النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12143 الخميس 7 يوليو 2022 الموافق 8 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

بكائيـــــة في وداع السلطانــــة «نسـل شــاه»

رابط مختصر
العدد 8411 الجمعة 20 إبريل 2012 الموافق 28 جمادى الأولى 1433

كان المرحوم أبي يقرأ كل صباح جريدة «الأهرام» بترتيب لم أره يوما يغيره، فبعد أن يقرأ أهم الأخبار السياسية في الصفحة الأولى ينتقل فوراً إلى الصفحة قبل الأخيرة، ليقرأ صفحة الوفيات ويعرف أنباء الذين غادروا عالمنا ويقرر هل يرتدي رباط العنق الأسود الذي يليق بالسير في الجنازة أم يخرج برباط ملون كالعادة، وفي أحيان ليست كثيرة كان يحدثنا عن فضائل الراحل الكريم الذي يكون عادة صديقاً قديماً عمل معه، مرؤوسا أو رئيسا. وعلى العكس منه كنت انتقل من صفحة «الأهرام» الأولى إلى صفحتها الأخيرة لأقرأ أعمدة كبار الكتّاب أو أخبار الفن والأدب ولا أطل على صفحة الوفيات إلا إذا لفت نظري نعي شخصية بارزة أو عدد كبير من المشاطرات توحي بأن هناك قريباً لإحدى الشخصيات السياسية المسؤولة قد غادر دنيانا، فأقرأ الاثنين بتمعن إذ كانت تلك إحدى الوسائل التي يلجأ إليها جيلنا من اليساريين المشتغلين بالسياسة لمعرفة الخريطة العائلية للطبقة الحاكمة، وهي معرفة كنا نستغلها في تحليلاتنا -وبالتالي مواقفنا- السياسية من النظام القائم. وكانت صفحة وفيات «الأهرام»، ولاتزال إحدى السمات المميزة لأقدم الصحف العربية، فهي أول وآخر صحيفة في العالم تخصص صفحة لإعلانات الوفيات وتواصل نشرها على امتداد ما يقرب من قرن، وتتوسع في مساحتها حتي أصبحت تشغل أحيانا ثلاث أو أربع صفحات، وفشلت كل المحاولات التي بذلتها الصحف المصرية المنافسة لكسر احتكار «الأهرام» لأخبار الذين يغادرون الدنيا على الرغم مما قدمته من إغراءات كان من أطرفها محاولة قام بها «د. سيد أبوالنجا» حين حاول في بداية خمسينيات القرن الماضي أن يدخل جريدة «المصري» -التي كان يتولى إدارتها- سوق إعلانات الوفيات منافسة لـ»الأهرام» فخفض سعر الكلمة في الإعلان إلي ملاليم بدلاّ من قروش، وأجرى تخفيضات على الإعلان الذي يزيد على عشرين سطراً، ومع ذلك ظلت «الأهرام» تكتسح السوق فلم يجد حلاَّ إلاّ بالاتفاق مع أحد موظفي إدارة إعلانات «الأهرام» ليزوده -مقابل أجر أو رشوة- بصورة من الإعلانات التي ترد إليها، فيقوم بنشرها مجاناً على صفحات «المصري»، ولكن هذا النشر المجاني لم يشكل أي إغراء لأهل الموتى، إذ كان قد استقر في أذهان الجميع جيلا بعد جيل، أن «الأهرام» ليست فقط «ديوان الحياة المصرية المعاصرة»، -كما كان يسجلها المؤرخ الراحل د. يونان لبيب رزق- ولكنها كذلك «ديوان الموتى من المصريين»، وأن نشر إعلان وفاة شخص على صفحة الوفيات منه، هو دليل على بروز مكانته ومكانة أسرته الاجتماعية حتى شاع تندرا القول بأن الذي لا ينشر «الأهرام» نعيه، لم يمت بعد.. وهكذا فشلت محاولة «سيد أبوالنجا» واكتشفت «الأهرام» خيانة الموظف المرتشي ففصلته، وحين ذهب إلى مدير «المصري» يطلب تعيينه به، قال له: إن الفتاة التي تسلم نفسها قبل الزواج ليس من حقها أن تطالب به! وكانت إعلانات وفيات «الأهرام» ولاتزال ترمومتراً للمكانة السياسية للشخصيات ذات النفوذ، فحين يموت قريب ولو من الدرجة الثالثة لأحد كبار المسؤولين وهو لايزال في منصبه يتدافع العاملون تحت رئاسته، أو الذين يتعاملون مع المناصب التي يشغلها إلى نشر إعلانات المشاطرة لتنشر تحت نعي الأسرة ويملؤون صفحة أو صفحات الوفيات لأيام متواصلة فإذا مات هو نفسه بعد أن يغادر منصبه بسنوات أو شهور لم يشاطر أحد أسرته الحزن لوفاته، ولو بإعلان من سطر واحد، ولم يدع الله بأن يسكنه فسيح جناته. ولم يكن نادراً أن تخضع الإعلانات للرقابة على الصحف، لأسباب تضطر الرقيب لقراءتها وشطب ما يخالف التعليمات منها بقلمه الأحمر وفي بعض المراحل التاريخية، صدرت تعليمات للرقباء ولقسم الوفيات بـ «الأهرام» وغيرها من الصحف بعدم نشر وظائف أو رتب العاملين في أجهزة الأمن السياسي مثل مباحث أمن الدولة والمخابرات العامة والمخابرات العسكرية حتى لا يكونوا هدفا لمن تهمه هذه المعلومات. وبعد الثورة، ألغيت الألقاب المدنية التي كان ينعم بها العهد الملكي البائد على عدد من الأعيان والشخصيات البارزة، في عيد ميلاد الملك أو عيد جلوسه على العرش ومنها لقب «بك» و»باشا»، لكن أسر الراحلين من هؤلاء أصرت على أن تحتفظ بهذه الألقاب عند نشر إعلان وفاة احد منهم على صفحات «الأهرام» باعتبارها حقا مكتسبا، وبعد مشاورات جرى الاتفاق على أن إعلان الوفاة، تتصدره عبارة «انتقل إلى رحمة الله فلان الفلاني باشا سابقا» وان يتضمن سطورا من نوع انه ابن عم فلان بك سابقا، وخال حسنين باشا سابقا.. مع أن الجميع كانوا قد أصبحوا بأشخاصهم ورتبهم في الحالة سابقا! أما السبب الذي دفعني لهذه الفذلكة التاريخية فهو إعلان نشرته صفحة الوفيات بجريدة «الأهرام» يوم الثلاثاء 3 إبريل الحالي، يتضمن خبر وفاة «سمو السلطانة نسل شاه حرم الأمير محمد عبدالمنعم» الوصي على عرش مصر سابقا ابن الخديو عباس حلمي الثاني.. ابنة سمو الشاه «زاد عمر فاروق» ابن الخليفة «عبدالمجيد» وسمو السلطانة صبيحة ابنة السلطان وحيد الدين خان الخامس، ووالدة الأمير عباس حلمي والأميرة إقبال وأخت السلطانة هان زادة والسلطانة هبة الله نجلاء. وهو إعلان ما كدت أقرؤه حتى فعلت كما كان يفعل أبي، فمصمصت بشفتي ودعوت للراحلة بالرحمة، إذ لم أكن أعرف أن السيدة الجميلة التي كانت الصحف تنشر صورها في بداية الخمسينيات والتي جلست على عرش مصر لمدة أحد عشر شهرا، عندما كان زوجها الأمير «محمد عبدالمنعم» وصيا على عرش الملك الطفل أحمد فؤاد الثاني انتهت بإعلان الجمهورية في 18 يونيو 1953، ليفقد الملك عرشه، ويفقد الوصي.. وزوجته آخر موقع لهما في السلطة لاتزال على قيد الحياة.. وحمدت الله لأنني لم أشاهد صورتها وهي في شيخوختها حتى لا تضيع من ذاكرتي صورتها الجميلة في شبابها وشبابي الراحل. أما الذي أدهشني فهو أن أحفاد سمو السلطانة «نسل شاه» الذين نشروا الإعلان قد احتفظوا للراحلة بلقبها الذي كانت تحمله حين كانت تركيا سلطنة، واحتفظت لأبيها بلقبه الشاهنشاهي ولجدها بلقب الخلافة، ولجدتها بلقب السلطنة ولزوجها وأبنائها بألقابهم المصرية كأمراء، ولم ترد كلمة سابقا في الإعلان الذي نشروه إلاّ عند الإشارة إلى منصب الزوج.. وأن الأسرة فضلا عن ذلك حرصت على أن تنشر الإعلان في «الأهرام» على الرغم من أنها غادرت مصر منذ ما يقرب من ستين عاما، وكأنها تؤكد الحقيقة التي تقول إن الذي لا تنشر الأهرام نعيه.. لم يمت!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها