النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12098 الاثنين 23 مايو 2022 الموافق 22 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:48PM

كتاب الايام

هكذا تكون حرية الصحافة في العهد الثوري.. وإلاّ فلا

رابط مختصر
العدد 8692 السبت 26 يناير 2013 الموافق 14 ربيع الأول 1434

تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة الشواهد التي تؤكد أن الملاحقات القضائية للصحفيين والإعلاميين المصريين، التي تسارعت وتيرتها أخيرا، ليست سوى مقدمة للعصف بموجة الحرية التي تمتعوا بها، في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، ليعود سقف هذه الحرية إلى المستوى الذي كان عليه قبل الثورة، وربما إلى مستوى أقل منه بكثير. وهي شواهد لمست بنفسي بداياتها منذ شهور حين دعتني مع آخرين مع المعنيين بالأمر لجنتان من لجان الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور، لتستمع إلى آرائنا في مسودة المواد الخاصة بالحريات الصحفية والإعلامية في هذا الدستور، ومع أننا اشتركنا في مرافعة حماسية وبليغة دفاعا عن هذه الحريات. فقد خرجنا جميعا بانطباع بأن هناك تيارا معاديا لكل الحريات بشكل عام ولحرية الصحافة والإعلام بشكل خاص، يسود بين أعضاء الجمعية ويصل إلى حد الكراهية لدى التيارات الأكثر نفوذا في الدولة والمجتمع، من المنتمين إلى فصائل وأحزاب الإسلام السياسي المختلفة التي استطاعت في النهاية أن تضمن المسودة الأخيرة لدستور الثورة، مواد لا صلة لها بالحرية أو الثورية أو الدستورية تفتح الباب على مصراعيه أمام المشرع - الذي سيحول هذه المواد إلى قوانين - بل وتكرهه أحيانا، على أن يصدر قوانين تضع قيودا غليظة تهدر كل الحريات العامة، وفي مقدمتها حرية الصحافة والإعلام. من بين هذه النصوص، التي تحولت – بعد الاستفتاء - من مسودة إلى دستور ملزم لكل السلطات مواد تضع حرية الصحافة والطباعة والنشر وسائر وسائل الإعلام، في قلب سلسلة لا حصر لها من الإطارات المتداخلة، فهي حرة «في إطار المقومات الأساسية للمجتمع» وفي «إطار الواجبات العامة» وفي «إطار مقتضيات الأمن القومي». ولم يكتف الذين كتبوا الدستور بهذه المجموعة من الإطارات التي وردت في المادة 48 منه بل أعاد وضع حرية الصحافة والطباعة والنشر وسائر وسائل الإعلام، داخل مجموعة أخرى من الإطارات لا تقتصر على الصحافة وحدها، بل تشمل كذلك كل الحقوق والحريات الأخرى في الدستور، إذ نصت المادة 81 منه على أن «تمارس جميع الحقوق والحريات الواردة في هذا الدستور، بما لا يتعارض مع المقومات الواردة في باب الدولة والمجتمع من الدستور وهو باب يتضمن 72 مادة، وهو ما يعن 72 مقوما و72 إطارا تحتاج إلى ميكروسكوب فلكي لكي يستطيع الصحفي أن يعثر على حريته، داخل كل هذه الغابة من الإطارات حتي يتوقى الخروج عنها ويقع في المحظور الذي يقوده إلى السجن. ذكرني هذا الزحام من إطارات المقومات - لا السيارات- بذيل المادة 15 من دستور 1923، التي كان نصها الأصلي - كما صاغته لجنة الثلاثين التي وضعت هذا الدستور - يقول «الصحافة حرة في حدود القانون، والرقابة على الصحف محظورة وإنذار الصحف أو وقفها أو إلغائها بالطريق الإداري محظور كذلك»، ولكن الحكومة أضافت إلى هذا النص عند إعلان الدستور رسميا ذيلا يقول «إلا إذا كان ذلك ضروريا لوقاية النظام الاجتماعي. وعلى امتداد الأعوام الثلاثين التي عاشها هذا الدستور (1923-1953) خاض الصحفيون والمعنيون بحرية الصحافة معارك ضارية ضد هذا الذيل اللعين، بعد أن اتخذت منه العهود الديكتاتورية ذريعة لتعطيل الصحف أو إغلاقها أو إنذارها بدعوى أن ما تنشره يشكل خطرا على النظام الاجتماعي». وكان منطق المدافعين عن حرية الصحافة يقول إن هذا الذيل هو استثناء من القاعدة الدستورية الأساسية، التي تحظر إنذار الصحف أو وقفها أو إلغائها بالطريق الإداري، وان تطبيقه لا يجوز إلا بعد صدور قانون ينظم سلطة الإدارة في اتخاذ مثل هذه الإجراءات العنيفة ضد الصحف، يضع تعريفا قانونيا محددا لمعنى مصطلح «النظام الاجتماعي» ويحدد الحالات التي يكون ما تنشره الصحف يمثل خطرا على هذا النظام، يتطلب لوقايته اتخاذ إجراءات من هذا النوع ضدها، ويحدد الجهة الإدارية التي تتخذ هذه الإجراءات والجهة القضائية التي تنظر طعن الصحف ضدها. ولم تتوقف هذه المعركة الضارية إلا بإلغاء دستور 1923 في 10 ديسمبر 1952، ليختفي - منذ ذلك الحين ذيل «وقاية النظام الاجتماعي» من كل دساتير العهد الجمهوري، فلم يظهر له أثر في مشروع دستور 1954، ولم يظهر له سوى أثر طفيف في دستور 1956، الذي نص على أن حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة «وفقا لمصالح الشعب وفي حدود القانون» لكن هذا الأثر اختفى في دستور 1964 وأعاد دستور 1971 - عند صدوره لأول مرة. النص الخاص بحرية الصحافة في دستور 1923، بعد أن قطع ذيل وقاية النظام الاجتماعي! وقد ظلت منذ ذلك الحين أتوهّم أن «ذيل وقاية النظام الاجتماعي» قد اختفى للأبد من المادة الخاصة بحرية الصحافة في الدساتير المصرية، إلى أن فوجئت منذ حوالي ثلاثة أعوام بصدور حكم من محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة يقضي بسحب ترخيص مجلة «إبداع» - وهي مجلة أدبية شهرية تصدر عن إحدى هيئات وزارة الثقافة - استجابة لدعوى أقامها الداعية الإسلامي الشيخ «يوسف البدري» يتهمها بأنها نشرت قصيدة للشاعر الراحل «حلمي سالم» تنطوي - طبقا لتفسيره لها- على مساس بالذات الإلهية. ولأنني كنت واثقا بأن ذيل وقاية النظام الاجتماعي قد قطع منذ ما يزيد على نصف قرن وأن تعطيل الصحف بحكم قضائي قد ألغي من القانون منذ عام 2006، وأن الحالتين الوحيدتين اللتين يجيز القانون فيهما سحب ترخيص الصحيفة، هما ألا تصدر خلال الشهور الثلاثة التالية لحصولها على الترخيص أو ألا تنتظم في الصدور لمدة ستة شهور، فقد أخذت أبحث عن حيثيات الحكم، لأعرف الأساس الذي استندت إليه الدائرة التي أصدرته بإغلاق المجلة، لأكتشف أنها استندت إلى التعديلات التي ادخلها الرئيس «السادات» عام 1981 على دستور 1971، وشملت باباً بعنوان «سلطة الصحافة» وردت به مادة تقول «الصحافة حرة في إطار المقومات الأساسية للمجتمع» واعتبرت أن نشر قصيدة تمس - حسب تفسيرها لها - الذات الإلهية، خروجا عن الإطار الذي حدده الدستور لحرية الصحافة، يعطيها الحق في سحب ترخيص المجلة، بدلا من مصادرة العدد، أو نزع الصفحة التي نشرت فيها القصيدة، أو حتى تقديم الشاعر للمحاكمة الجنائية. وكانت هذه المادة التي نقلها صائغو دستور 2012 عن التعديلات التي أدخلها أنور السادات، وأضافوها إلى دستور الثورة، هي التي ألهمتهم فكرة تزيين المواد الخاصة بحرية الصحافة، وبالحريات العامة جمعيها، بهذا العدد الكبير من الإطارات المتداخلة، التي سوف تترجم في القريب العاجل إلى قوانين، تفرض على كل صحفي أو كاتب أن يزين ذراعه من المعصم حتى الكتف بسلسلة من الإطارات المطاطية أو الحديدية، لا يقل عددها عن 72 إطارا بعدد المقومات الأساسية للمجتمع التي وردت في الدستور، حتى لا ينسى فيخرج عن هذه الإطارات، فليجد نفسه في السجن، أو في الشارع بعد تعطيل صحيفته. وهكذا تكون حرية الصحافة في العهد الثوري وإلا .. فلا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها