النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11932 الأربعاء 8 ديسمبر 2021 الموافق 3 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    5:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

حتى الهند لم تسلم من «الفوضى الخلاقة» الأمريكية

رابط مختصر
العدد 8182 الأحد 4 سبتمبر 2011 الموافق 6 شوال 1432

يجمع مراقبون كثر على أن لواشنطون يدا - بصورة أو بأخرى – في ما تمر به بعض الدول من حرائق واضطرابات وفتن، وذلك ضمن سياستها المعروفة باسم «الفوضى الخلاقة»، والتي تستهدف إحداث تغييرات جذرية في مناطق معينة من العالم على نحو يفيد الولايات المتحدة ويجعل الأخيرة صاحبة الكلمة الأولى واليد الطولى في العالم بأسره. أما الآلية التي اتبعتها الإدارة الأمريكية الحالية لتطبيق سياسة «الفوضى الخلاقة» المذكورة، فهي - طبقا للمراقبين – تبني بعض الشخصيات الغوغائية الموتورة من تلك الباحثة عن الشهرة والزعامة، أو تبني بعض التنظيمات الراديكالية المحلية المعروفة في بلدانها بمماحكاتها السياسية وشعاراتها المدغدغة للعواطف، وتقديم الدعم لها، وتدريبها على عملية الاستفادة القصوى من وسائل الإعلام الحديثة، وثورة التواصل التكنولوجية في التحشيد والتظاهر والتأزيم باسم الحريات وحقوق الإنسان والتغيير وخلافه من الشعارات البراقة التي تجد صدى سريعا في نفوس الجماهير التواقة للعدالة. ولأن ظروف الدول والمجتمعات مختلفة ومتفاوتة من حيث درجة دمقرطتها وحرياتها ووعي شعوبها ونوعية مطالبهم وحدودها، قيل أن مخططي الإدارة الإمريكية وضعوا تلك المعطيات في اعتبارهم، فتحركوا وفقا لها، بحيث بدت تحركاتهم ودرجة حماسهم مختلفة من منطقة إلى أخرى. ومنذ بعض الوقت دخلت الهند.. نعم الهند! ضمن البلاد التي يسعى الامريكيون إلى زعزعة أمنها واستقرارها، الأمر الذي أثار الكثير من علامات الاستغراب والتساؤل حول نوايا واشنطون وتداعيات سياساتها الخرقاء، خصوصا وأن الولايات المتحدة تحتفظ اليوم بعلاقات ودية، وشراكة استراتيجية، ومبادلات تجارية ضخمة، مع الهند لم تكن تحلم بها يوما، لكنها تحققت بسرعة قياسية على إثر إنهيار الإتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، دعك من حقيقة لا مجال للشك فيها، وهي أن الهند تعتبر كبرى ديمقراطيات العالم وأكثرها استقرارا واستمرارية وشفافية وتعددية، مما لا يترك مجالا، لا للامريكان أو غيرهم، للقول بأن الهند بحاجة إلى تغيير نظامها ليكون متوافقا مع المواصفات العالمية المعروفة في مجال الحقوق والحريات والتعددية واحترام العقائد والمذاهب والأعراق والهويات الثقافية. ويقول أحد المحللين الهنود أن واشنطون أدركت جيدا هذه الحقيقة فلم تجد سوى استغلال ثغرة الفساد والمحسوبية من أجل الإضرار بالهند واستقرارها الداخلي، خصوصا وأن الفساد متفش في الأجهزة البيروقراطية الهندية مثل تفشيه في الأجهزة المماثلة في كل الأقطار الآسيوية، وإنْ لم تصل حدوده وصوره ودرجته إلى الشكل الموجود في الدولة الملاصقة للهند. وملخص الحكاية التي أقلقت حزب المؤتمر الحاكم في نيودلهي، ودفعت المتحدث الرسمي بإسمه «رشيد علوي» إلى الخروج عن المألوف، والتلميح بوقوف واشنطون خلف ما يحدث في الهند من حركة احتجاجية جماهيرية واعتصامات وإضرابات عن الطعام بقيادة «أنــّا هازاري»، وتذكير الناس بأن هذا الأخير مجرد فرد وليس تنظيما، وبالتالي كيف له أن ينظم كل تلك الجماهير ويوغر صدورها ضد الحكومة، لولا وجود دعم خارجي له وتدريب مسبق ووعود بالتأييد؟، مضيفا: «إن دعوة الامريكان لنا بممارسة ضبط النفس الديمقراطي، تفيد بأنهم ينظرون إلينا وكأننا دولة ديمقراطية ناشئة، فيما الحقيقة أننا نحن الذين علمنا العالم الثالث كيفية تأسيس الديمقراطية والمحافظة عليها». و «أنــا هازاري» هذا لمن لا يعرفه ناشط اجتماعي مخضرم، ومقاتل سابق في الجيش الهندي، وحاصل على العديد من الميداليات العسكرية، إضافة إلى ثالث أكبر جائزة تكريم في الدولة الهندية في عام 1992 نظير جهوده في تأسيس قرية نموذجية في مسقط رأسه. لكن الرجل من جهة أخرى شخصية تنطوي على جملة من الغرائب والمتناقضات. فمن إيجابياته أنه بـُعيد تقاعده من الجيش عمل من أجل الفلاحين والمهمشين والفقراء والمحبطين، وذلك من خلال تجذير مباديء التكافل والمساواة والكفاءة وتنمية المهارات البشرية، وتحسين المنتج الحيواني والزراعي، وإنشاء ما عـُرف بـ «مصرف الحبوب» (عبارة عن مستودعات يخزن فيها ما يفيض من حبوب من أراضي الأغنياء الشاسعة في مواسم الوفرة، من أجل الوفاء بحاجة الفقراء في مواسم القحط، على أن يعيد هؤلاء ما أخذوه من الأغنياء حينما تتحسن محاصيلهم مضافا إليها كمية أخرى في شكل فائدة). ومن إيجابياته أيضا أنه أولى التعليم عناية كبيرة فسعى إلى إنشاء المدارس والصفوف الدراسية في قريته في ولاية «مهاراشترا»، وقاد حملة لمكافحة الأمية، وأخرى لزيادة مخصصات التعليم في الموازنة العامة، وثالثة لإزالة الحواجز الإجتماعية بين الطبقات، ودمج طبقة المنبوذين في المجتمع، وإقامة الأعراس الجماعية. أما الجوانب السلبية في شخصية الرجل، والتي يبدو أن الامريكيين استثمروها جيدا، مثلما استثمروا الجوانب الإيجابية فيها لتحشيد الناس حوله، فتتمحور في أنه على استعداد لتجاوز الآليات الدستورية والمؤسسات الديمقراطية في فرض ما يراه صوابا للقضاء على مشكلة عامة (مثل الفساد والمحسوبية والارتشاء)، الأمر الذي جعله في نظر البعض - مثل الروائية الهندية ذات الصيت العالمي «أرونداتي روي» – شخصا متمردا على القانون والسلم الأهلي، وإن كان ملتزما بتعاليم «المهاتما غاندي» بعدم اللجوء إلى العنف، وهذا ربما كان من ضمن الأشياء التي دعت الامريكيين للمراهنة عليه، على اعتبار أن المجتمع الهندي له تاريخ طويل في المقاومة السلبية. ومن سلبياته الأخرى أنه متحفظ على صورة الهند العلمانية لمجرد أن هذه تدافع عن حق الآخر في اختيار ما يناسبه ويستمتع به، فيما هو يتبنى ويقود منذ السبعينات حملات متكررة ضد تجار ومستهلكي ومروجي المشروبات الروحية والتبغ بما فيها تلك السجائر المصنوعة محليا من نوع بيدي(نوع من السجائر تأتي من دون فلتر وملفوفة في أوراق الأشجار) والتي تعيش على صناعتها آلاف الأسر. ولعل ما يدل على تطرفه في هذا السياق وتجاوزه القانون أنه قام هو وأنصاره بتهديد من لا يلتزم بأشد العقوبات، بل طبقوا عقوبات الجلد بحق من لم يمتثل لتعليماتهم. وكدليل آخر على تطرفه، دعا هازاري مؤخرا الدولة إلى قطع رؤوس كل من يثبت فساده وحصوله على الرشوة في الميادين العامة. ورغم أن نيودلهي عملت أكثر من غيرها لجهة مكافحة الفساد، وجلب الفاسدين إلى العدالة ووضع التشريعات الكفيلة بمحاصرته، فإن الظروف أثبتت أنها لا تملك عصا سحرية لإجتثاثه على نحو ما أوضحه رئيس الحكومة «مانموهان سينغ»، حينما قال: «إن المحرضين ضد الحكومة بسبب الفساد يتجاهلون عمدا صعوبة اجتثاثه». والجدير بالذكر - وهذا يدلل بوضوح على نزعة التصعيد عند «هازاري» – أن مشروع قانون خاص بمكافحة الفساد معروض حاليا أمام البرلمان، لكن «هازاري» يراه ضعيفا وغير كاف، ويطالب بإقرار قانون بديل وضعه بنفسه، بالرغم من القانون المقترح من قبل الحكومة مجرد وثيقة مطروحة للتداول والنقاش بغية التوصل إلى إجماع وتوافق وطني حوله. ويبدو أن رئيس الحكومة «مانموهان سينغ» كان مصيبا حينما قال أمام برلمان بلاده مؤخرا: «إن قوة الهند تظهر الآن كلاعب مهم على الساحة الدولية، ولذا فإن هناك قوى كثيرة لا تريدها أن تتبوأ مكانها الصحيح بين الأمم، ويريدونها مجرد أداة لتنفيذ أجنداتهم أو مجرد ذيل»! د. عبدالله المدني *باحث ومحاضر أكاديمي في الشئون الآسيوية من البحرين الإيميل: [email protected]

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها