النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12143 الخميس 7 يوليو 2022 الموافق 8 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

غواية الإعلام تقود الثوار إلى معسكر فلول الثورة!

رابط مختصر
العدد 8418 الجمعة 27 إبريل 2012 الموافق 6 جمادى الأولى 1433

عبدالناصر يصدر قانوناً لعزل «حلمي مراد» والسادات يصدر قانونين لعزل «كمال الدين حسين» و»فؤاد سراج الدين» من بين إنجازات ثورة 25 يناير المصرية، إنشاء قناة تليفزيونية تبث على الهواء مباشرة وقائع جلسات مجلس الشعب ليتاح للمواطنين أن يتابعوا المناقشات التي تجري تحت القبة، وأن يستمتعوا بوصلات الغناء البرلماني، ويتعرفوا على ما يتمتع به نواب الثورة من مواهب، وعلى المستوى الرفيع من الفصاحة والبلاغة والثقافة الدستورية التي أهلتهم لممارسة سلطة التشريع والرقابة في أول مجلس نيابي جاء به أول انتخابات حرة نزيهة في تاريخ مصر. ورحب النواب بالفكرة وأشادوا بها وقالوا إنها سوف تقضي على عملية التزييف التي كانت تقوم بها رقابة التليفزيون في العهد البائد حين كانت تحذف من أقوالهم تحت القبة كل ما يقولونه انتقاداً لسياسة الحكومة، أو تنديداً بفسادها وخاصة النقاط القوية التي ترد في الأسئلة وطلبات الإحاطة والاستجوابات التي يقدمونها ولا تذيع من هذه الأقوال إلاّ عبارات التأييد التي كانت ترد على ألسنتهم أحياناً على سبيل المجاملة أو التظاهر بالموضوعية، أو على سبيل التخفيف من حدَّة الهجوم، ثم إن هذا البث المباشر للجلسات سوف يعفيهم من الاضطرار إلى منافقة وزير الإعلام، أو على الأقل الصمت على أخطاء وزارته حتى لا يفرض عليهم تعتيماً تليفزيونياً شاملاً، يهددهم بفقد مقاعدهم في أول انتخابات برلمانية قادمة! ولسبب مختلف رحب بالفكرة المهتمون بالتطور الديمقراطي في مصر، فقالوا إن البث التليفزيوني المباشر لجلسات البرلمان هو بمثابة رقابة شعبية مزدوجة على السلطتين التنفيذية والتشريعية، تتيح للشعب أن يتعرف على أخطاء الحكومة من خلال أقوال النواب من جانب وأن يتعرف من جانب آخر على مدى جدية وأهلية النواب للقيام بدورهم الرقابي والتشريعي، فتتسع ثقافته السياسية ويتشكل الرأي العام الناضج، الذي يحسن اختيار نوابه ويستطيع تقييم أداء حكوماته. لكن التليفزيون ما كاد ينتهي من البث المباشر للجلسات الأولى لاجتماعات مجلس الشعب، حتى سادت حالة من الإحباط الشديد، بين صفوف الشعب الذي احتشد لمتابعتها وكأنه يشاهد المباراة النهائية لدوري كرة القدم، فقد خضع النواب لغواية الإعلام، وتدافعوا يتزاحمون لطلب الكلمة ليبرهنوا لزوجاتهم وأمهاتهم وأبنائهم أنهم أصبحوا نجوما يظهرون على شاشة التليفزيون ويثبتوا للناخبين في دوائرهم أنهم يقومون بواجبهم البرلماني على الوجه الأكمل، لكن ما أذاعه التليفزيون على لسان الكثيرين منهم أثبت العكس وبرهن على أنهم لا يفرقون بين الألف وكوز الذرة في المسائل الدستورية والبرلمانية ولا يعرفون شيئا عن مبدأ الفصل بين السلطات ولا يميزون بين الكلام الذي يقال في المقهى أو في دوّار العمدة، وبين ا لكلام الذي يليق أن يقال تحت قبة البرلمان وكشف عن أن غواية الإعلام قد قادتهم إلى ثرثرة لا طائل من ورائها.. وإلى أخطاء لائحية ودستورية لا أول لها ولا آخر! أما الذي زاد الطين بلّة، فهو أن نواب المعارضة في المجلس قد استغلوا البث التليفزيوني المباشر للجلسات، لكي يزايدوا على نواب الأغلبية، ويثبتوا للشعب أنه أخطأ حين أعطاهم صوته، ويدللوا على ذلك بأن هؤلاء النواب ما كادوا ينتقلون من مقاعد الأقلية ليشغلوا مقاعد الأغلبية، حتى فقدوا ثوريتهم، وتنكروا للشعب الذي انتخبهم وللثورة التي أجلستهم على مقاعدهم، وإلاّ ما أعلنوا أن الشرعية انتقلت من الميدان إلى البرلمان، ولما وصفوا الثوار بأنهم بلطجية ومخربون، وهو ما دفع فريقاً من نواب حزبي الأغلبية إلى اقتراح وقف البث التليفزيوني للجلسات حتى لا يستغله نواب المعارضة للمزايدة السياسية التي تهدف إلى تشويه أداء المجلس، وافقاده مشروعيته، لكن فريقا آخر من نواب الأغلبية تمسك بحقه المكتسب في الظهور على الشاشة لطمأنة الأهل والخلان والناخبين، على أن في البرلمان نوابا.. وليس كيزان ذرة. ولم تجد قيادة حزبي الأغلبية حلاً، إلا باتباع قاعدة لا يفل الحديد إلاّ الحديد، ولا يوقف المزايدة الثورية التي يقوم بها نواب الأقلية إلا مزايدة ثورية أقوى منها يقوم بها نواب الأغلبية وبذلك لا يرسى المزاد على أحد، ولا يدفع أحد ثمناً لهذه المزايدات إلاّ الشعب الذي ضاق بالجميع، لكنه لا يعرف ماذا يفعله! وكان ذلك ما حدث في الأسبوع الماضي أثناء نظر مشروع قانون حرمان فلول العهد البائد من الترشيح لرئاسة الجمهورية الذي تولدت فكرته فجأة فور إعلان اللواء عمر سليمان -نائب رئيس الجمهورية السابق- ترشيح نفسه، لدى أحد نواب المعارضة، فطرح فكرته على الهواء مباشرة أثناء بث جلسة عامة كانت مخصصة لموضوع آخر، ليتسابق نواب الأغلبية إلى تأييده، وعلى الفور أحيل المشروع إلى اللجان المختصة ثم إلى جلسة عامة أخرى أقيمت فيها مزايدة ثورية عامة بين نواب الأغلبية والمعارضة، خضع فيها الجميع لأخطار الارتجال فاعترفوا صراحة بأن الهدف من مشروع القانون هو حرمان «عمر سليمان» من الترشيح لرئاسة الجمهورية من دون أن ينتبهوا إلى أن ذلك يشخصن القانون ويفقده بالتالي دستوريته، وحين نبههم عدد قليل من النواب الذين عارضوا المشروع إلى وجوه أخرى لعدم دستوريته دخل المؤيدون للقانون من نواب الأغلبية والمعارضة في مزايدة ثورية أخرى، تسابقوا خلالها في توجيه اللعنات إلى الدستور، والمطالبة بالقائه في النهر ومن بينهم رجال قانون وقضاة وفقهاء دستوريون. وعند المناقشة التفصيلية في مواد المشروع دخل الطرفان في مزايدة أخرى حول الفئات التي يشملها الحرمان من الترشيح لرئاسة الجمهورية، بحيث لا تقتصر على «عمر سليمان» وحده، فأضافوا إليه الوزراء السابقين ونواب الحزب الوطني في الفصلين التشريعيين السابقين وأعضاء لجنة السياسات ورؤساء تحرير الصحف القومية ومقدمي البرامج التليفزيونية وأعضاء المجالس المحلية وعددهم 54 ألفاً، وعندما اكتشفوا أن بعض هؤلاء زملاء لهم في المجلس وأن حرمان آخرين -كالوزراء- سوف يوقعهم في حرج مع المشير طنطاوي الذي كان أحد وزراء مبارك، فضوا المزايدة وسحبوا تأييدهم لعزل الوزراء. ولم يتنبه الذين أقاموا هذه المزايدة، لعزل الفلول أنهم كانوا يسيرون على دربهم وأن ظاهرة تفصيل قوانين خاصة لحرمان خصم سياسي هي من التقاليد التي عرفتها برلمانات العهود البائدة، ففي عام 1970 اختلف الرئيس عبدالناصر مع وزير التربية والتعليم د. محمد حلمي مراد، فأقاله من منصبه وعندما سمع أنه مرشح لتولي منصب في إحدى المنظمات الدولية، استصدر قانونا من مجلس الأمة يحرم على الوزير أن يتولى أي منصب خارج البلاد، إلاّ بعد خمس سنوات من تركه لمنصبه، وفي عام 1977 أمر الرئيس السادات باسقاط عضوية زميله السابق في مجلس قيادة الثورة كمال الدين حسين في مجلس الشعب، بسب اعتراضه على بعض سياساته وعندما قرر «كمال الدين حسين» أن يعيد ترشيح نفسه في الانتخابات التكميلية التي جرت في الدائرة، استصدر السادات من مجلس الشعب قانوناً يحرم على النائب المفصول أن يعيد ترشيح نفسه، وفي العام التالي أصدر السادات قانون العيب لكي يحول بين فؤاد سراج الدين وبين رئاسة حزب الوفد. وهكذا قادت غواية الإعلام نواب الثورة إلى المزايدات الثورية.. وقادتهم هذه المزايدات إلى الانضمام إلى معسكر فلول الثورة! لتتأكد بذلك الحقيقة التاريخية التي تقول إن الثورات في مصر.. تنتهي عادة إلى أنظمة ديكتاتورية ويتحول الذين يقومون بها من ثوار.. إلى فلول.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها