النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

شعبية وحرامية.. وثوار وبلطجية.. وأعيان ومومسات

رابط مختصر
العدد 8355 الجمعة 24 فبراير 2012 الموافق 2 ربيع الآخرة 1432

في أثناء المعارك، التي دارت أخيراً في محيط مبني وزارة الداخلية المصرية، بين المتظاهرين الذين احاطوا بالمبني يحتجون علي ما وصفوه بإهمال - أو تواطؤ - الشرطة في تأمين مباراة كرة القدم بين النادي المصري والنادي الأهلي، مما أسفر عن مقتل العشرات وإصابة المئات، وتبادل إطلاق قذائف الطوب والقنابل المسيلة للدموع بين الطرفين، واتهام كل منهما للآخر بأنه هو الذي بدأ بالعدوان، وبكسر تفاهمات وقف إطلاق الطوب وسحائب الدخان، تكررت ظاهرة النداءات التي توجهها شخصيات عامة سياسية ودينية وثقافية إلي الثوار المتظاهرين تطالبهم بالانسحاب من محيط الوزارة إلي قاعدتهم الثابتة في ميدان التحرير، وبذلك لا يبقي في ساحة المعركة إلاّ «البلطجية» الذين يقول عنهم الثوار، إنهم اندسوا بين صفوفهم، ليمارسوا أعمال العنف بهدف تشويه سمعتهم، بينما هم يمارسون حقا ديمقراطيا مشروعا هو حق التظاهر السلمي.. وآنذاك يمكن التمييز بين الثوار والبلطجية. ولم تكن هذه أول مرَّة تتوجه فيها مثل هذه النداءات للفصل بين «الثوار» و«البلطجية» فقد حدثت قبل ذلك في معارك«محمد محمود» و«مجلس الوزراء».. ومعارك أخري سبقتها أو تلتها فلم يستجب أحد لها، ولم يتوقف الخلط المستمر بين «الثورجية» و«البلطجية». وظاهرة التداخل بين «الثوار» و«البلطجية» ظاهرة عرفتها كل الثورات والانتفاضات الشعبية، بما في ذلك المصرية والعربية منها، وخاصة التي تفتقد للقدر الكافي من التنظيم والوعي، وتعتمد علي الانفجارات الشعبية العفوية، إذ تنتهز شرائح من المجرمين المحترفين أو المواطنين الأكثر حرمانا، فرصة المواجهة بين الشرطة والثوار، لكي تمارس عمليات السلب والنهب وخطف الرهائن وسرقة السيارات وإعادتها بعد دفع الفدية، أو تنفس عن سخطها بحرق المؤسسات والممتلكات العامة والخاصة والمباني الحكومية.. وفي أحوال ليست نادرة، تمارس هذه الأعمال شرائح غير واعية من الثوار أنفسهم انطلاقا من رؤي ثورية فوضوية يري أصحابها أن أفضل أسلوب للتغيير هو تدمير كل ما هو قائم.. سواء كان صالحاً أم طالحاً. ومن مشاهد التداخل بين «الثوار» و«البلطجية» التي لم تغادر الذاكرة المصرية بعد عمليات التخريب التي حدثت أثناء انتفاضة 18 و19 يناير 1977، حين خرج طلاب الجامعات والعمال في مظاهرات سلمية احتجاجاً علي رفع أسعار سلع الاستهلاك الشعبي، وسرعان ما اختلطت هذه المظاهرات بعمليات نهب وتخريب وحرق وتدمير، قامت بها جحافل من أطفال الشوارع وسكان المناطق العشوائية، وهو ما استغله الرئيس «السادات» للتشهير بالانتفاضة، التي ظل حتي نهاية عهده يصفها بأنها «انتفاضة حرامية»، ويندد بكل من يصفها بوصفها الحقيقي وهو أنها «انتفاضة شعبية». وعلي الرغم من تكرار هذا الاختلاط بين الانتفاضة الشعبية، وانتفاضة الحرامية، وبين الثوار والبلطجية، وتكرر نداءات أولاد الحلال بالفصل بين الاثنين، فإن أحداً لم يتنبه حتي الآن إلي أن تحقيق ذلك، رهين بأن تتحول الثورة من عمل عفوي غير واع إلي عمل علمي منظم، يسعي لحشد الجماهير وتوعيتها وتنظيم مبادراتها الثورية، ويقودها لتحقيق أهداف محددة في التوقيتات الأكثر ملاءمة، ويحمي العمل الثوري من تسلل المخربين والفوضويين. وإلي أن يتنبه الجميع إلي ذلك، فسوف تتكرر المآسي التي تترتب علي ظاهرة التداخل بين الثوار والبلطجية، وتتحول أحيانا إلي مساخر.. كتلك المسخرة التي كان بطلها مأمور مركز شرطة منفلوط - أحد مراكز محافظة أسيوط - في ثلاثينات القرن الماضي. والحكاية كما رواها «يحيي حقي»- الذي كان يعمل آنذاك معاونا للإدارة في هذا المركز - في مذكراته التي نشرت بعنوان «خليها علي الله» تقول إن المأمور تلقي ذات يوم إشارة تليفونية من رئاسته في عاصمة الإقليم، تخطره بأن القطار الملكي الذي يقل «الملك فؤاد» في طريقه إلي أسوان، سوف يمر بعدد من محطات القطارات كان من بينها محطة منفلوط، ومع أن برنامج الرحلة أكد أن القطار لن يتوقف في أي من هذه المحطات، إلاّ أن المأمور رأي أن تقام الزينات وأن يصطف علي رصيف المحطة أكبر عدد من أعيان المركز وأهله، وتلاميذ المدارس وموظفي الدواوين وعُمدَ القري التابعة له، حتي إذا تصادف وقرر جلالته أن يطل من نافذة القطار أثناء مروره بمحطة «منفلوط»، عرف أنه قام بالواجب وفي آخر لحظة همس في أذنه أحد معاونيه، بأن مأمور شرطة المركز المجاور، قد رتب بحيث يستقبل القطار الملكي في محطته ويودع بالزغاريد. وأسقط في يد المأمور، لأن منفلوط مدينة صعيدية محافظة لن تقبل امرأة واحدة من نسائها الأحرار، أن تخرج وتزغرد، حتي لو كان ذلك احتفاءً بجلالة الملك ذات نفسه.. وبعد تفكير ومشاورات، تذكر المأمور أن مركزه تتبعه نقطة للمومسات، تشرف علي تنظيم أمور العاملات بهذه المهنة التي كان معترفاً بها قانونا آنذاك، فقرر أن يستعين بهن، وأمرهن بأن يرتدين ملابس سوداء من باب الوقار، وخصص لهن علي رصيف القطار مكانا بعيداً عن المكان المخصص للأعيان، وأجري بروفة علي الزغرودة الجماعية التي تنطلق من أفواهن، بمجرد أن يتلقين الإشارة من ضابط المباحث!. وقبل دقيقة واحدة من دخول القطار إلي المحطة، ساد الهرج والمرج، بسبب تنافس الجميع في الاقتراب منه لعلهم يحظون برؤية طلعة جلالته البهية، فاختلط الواقفون من أعيان ومومسات بعضهم البعض، وأفلت النظام وباظ الترتيب، وهاج المأمور، لخشيته من أن يضيع مجهوده لتنظيم الاستقبال هدراً، فوقف كأنه قائد في ميدان يصرخ صرخة الحرب، ويلوح بيده اليمني مشيرا لليمين، وباليسري مشيرا لليسار ويزعق بأعلي صوته قائلا: الأعيان هنا.. والمومسات هنا! وهو دور أتمني أن أتقمصه، كلما سمعت عن اختلاط الثوار بالبلطجية في ميدان التحرير.. وفي محيط وزارة الداخلية وتصاعدت نداءات أهل الخير، تطالب بالفصل بين الطرفين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها