النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

مقــعـــد في أعــــلى الــتــيــــاتـــرو

رابط مختصر
العدد 8247 الثلاثاء 8 نوفمبر 2011 الموافق 12 ذو الحجة 1432

رحل «أحمد حمروش» في الأسبوع الماضي قبل أن تتاح لي الفرصة التي كنت أنتظرها لأعترف له بالدور المهم الذي لعبه في حياتي، ولأشكره لأنه كان واحدا من كثيرين فتحوا أمامي باب السير في طريق النشوات العليا، فسعدت به، ودست في أشواكه، ورضيت به في كل الأحوال. كنت في الثالثة عشرة من عمري، حين صدر - بعد ثلاثة أسابيع من قيام ثورة 23 يوليو 1952 - العدد الأول من مجلة «التحرير» لتكون لسان حال ما كان يعرف أيامها بـ «حركة الجيش» ولأن غلاف المجلة لم يكن يحمل - كعادة المجلات المصورة في ذلك الزمان - صورة لامرأة جميلة من سيدات المجتمع أو نجمات هوليوود، أو حتى لشخصية سياسية بارزة، بل صورة لمجموعة من الفلاحين الحفاة، الذين أرى مثلهم في قريتي، فقد اجتذبني لشرائه! وما كدت أقلب صفحاته، حتي وجدت بين يدي مجلة مختلفة، يحرر معظم موادها صحفيون شبان كان الكثيرون منهم يخطون أولى خطواتهم في عالم الصحافة، كان على رأسهم، اليوزباشي (النقيب) «أحمد حمروش»، وتهتم بعالم مختلف عن العالم الذي تعودت أن أقرأ عنه على صفحات أمثالها من المجلات المصورة، فلا تقارير عما يجري من مشاورات بين أقطاب السياسة في الفنادق الفخمة مثل «سيسل» و»سميراميس»، ولا حوارات مع فنانات حول ما يحتويه دولاب ملابسهن من فساتين، ولا رسوم كاريكاتيرية عن الرجل المصاب بالأنفلونزا الذي يربط أنفه بمنديل حتى يوقف الرشح.. بل ريبورتاج عن أحوال الفلاحين الذين يعملون في التفاتيش الزراعية الكبيرة، وتقارير عن حركة «الماو ماو» التي يقودها «جومو كينياتا» وتهدف لتحرير «كينيا» من الاستعمار، وعن الصراع بين الملك «محمد الخامس» وعملاء الاستعمار الفرنسي في مراكش وقصة لـ «يوسف إدريس» ومقال لـ «طه حسين»، يطالب فيه قادة حركة الجيش، بأن يتخففوا من الحرج الذي يدفعهم للإصرار على وصف ما قاموا به في 23 يوليو بأنه «حركة» أو «نهضة» وأن يطلقوا عليه الاسم الذي تستحقه وهو أنها «ثورة» .. وكان مع العدد ملصق هدية، يصور جنديا يحمل السلاح وتحته عبارة «الجيش يحمي الدستور». ومع أن اسم «أحمد حمروش» قد اختفى من رئاسة تحرير «التحرير» بعد ثلاثة أعداد ليحل محله «ثروت عكاشة» بعد أن اعترض عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة على «التوجه اليساري» للمجلة، فقد ارتبط اسمه في ذهني بذلك النوع من الصحافة، الذي يهدف لتثقيف القارئ وإيقاظ وعيه، وليس لتسليته وتغييب وعيه، فأخذت أشد الرحال، خلف صحافة «أحمد حمروش - النوع والشخص - فعثرت على عدد غير قليل منها وعثرت عليه هو نفسه بعد حوالي ثلاثة أعوام، أمضى بعضها سجينا، وبعضها الآخر يدرس في «كلية أركان الحرب»، عندما أصدر - في بداية عام 1956- مجلة شهرين باسم «الهدف». ومع أنها كانت تصدر عن جهاز التعبئة العامة والأحصاء، إلا أنها على عكس المجلات التي تصدر عن هيئات حكومية، لم تكن نشرة دعائية تافهة، بل كانت مطبوعة ثقافية رائدة، تجمع بين الاهتمام بالدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبين الاهتمام بقضايا الأدب والفن والثقافة. وفيما بعد التحق «أحمد حمروش» بأسرة تحرير جريدة «الجمهورية»، تولى رئاسة تحرير «كتب للجميع» وهي سلسلة كتب شهرية، كانت تصدر عن «دار الجمهورية» فجدد شبابها، ونشر أعمالا لكتاب مختلفين، كان منهم «رشدي صالح» و»عبدالرحمن الشرقاوي» و»أنيس منصور» و»مصطفى محمود»، ثم حولها إلى مجلة ثقافية وغير اسمها إلى «الكاتب» وتولى رئاسة تحرير «روزاليوسف» لعدة سنوات في الستينيات. كان «أحمد حمروش» عضوا في تنظيم الضباط الأحرار الذي قام بالثورة، ينتمي إلى الجناح اليساري منه، الذي أقصي عن المناصب التنفيذية في حكوماتها ومؤسساتها، بسبب مساندته - خلال أزمة مارس 1954 - لمطلب عودة الجيش لثكناته، فنشط مع آخرين ينتمون إلى تيارات قريبة من رؤاه، على جبهة الثقافة ونجحوا في أن يجذبوا إليهم كتلة مؤثرة من المثقفين المدنيين الذين ناصروا الثورة في محاولة لتأسيس وعي مختلف، يجذب الثورة يسارا، ويوازن ضغوط التيارات اليمنية التي كانت تحاول اجتذابها نحو فاشية عسكرية صريحة. وربما لا يتذكر كثيرون أن «أحمد حمروش» كان هو الذي وضع حجر الأساس فيما أصبح يعرف الآن بـ «نهضة المسرح المصري في الستينيات» عندما تولى إدارة المسرح القومي فاتجه بعروضه بعيدا عن الكلاسيكيات المترجمة، ليقدم أعمالا عصرية لـ «شتاينبك» و»آرثر ميلر» و»هوارد فاست» وأعمالا مؤلفة للجيل الذي صنع هذه النهضة مثل «نعمان عاشور» و»ألفريد فرج» و»سعد الدين وهبة». أما أنا فلا أنسى أن «أحمد حمروش» قد أتاح لي آنذاك، أن أدخل المسرح وأن أشاهد عروضه، بعد أن خفض سعر التذكرة، فاستطعت أن أحصل على مقعد في أعلى التياترو وأن أشاهد أمينة رزق وحسين رياض وسميحة أيوب وسناء جميل، وسط حشد من تلاميذ المدارس والعمال والعوام، ولم أدفع سوى سبعة قروش فقط، كانت كل المصروف الذي اتقاضاه في الأسبوع.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها