتى اليوم.. على الرغم من أن صاحبها كان يتحمل نفقات إصدارها وإدارتها وحده، إذ لم تكن الحكومات العربية قد قررت بعد أن تعتبر الثقافة من بين الخدمات العامة التي تقدمها لمواطنيها، وكان كل ما قدمته له من دعم، بعد سنوات، هو صفحة من الإعلانات القضائية في كل عدد، وبضع فئات من الاشتراكات لمكتبات المدارس. وكان اختفاء «الرسالة» بسبب ما واجهته من صعوبات مالية، وراء ضغط عدد من المثقفين على حكومة الثورة، لتمويل إصدار مجلة ثقافية تحل محلها، فصدرت مجلة «الرسالة الجديدة» في ابريل 1954، عن دار التحرير للطبع والنشر، وهي الدار الصحفية الوحيدة التي كانت تملكها الحكومة آنذاك، وتولى رئاسة تحريرها «يوسف السباعي» ولكنها لم تعش سوى أربع سنوات، ولعل هذا الاختفاء نفسه هو الذي دفع «د. سهيل إدريس» للتفكير في إصدار مجلة «الآداب» من «بيروت» فقد كان من كتاب «الرسالة» وكان مثل «أحمد حسن الزيات» يجمع بين الثقافة التقليدية، والثقافة المعاصرة، وكان مثله قد سافر إلي باريس، لكنه، على العكس منه، عاد منها، وقد فاز بعلومها وشهاداتها معا. ومع أن «الآداب» قد احتفظت بالشكل التقليدي الذي اتبعته «الرسالة» في اخراجها فخلت من الصور والرسوم والألوان ولم تهتم بالقدر الكافي بالأنواع الثقافية التي تتصل بها كالسينما والمسرح والفنون التشكيلية. واعتمدت بالدرجة الأولى، على ما يسمى بـ»صحافة صندوق البريد» وتركت لكتابها المبادرة باختيار الموضوعات التي يكتبون فيها، على أن تختار من بين ما يرسلونه لها عبر البريد، ما تراه ملائماً، إلا أنها أضافت إلى ذلك اختيار عدد من المراسلين في العواصم العربية الرئيسية، معظمهم من المثقفين الشبان، كان كل منهم يكتب رسالة ثقافية، حول احدى القضايا الثقافية الرئيسية التي تشغل المثقفين في بلدهم، وهو ما أضفى على ما تنشره حيوية، ذكرت قراءها بمرحلة الازدهار التي شهدتها مجلة «الرسالة». وكانت الروح التحررية التي بدت على صفحات «الآداب» أحد أهم الأسباب التي ساهمت في تحويلها من مجلة «لبنانية» إلى مجلة «عربية»، فنجحت كما فعلت «الرسالة» من قبل في أن تتخطى حدود بلد المنشأ، لتجد لها قراء في معظم العواصم العربية، بل وأن يزداد عدد هؤلاء في هذه العواصم عن الذين يقرؤونها في لبنان نفسها، فمع أن صاحبها كان ينتمي، من الناحية الفكرية، إلى التيار القومي العروبي، إلا أنه كان يدرك منذ البداية أن المطبوعة الثقافية العامة، لا بد أن يتسع صدرها للتعبير عن جميع الاتجاهات والتيارات والأجيال، لذلك فتح صفحاتها أمام الجميع، وأضاف إليها أبواباً كان من بينها باب للمناقشات بين كتابها حول القضايا الأدبية والفكرية موضوع الخلاف فيما بينهم، وآخر بعنوان «قرأت العدد الماضي من الآداب» يتناول بالنقد والتحليل ما تنشره في كل عدد، وكان ينقسم عادة إلى ثلاثة أقسام هي القصائد والقصص والدراسات يتناولها بالنقد ثلاثة من النقاد. ومع أن معظم الذين كانوا يكتبون على صفحات «االآداب» لم يكونوا يتقاضون مكافآت على ما يكتبونه، أو يتقاضون مكافآت رمزية، إلا أنهم كانوا يتحمسون للكتابة فيها، إذ كانت تمثل إطلالة مهمة على الثقافة العربية في كل الأقطار، وتتبنى المواهب العربية الشابة، والاتجاهات الحديثة فضلاً عن اهتمامها بالاتجاهات الأدبية والفكرية حتى الجديدة في ثقافة العالم. ومع أنها صدرت في فترة الازدهار القومي، مما ساهم في ازدهارها، إلا أنها عانت أيضاً الصراعات التي دارت داخل الصف العربي الثوري، وأصبحت بعض أعدادها تصادر في بعض العواصم العربية، حتى انها اضطرت في بعض الأحيان، لكي تضيف ملزمة متحركة، تنشر فيها بعض المواد، وتستبدلها بملزمة أخرى في النسخ التي ترسلها إلى بعض الأقطار لكي تتوقى المصادرة! وتتوالى السنوات، وتقع الحرب الأهلية اللبنانية، وتتوقف «الآداب» عن الصدور لسنوات، ثم تعود وقد أدركتها شيخوخة مبكرة. ومع ذلك واصلت الصمود في معركة الثقافة، وكان الزمن قد تغير، وأصبح كل قطر عربي يصدر عدة مجلات ثقافية تمولها الحكومات وتنفق عليها ببذخ.. فلم تعد قادرة على المنافسة.. إلى أن حانت اللحظة التي ثقلت فيها مؤنتها على أبناء «د. سهيل إدريس» بعد وفاته وعجزوا عن الاستمرار في إصدارها بعد أن أغلقت السوق العراقية في وجهها بسبب ما يجري في العراق.. وأغلقت آخر الأسواق التي تبعت لها، وهي السوق السورية.. فودعت قراءها وأغلقت أبوابها، لتنطوي صفحة آخر الصحف الثقافية التي تستحق وصف مجلة الثقافة القومية.. وتموت كالأشجار واقفة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها