النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

«موقعة الجمل» بين أحكام القضاء.. وأحكام القدر

رابط مختصر
العدد 8600 الجمعة 26 أكتوبر 2012 الموافق 10 ذو الحجة 1433

على عكس كثيرين فإنني لم أفاجأ ولم أشعر بأي صدمة عندما سمعت خبر الحكم ببراءة جميع المتهمين في قضية «موقعة الجمل» الذي صدر الأسبوع الماضي، لعله تقدم العمر الذي يقل معه إحساس الإنسان بالدهشة لكثرة ما واجهه من مفاجآت أو بالصدمة لفرط ما تعرض له من صدمات، ولعله التاريخ الذي عاصرت بعض فصوله وأدمنت القراءة فيه والكتابة عنه والذي تتكرر في صفحاته أخبار القضايا السياسية والجنائية الكبرى التي صدرت فيها أحكام صادمة باعثة على الدهشة سواء بالبراءة أو بالإدانة، كان من بينها قضية التحريض على مظاهرات الطعام الشهيرة في 18 و19 يناير 1977 التي ضمت 176 منهما - كنت واحداً منهم ـ ظل الرئيس «السادات» لمدة عامين يكرر في كل خطبة يلقيها تهديده بأنه لن يكف عن مطاردتهم حتى آخر الأرض وآخر العمر حتى أيقن الجميع ـ وفي مقدمتهم المتهمون أنفسهم ـ أن حكما بالسجن مدى الحياة، سوف يصدر ضد معظمهم، إلى أن صدر الحكم في القضية فكان باعثا على الدهشة لدى البعض والصدمة لدى آخره، إذ قضى ببراءة كل المتهمين باستثناء ثلاثة منهم بالحبس لمدد قصيرة كانوا قد أمضوها بالفعل رهن الحبس الاحتياطي. وهكذا تبددت في الهواء الاتهامات التي وجهت للمتهمين ـ وكانوا جميعا من اليساريين ـ وحفلت بها صحف تلك الأيام بأنهم هم الذين خططوا وحرضوا على عمليات الحرق والتخريب والإتلاف التي تعرضت لها القاهرة وعدد آخر من عواصم الأقاليم خلال هذين اليومين والتي بدأت بمظاهرات سلمية ضمت في البداية طلاب الجامعات وعمال المصانع خرجت للاحتجاج على القرارات التي كانت قد صدرت قبلها بيوم واحد برفع جزئي للدعم عن بعض سلع الاستهلاك الشعبي كالأرز والزيت والسكر والبوتاجاز، ثم اتسع نطاق هذه المظاهرات وانضم إليها عشرات الآلاف من الساخطين على تدهور أحوال المعيشة، فتحولت إلى عمليات تخريب شملت إحراق المواصلات العامة وبعض أقسام الشرطة ونهب محتويات المحلات التجارية بخاصة التي تبيع الأغذية وتبيع سلع الاستهلاك الترفي بما في ذلك الكباريهات التي كانت تزحم شارع الهرم ولم تتوقف موجة التخريب إلاّ عندما أعلنت الحكومة إلغاء هذه القرارات وقررت فرض حظر التجول ونزل الجيش إلى الشوارع للمشاركة في حفظ الأمن بعد أن هرب جنود الشرطة وعجزوا عن مواجهة هذا الانفجار! وكان ذلك ما حدث أيضاً في قضية التحريض على حرق مدينة القاهرة في 26 يناير 1952 التي بدأت ـ كالعادة ـ بمظاهرات سلمية قام بها طلاب الجامعات والمدارس الثانوية تحتج على تخاذل الحكومة في الدفاع عن جنود الشرطة الذين واجهوا ببنادقهم القديمة، فرقة من جنود الاحتلال البريطاني بمنطقة قناة السويس، مزودة بأحدث الأسلحة أرادت اقتحام محافظة الإسماعيلية التي كانوا يعملون بها، فاستشهد منهم كثيرون وجرى أسر الباقين، وهي مظاهرات اتسع نطاقها بعد أن انضم إليها مئات من جنود الشرطة غضبا لما جرى لزملائهم وعشرات الآلاف من المواطنين الساخطين على سياسات العهد ليبدأ الحرق والتخريب ويتجه نحو نفس الأهداف التي اتجه غضب الجماهير إليها في مظاهرات الطعام بعد ذلك بخمسة عشر عاماً. وبعد عدة أسابيع قدم «أحمد حسين» ـ زعيم ما كان يعرف أيامها بـ «حزب مصر الاشتراكي ـ على رأس ما يزيد على 15 من أعضاء الحزب إلى محكمة الجنايات بتهمة التحريض على حرق العاصمة، وقال شهود إنهم رأوه يتجول في مواقع الأحداث بسيارة مكشوفة يرفع عليها علم مصر ويحيي المتظاهرين ويشجعهم على مواصلة نضالهم في إشعال الحرائق ـ وهي واقعة أضافت إليها النيابة مجموعة كبيرة من المقالات التي كان «أحمد حسين» يكتبها في صحف الحزب خلال العام السابق على الحريق لتتخذ من ذلك دليلا على أنه الذي حرض على حرق العاصمة. وبعد شهور عاش خلالها «أحمد حسين» في ظلال المشنقة قامت ثورة 23 يناير 1952 وبعد شهور أخرى تقرر الإفراج عنه على ذمة المحاكمة ثم قررت المحكمة تأجيل القضية إلى أجل غير مسمى وكان ذلك ما حدث أيضاً لقضية 18 و19 يناير 1977، فقد اعترض الرئيس «السادات» على حكم البراءة وكان ذلك في سلطته القانونية بحكم أن المحكمة كانت محكمة أمن دولة عليا تخضع حكمها لتصديق الرئيس، وليس للطعن أمام محكمة النقض وقبل أن تتشكل دائرة أخرى لمحاكمة المتهمين غادر الرئيس «السادات» الدنيا في حادث المنصة الشهير ولم تتحمس الإدارة الجديدة لتنفيذ وعيده بأن يظل يطارد المتهمين حتى آخر الدنيا وآخر العمر بعد أن استرد الله وديعته فيه، وشغلت النيابة العامة عن القضية بالقضايا التي ترتبت على حادث الاغتيال وحين تذكرتها بعد ثلاثة أعوام تعطلت بعد أول جلسة تعقدها المحكمة الجديدة، إذ قام الدفاع عن المتهمين بمناورة مشروعة لتعطيل نظرها، فطعن بالتزوير على توقيع الرئيس السادات بإعادة المحاكمة متذرعاً بعدم مطابقته لتوقيعات أخرى له على أوراق رسمية.. وهو طعن استغرق نظره ـ ثم رفضه ـ سنوات أخرى، استأنفت المحكمة بعدها نظر القضية. وكانت الدنيا قد تغيرت بعد هذه السنوات العشر، وقعت مصر معاهدة السلام مع إسرائيل، وكان من بين التهم التي قدمت بسببها إلى المحاكمة أنهم روجوا شائعات كاذبة ومغرضة بأن الرئيس السادات يتجه إلى تصفية القضية الفلسطينية وتوقيع صلح منفرد مع إسرائيل لكي نستغل ذلك في تحريض الجماهير على كراهية نظام الحكم والتحرك لإسقاطه.. بتخريب الممتلكات العامة، كما تغيرنا - كذلك ـ نحن المتهمين: مات الشيوخ وشاب الكهول واكهل الشباب وضاعت اللمعة من أين البنات لتحل محلها نظرة وقورة لأمهات يعانين هموم الدنيا، وكان من بين طلاب الحقوق المتهمين في القضية اثنان أصبح أحدهما وكيلا للنائب العام والثاني نائبا في مجلس الدولة.. ولعل ذلك كان من بين الأسباب التي دفعت المحكمة للاستجابة للطلب الذي تقدمت به هيئة الدفاع عنها وأيدته النيابة العامة، فقررت تأجيل المحاكمة إلى أجل غير مسمى.. ولاتزال كذلك حتى اليوم. وحتى اليوم لم يتوصل أحد إلى معرفة أحد ممن حرضوا على حرق القاهرة في 26 يناير 1952 أو على مظاهرات الطعام في 18 و19 يناير 1977، وإن كان الصراع السياسي أيامها وبعدها وحتى اليوم قد دفع كل الأطراف لاتهام كل الأطراف، فاتهم القصر الملكي الشيوعيين بتدبير حريق القاهرة، عام 1952 لكي يقفزوا على الحكم واتهم الشيوعيون المخابرات الأمريكية بذلك واتهم الوفديون قبل الثورة الملك فاروق بأنه الذي أشعل النار في العاصمة لكي يتخلص من حكومتهم ويقيلها ويقضي على المقاومة التي كانوا يقودونها ضد الاحتلال البريطاني وعادوا بعد الثورة ليتهموا «جمال عبدالناصر» بأنه الذي أشعل الحريق ليتخذ من ذلك ذريعة لنزول الجيش إلى المدينة مما يمكنه من تنفيذ انقلابه الذي لم يستطع القيام به إلاّ بعد ذلك بشهور وانحاز الإخوان المسلمون إلى الرئيس «السادات» في اتهام الشيوعيين بالتخطيط والتحريض على ما كان يصفه بأنه «انتفاضة حرامية» واتهم الشيوعيون الإخوان بارتكاب الجريمة ودللوا على ذلك بالحرائق التي اشتعلت في كباريهات شارع الهرم.. وفي ملاهي وسط المدينة. وقالت المحكمة إن هذه الأحداث لم يخطط لها أحد ولم يحرض عليها أحد، لكنها كانت رد فعل تلقائي على قرار رفع الأسعار. أما وذلك هو التاريخ فقد كان طبيعياً ألا يدهشني أو يصدمني حكم المحكمة ببراءة المتهمين بالتحريض على ما عرف بـ «معركة الجمل» أثناء ثورة 25 يناير 2011 ومع أنني أتمنى أن تقضي محكمة النقض بإعادة المحاكمة، إلاّ أنني أتوقع أن تنتهي إعادة المحاكمة، إما بتأييد حكم البراءة أو بتأجيل القضية إلى أجل غير مسمى.. لأنها تنتمي إلى هذا النوع من الوقائع التي لا تصدر فيها أحكام من القضاء.. بل تصدر من القدر!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها