النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12176 الثلاثاء 9 أغسطس 2022 الموافق 11 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:42AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

هــــل مــعـــلـــّمــــتـــي كــافــرة؟

رابط مختصر
العدد 8198 الثلاثاء 20 سبتمبر 2011 الموافق 22 شوال 1432

سألتني ابنتي ذات الأعوام الثمانية: «هل معلّمتي الأمريكية كافرة؟»، قلت لها: «وما مناسبة السؤال؟»، قالت: «لأنّ الكفّار يدخلون النار ولا أريد لمعلمتي أن تدخل النار»، فأجبتها: «الله خالقنا جميعاً وهو خالق النار أيضاً، وهو وحده الذي يعرف من سيدخل النار ومن سينجو منها. وما دامت معلّمتك تعمل الخير ولا تؤذي الناس وما دامت رحمة الله واسعة وهو غفور رحيم فدعينا نظنّ الخير ونرجو الأسلم لمعلّمتك». ويبدو أنّ جوابي قد ولّد الراحة في نفس ابنتي ولم تعد للسؤال مرّة أخرى، واطمأنت أنّها لا تذهب إلى المدرسة يومياً من أجل أن تدرّسها واحدة من حطب جهنّم وإنما لإنسان مثلنا لا يملك أحد يقين مآله يوم القيامة. لم أكن أعرف ما الذي جعل ابنتي تفكّر في مثل هذه الأمور الغيبية، وما الذي جعلها وهي في هذه السنّ الصغيرة تدخل في لعبة التقسيمات والتصنيفات. كان بإمكاني أن أسلك الطريق السهل وأن أقول لها: «إنّ معلّمتك الأمريكية الفاضلة التي تستقبلك كلّ صباح بالأحضان، والتي دمعت عيناها حينما أتت إجازة الصيف لأنها ستفتقدك، والتي تكبّدت عناء حضور عيد ميلادك وأهدتك أكبر هدية، مسيحية لا تعبد إلهاً واحداً بل ثلاثة، وإنها لا تعترف بنبوّة سيدنا محمد (ص) وهي بذلك كافرة وكلّ كافر مآله إلى النّار وبئس المصير»، ولكنّي كنت قد عاهدت نفسي أن لا آخذ دور الربّ عزّ وجلّ وأن لا أوكل لنفسي مهمّة تصنيف الناس بين الإيمان والكفر وبين الجنّة والنّار، خصوصاً أني أملك من الأخطاء ما يزن جبل أحد! بعد سنتين ربّما سيتولّد السؤال الآخر لابنتي وسيتعيّن عليّ أن أجيب. ستسألني: هل صديقتي في الجنّة أم في النار؟ فهل سأضطرّ للإجابة بمنتهى البرود عن مآل صديقتها يوم القيامة مثلما أردّ عليها بمنتهى الثقة حين تسألني إن كانت تسكن في البرهامة أم في جدعلي؟ وهل سأضطرّ للردّ على كلّ سؤال توجّهه لي ابنتي في مآل معلماتها وصديقاتها وزميلاتها في الجامعة مستقبلاً ومسؤوليها في العمل حتى يتكوّن لديها خطّ فاصل بين من سيدخل منهم الجنّة ومن سيهوي في نار جهنّم؟ لقد أرهقتنا التقسيمات الجاهزة بين أصحاب الجنّة وأصحاب النّار، وإذا كان الأوروبيون قد اكتشفوا مبكّراً، مقارنة بنا، أنّ رجال الدين لا يملكون مفاتيح الجنان كما يدّعون، فإننا مازلنا نعتقد أنّ رجال الدين يشاركون الله تعالى في معرفة مصير الناس ومآلهم يوم القيامة، وكأنّهم ليس بوسعهم أن ينتظروا إلى اليوم الآخر ليحكم الله بين عباده، بل يستعجلون ذلك ويصدرون أحكاماً فورية في الحياة الدنيا على الناس ويفتحون لمن يرونهم مؤمنين مفاتيح الجنان ويغلقون على الآخرين أبواب النعيم. أريد أن تخرج ابنتي من بيتها سواء في سنتها هذه أو في سنينها القادمة وأن تختلط بين الناس في المدرسة أو في الشارع أو في المجمّعات وتعاملهم على أنّهم بشر سواسية لا فارق بينهم ولا فواصل تفصلهم عن بعضهم. ولا أريد أن تنجرّ كما هو حال الممتطين صهوة السياسة في أيامنا هذه إلى إطلاق التوصيفات الجاهزة التي تقسّم الناس إلى «خونة، أذناب إيران» و»طبّالة، مجنّسين، بلطجية»، ولا أريدها أن تنشغل بمن سينغمس في أنهار الخمر في الجنّة ومن سيُشوى في نار جهنّم، ما دامت الغاية من خلق الإنسان هي عمارة الأرض لا الانشغال بمآلات الناس في الآخرة، وما دام الله وحده هو الذي عنده علم الغيب وهو الذي يمتلك مفاتيح علوم السماء وقوائم من سيدخل الجنة ومن سيدخل النار. وليس من السذاجة أن تنظر ابنتي للناس على أنّهم سواسية، وليس من الغفلة أن تغضّ ابنتي النظر عن الاختلافات وأن تعيش بانسجام مع الجميع وأن تسعى لذلك، فهناك الكثير من المجتمعات التي غضّت الطرف عن اختلافاتها الدينية والعرقية والمذهبية وربّما تسامت على خلافاتها القديمة واقتتالها في فترة من الفترات ليتشاركوا في صنع مستقبل واحد وتحت راية واحدة. ولنا في فرنسا خير مثال على تحقيق الانصهار والاندماج بين الكاثوليك والبروتستانت بعد سلسلة من المجازر، ولنا في أستراليا خير مثال على الانصهار بين المستعمرين المحتلين وبين السكان الأصليين، ولنا في أوروبا خير مثال على التعاون والتكامل والاتحاد بين البلدان المتنافرة التي خاضت حروباً مدمّرة قبل أقلّ من نصف قرن، ولكنها سرعان ما نفضت عنها أحقاد الماضي وألغت الحدود بين دولها واستطاعت تكوين اتحاد قويّ.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها