النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11799 الأربعاء 28 يوليو 2021 الموافق 18 ذو الحجة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:32AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:27PM
  • العشاء
    7:57PM

كتاب الايام

نظرات في التجارب العربية «الثورية» الراهنة

رابط مختصر
العدد 8200 الخميس 22 سبتمبر 2011 الموافق 24 شوال 1432

كان خطأً سياسياً كبيراً القفز على الاستنتاج أن حدوث الثورة في بلدان يمكن أن يُعمم، بتأثير نظرية «الدومينو»، القائلة أن «الانهيار» يمكن أن ينتشر كالعدوى. وقد راجت نظرية «الدومينو» أيام الحرب الأمريكية في فيتنام وذهب محللون أن «الانهيار» الأمريكي في فيتنام، يمكن أن يتحول إلى «انهيار» شامل في المنطقة الآسيوية المحيطة بفيتنام، وذلك ما لم يحدث بعد «الانهيار» الأمريكي في فيتنام! وبالمقابل، فإن «انهيار» الأنظمة الشيوعية في العالم أعني روسيا وأوربا الشرقية وآسيا الوسطى لم يتحول «انهياراً» في كوبا ولا في كوريا الشمالية، مثلاً، كما أن الصين، بضخامة حجمها، مازالت سياسياً تتبع نظام «الحزب الواحد» وان انتقلت إلى نوع من «الرأسمالية» في الاقتصاد. هكذا فإن المسألة تتعلق بالركائز المحلية لكل حالة، وليس من الضروري، أن حدوث «الثورة» في بلد يمكن أن تنتقل «عدواه» إلى البلدان المجاورة، فتايوان على سبيل المثال، لم تتحول إلى الشيوعية بعد انتصار ماوتسي تونع في الصين الشعبية عام 1949... وما زالت «تايوان» على نظامها الرأسمالي. وقد توهم كثيرون في العالم العربي، إن حدوث الثورات في بعض البلدان العربية - بمعنى تنازل راس الدولة- يمكن أن يكون ظاهرة عامة، وان نظرية «الدومينو» ما زالت على مفعولها القديم... الذي لم يثبت في حينه! ولعل الشبه الحاصل بين بعض البلدان العربية التي تعرضت لتغيير الأنظمة .. هو الذي شجع البعض على تبني هذه «النظرية» .. فقد مر زمن طويل على بعض الرؤساء وهم جالسون على كرسي الرئاسة، مما شجع على أن "يعشعش" الفساد تحت تلك الكراسي .. وكما قلنا في مقالات سابقة، فإنه لا يمكن «الدفاع» عن أمثال هؤلاء الذين استحقوا ما حدث لهم! غير إن التفكير الاستراتيجي العالمي تجاه الثورات العربية بدأ يتبلور بشكل مختلف مركزاً على "خصوصيات" الأوضاع والحالات.. ففي ندوة تم انعقادها في جامعة من أهم الجامعات في العالم، وهي جامعة هارفرد، سمعنا البروفسور غراهام أليسون مدير مركز بليغر للدراسات الدولية يقول: «يجب أن تتعامل الولايات المتحدة مع كل ثورة عربية على حدة لاختلاف ظروف كل ثورة عن الأخرى من أجل تعزيز مصالح الولايات المتحدة..وعلينا أن ننجز تحليلاً مقارناً للثورات حتى نتمكن من فهم الأسباب والنتائج». وإذا كان هذا البروفسور الأمريكي تهمه مصالح الولايات المتحدة، فمن باب أولى أن يهتم الإستراتيجيون العرب بالمصالح العربية، ولا ينحصر الرأي في استراتيجي واحد، فأستاذ العلاقات الدولية وصاحب نظرية القوة الناعمة البروفسور جوزيف سي ناي، يرى أيضاً ضرورة «التعامل بشكل انفرادي مع أية حالة عربية بما يضمن مصالح الولايات المتحدة، لاختلاف الثورات العربية عن بعضها». هكذا فإن الإدارة الأمريكية التي تستمع إلى مثل هذه الندوات الجامعية الفكرية أصبحت مقتنعة بضرورة «التعامل مع كل حالة عربية بشكل منفرد، بما يضمن المصالح الأمريكية، ولا مشكلة في التعامل مع الأحزاب الإسلامية ما دامت انخرطت في ديمقراطية العملية السياسية». ونحن مقتنعون بضرورة التعامل مع كل حالة عربية بشكل منفرد، ولكن الملاحظة بشأن «الأحزاب الإسلامية» تحتاج إلى إثبات من خلال التجربة .. وانخراطها في «العملية الديمقراطية» ليس نهاية المطاف في هذه الفرضية! هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فالثورات لا تأتي بالديمقراطية، بل إن التدرج الطبيعي، هو الذي يأتي بها. ولم تشهد روسيا، بعد الثورة ضد القيصر، كما ان فرنسا، بعد الثورة ضد الملكية، لم تشهد أية ديمقراطية. ففرنسا قررت العودة إلى نهج التدرج الطبيعي إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه، وروسيا تبدأ اليوم حياةً شبه ديمقراطية بعد سبعين عاماً من الحكم الشيوعي الذي أسقط تجربة «ليبرالية» قصيرة، أما من استطاع تطوير الديمقراطية فهو الشعب البريطاني في ظل التاج الذي ضمن الاستقرار وضمن التطور المتدرج للمسيرة الديمقراطية. ويرى المفكر المصري الكبير، الأستاذ سيد ياسين (الأهرام: 8 سبتمبر 2011م)، «أن المسيرة الديمقراطية لابد أن تكون تدرجية وتطورية، إلا إذا تم إيقافها قسراً. هنا لابد من "الثورة" لإنقاذ الديمقراطية». ولكني اختلف معه في مسألة أن «الثورة» بإمكانها إنقاذ الديمقراطية أو إقامتها. فالحالة الثورية، حالة حاسمة، متوترة، غضبية، وليست مؤهلة لسلوك ديمقراطي! ولابد من حل هذا «الإشكال» بصورة مختلفة. ولا أزعم إني أملك تصوراً لحل هذا الإشكال! ولكني لا أرى في «الثورة» نهجاً لإنقاذ المسيرة الديمقراطية، وثمة شواهد تاريخية عدة، بالمقابل، على إن المسيرة الديمقراطية بحاجة إلى استقرار، وإلى تدرج طبيعي. لقد انشغل العالم العربي طويلاً بالسؤال: هل المخرج في الثورة أم في التطور؟ وكان الجواب في البداية بل الثورة! ولكن الثورات لم تجلب معها إلا الإحباطات، ولم يتحقق في ظلها للناس أي مكسب أو انجاز. وعندما يسرح المرء بفكره في التجارب العالمية، يرى إنها تقدمت بعد أن تخلت عن «المراهقة الثورية» وارتقت إلى «الرؤية التطورية». هذا ما ينبغي أن نقوله دون خوف أو وجل. ولعلنا نصل إلى بعض الحقيقة .. دون أن نزعم إن ثمة «حلاً» توصلنا إليه!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها