النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11931 الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 الموافق 2 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

الصين الكبرى.. ما هي حدودها واحتمالات قيامها؟

رابط مختصر
العدد 8644 الأحد 9 ديسمبر 2012 الموافق 25 محرم 1434

هل الصين محصورة في الكيان الذي عاصمته بكين؟ السؤال طرحه مؤخرا في مقال طويل الباحث الامريكي تشارلز هورنير زميل معهد هيدسون ومؤلف كتاب «بزوغ الصين». واتبعه مذكرا بأن جماعتين تنازعتا السيطرة على الصين منذ سقوط آخر سلالاتها الإمبراطورية في 1912، وهما جمهورية الصين الوطنية التي فرضت سيادتها منذ 1949على جزيرة تايوان ذات الـ 23 مليون نسمة (حاليا)، وجمهورية الصين الشعبية التي فرضت سيطرتهاعلى كامل اراضي البر الصيني وإنتهجت العقيدة الشيوعية والاشتراكية. في أعقاب نشوء هذا الوضع إفترض الكثيرون أن تايوان سرعان ما ستختفي عن الخارطة على يد السلطة القائمة في البر الصيني بحكم فارق القوة والإمكانيات، غير أن خوف التايوانيين من احتمالات ابتلاع كيانهم المنفصل جعلهم يلجأون إلى دمقرطة مجتمعهم من بعد عقود من ديكتاتورية حزب «الكومينتانغ» الحاكم الذي كان يستند فقط الى شرعية وإرث القائد المؤسس الماريشال «تشيانغ كاي شيك». فابتداء من 1987 تم الأخذ بالتعددية السياسية في تايوان، وتحولت قوى المعارضة إلى أحزاب علنية، وصار رئيس البلاد ينتخب مباشرة من الشعب، وتحررت وسائل الإعلام من القيود. أما في البر الصيني فقد إستمر حكم الحزب الواحد، لكن مع انفتاح اقتصادي وابتعاد عن السياسات الخارجية الراديكالية منذ أواخر السبعينات، الأمر الذي حقق لبكين مكانة عالمية جعلتها تطمح إلى لعب دور القوى العظمى على الساحتين الإقليمية والدولية، ناهيك عن طموحها المعروف في تأسيس وقيادة «الصين الكبرى». ولئن كان مصطلح «الصين الكبرى» استخدم في ما مضى للإشارة إلى أراض تشمل البر الصيني والتيبت وهونغ كونغ ومكاو وتايوان، فإنه يستخدم اليوم داخل الدوائر الصينية الضيقة للإشارة إلى ما سبق مع إضافة كيانات أخرى من تلك التي تعود أصول غالبية سكانها أو نسبة معتبرة منهم إلى العرق الصيني، مثل سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا وجزر يابانية وكورية جنوبية. إضافة إلى الأراضي التي إستولت عليها الصين من الهند في حربهما الحدودية في 1962، وكامل ولاية «أروناتشال براديش» الهندية الشمالية المتاخمة للتيبت، وأجزاء من مقاطعة كشمير أيضا. وهذا ينسجم مع النظرية الدارجة عند البعض العاطفي بأن القرن الحالي هو قرن صيني بامتياز، بمعنى أن بكين سوف تنجح خلاله في بسط هيمنتها على البحار والمحيطات وموارد القارتين الإفريقية واللاتينية والتحكم بالتالي في اقتصاديات العالم. ولعل ما يغري بكين في إدخال سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا ضمن مصطلح الصين الكبرى هو ثقتها بولاء سكان هذه الدول المنحدرين من أصول صينية لوطنهم الأم. هذه الثقة التي ربما عززها عاملان: الأول هو ما لوحظ على هؤلاء من محافظة شديدة على لغتهم وتقاليدهم الصينية وعدم قطع صلاتهم في أي وقت من الأوقات مع وطنهم الأم منذ هجرتهم إلى مجتمعاتهم الجديدة، وإنْ اعترفوا بأن ما وصلوا إليه من ثراء وعلم ونفوذ سببه الفرص التي أتيحت لهم في ظل حكم المستعمر الغربي. والثاني هو حقيقة أن الصينيين الذين توزعوا في دول جنوب شرق آسيا منذ القرن 19 لم يبخلوا قط في مساعدة وطنهم الأم في أوقات الشدائد، بدليل ما قدموه من أموال إلى الزعيم الوطني «صن يات سين» من أجل الإطاحة بسلالة «قينغ» الإمبراطورية وإقامة النظام الجمهوري، ثم ما قدموه له بعد ذلك من تبرعات من أجل إقامة المؤسسات الدستورية. هذا ناهيك عما قدموه من دعم مادي وسياسي لاحقا لمقاومة اليابانيين الذين إحتلوا مساحات شاسعة من الأراضي الصينية خلال الحرب الباسفيكية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل هؤلاءالمواطنون الآسيويون من ذوو العرق الصيني الموزعون في دول جنوب شرق آسيا مستعدون فعلا للتخلي عما ينعمون به في مجتمعاتهم من أجل فكرة سرابية كفكرة «الصين الكبرى»؟ وهل تستطيع بكين فعلا أن تغري أحدا لتبني تلك الفكرة والدفاع عنها وهي التي رغم كل ما بلغته إقتصاديا وصناعيا لا تزال تكمم الأفواه، وتتماهى مع سياسات الأنظمة القمعية في العالم، ناهيك عما يعصف بها من مشاكل داخلية كالفساد والتلوث البيئي والانفجار السكاني والعصيان المسلح وخروقات حقوق الإنسان وتفاوت مستويات المعيشة ما بين الأرياف والحواضر؟ الإجابة، بطبيعة الحال، هي لا! ذلك ان أي إنسان عاقل، سواء أكان من صينيي سنغافورة أو ماليزيا أو إندونيسيا أو غيرها سوف يفكر ألف مرة قبل القبول بأن يكون من رعايا دولة كالصين، وإن كانت الأخيرة كبرى وذات نفوذ عالمي يتجاوز بكثير نفوذ ومكانة البلد الذي يحمل هويته. ففي ظل الأخيرة، التي تفتقد الإنفتاح السياسي والشفافية، سيفتقد هؤلاء لامحالة كل ما نعموا به طويلا من رخاء وحريات وحقوق في مجتمعاتهم. ولعل تجربة الهونكونغيين الذين تركتهم بريطانيا فجأة في 1997، من بعد مائة عام من الاستعمار المعطوف على عملية تحديث وتنمية مدهشة، لمصيرهم تحت إدارة بكين فذاقوا ما ذاقوه من تعسف وتدخلات على يد الأخيرة خير شاهد على ما قد ينتظرهم. ثم من يضمن لهم ألا يحدث صراع داخل الطبقة الحاكمة في بكين فيقفز إلى السلطة زعيم دموي أحمق مثل المعلم «ماو» الذي دمر الصين وأوصلها إلى الهاوية بنزعاته الشوفينية وسياساته الراديكالية وتجاربه العبثية، إبتداء من الوثبة الكبرى وانتهاء بحربه ضد الطيور ومرورا بثورته الثقافية المجنونة التي قضت على خيرة المثقفين والموهوبين، قبل أن تستعيد الصين روحها الأصيلة بموت ماو في 1978. نعم، لقد شقت الصين طريقها بصورة سريعة تثير الإعجاب بــُعيد وفاة ماو. وصحيح أنّ ذلك ما كان ليحدث لولا الدعم القوي الذي قدمه المتنفذون والرأسماليون من صينيي المهجر إلى إخوتهم في الداخل من أجل مساعدة بلدهم الأم على الوقوف على قدميه مجددا. لكن هذا لا يعني أنهم موافقون أو متماهون مع ما يجري فيه اليوم من كبت للحريات وتمييز ضد الأقليات وتباين تنموي ما بين المقاطعات الريفية والمدن الكبرى. وإذا ما استحضرنا دور المهاجرين الصينيين، ولا سيما في أمريكا الشمالية وأستراليا وأوروبا، منذ الخمسينات في رفد حركة التنمية والتصنيع والنهضة وصناعة المعرفة في تايوان، يوم كانت الأخيرة المتحدثة الرسمية بإسم كل الصينيين، لأمكننا القول ان هؤلاء قد لا يمانعون من ان يكون لهم شكل من أشكال الارتباط غير الرسمي بالصين الصغيرة التي تتقاطع ملامحها السياسية والاقتصادية والتنموية كثيرا مع ملامح مجتمعاتهم الحالية أكثر من تحبيذهم لارتباطات مع الصين الكبيرة، خصوصا وأن فرضية إبتلاع بكين لتايبيه صارت مستبعدة في المدى المنظور، بفعل تحسن علاقاتهما البينية وما يجري على هامشها من تعاون تجاري وتكنولوجي واستثمارات تايوانية في المناطق الساحلية المطلة على مضيق تايوان بعشرات المليارات من الدولارات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها