النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

ثوار يناير يسيرون على خط مبارك بمكارثية السادات

رابط مختصر
العدد 8152 الجمعة 5 اغسطس 2011 الموافق 5 رمضان 1432

في صباح يوم السبت 4 فبراير 1973، استيقظت من النوم لأجد اسمي الرباعي منشورا في صدر كل الصحف اليومية الحكومية، ولم يكن في مصر آنذاك صحف غير حكومية، ضمن قائمة تضم الأسماء الرباعية لـ 63 آخرين من الصحفيين والكتاب والأدباء والنشطاء السياسيين، قررت لجنة النظام، أي الانضباط، في «الاتحاد الاشتراكي العربي»، وهو التنظيم السياسي الوحيد في مصر أيامها، إسقاط العضوية العاملة في التنظيم عنهم. وفي تبرير ذلك قال البيان الصادر عن اللجنة إنهم ،أخلّوا بواجباتهم الأساسية كأعضاء عاملين في التنظيم السياسي، وخرجوا على الخط الوطني وحرضوا ضد الوحدة الوطنية، واستغلوا مواقعهم الإعلامية الحساسة في الصحف والإذاعة والتلفزيون ووكالات الإعلام في إثارة الجماهير». وحتى لا يخطأ أحد فهم دلالة القرار، قالت المذكرة التفسيرية له: إن الفصل من العضوية العاملة للتنظيم السياسي يترتب عليه إسقاط عضوية المفصولين في عضوية أي تنظيم نقابي أو مجلس إدارة أي نقابة، كما يترتب عليه إبعادهم عن أي عمل تكون العضوية العاملة شرطا لممارسته، مثل الصحافة التي يشترط القانون أن يكون من يعمل بها عضوا عاملا بالاتحاد. كان السبب الحقيقي وراء هذا الإجراء، هو أن معظم الأسماء التي ضمتها القائمة كانوا يدعمون مطالب الحركة الطلابية النشطة التي كانت تلح آنذاك على حسم قضية تحرير الأرض المحتلة، وإنهاء حالة اللا سلم واللا حرب، وكانوا قد وقعوا على البيان الشهير الذي وقعه توفيق الحكيم ونجيب محفوظ في هذا الشأن، وأثار نشره في الصحف اللبنانية غضب الرئيس السادات. لم تكن التهم الكاذبة التي حفل بها البيان هي التي استفزتني وحدها، بل استفزني كذلك التلاعب بالقانون الذي لم يكن ينص على عضوية الاتحاد الاشتراكي كشرط للعمل بالصحافة، بل الحصول على «ترخيص» فقط منه، أما الذي طيّر برجا من نافوخي، فهو أنني لم أكن في أي يوم من الأيام عضوا في الاتحاد الاشتراكي، بل كنت معزولا سياسيا، لأنني ممن سبق اعتقالهم أكثر من مرة بسبب معارضتهم للنظام. وبسبب طيران هذا البرج، فقد كان أول ما فعلته في هذا الصباح الذي فقدت فيه عملي ووظيفتي ومهنتي التي أحبها ولا أصلح لغيرها، هو أن توجهت إلى أول مكتب بريد، وأرسلت تلغرافا للأمين العام للاتحاد الاشتراكي أيامها يقول: أحتج على فصلي من الاتحاد الاشتراكي الذي لست عضوا به! بعد هذا التاريخ بخمس سنوات، نجحت المعارضة أثناءها في إلغاء القانون الذي كان يشترط موافقة الاتحاد الاشتراكي على العمل بالصحافة، وعضويته العاملة للترشيح لعضوية مجلس إدارة النقابات المهنية، وألغى الاتحاد الاشتراكي نفسه، وأقر حق تشكيل الأحزاب، مثلت أمام «المدعي العام الاشتراكي» ضمن وجبة أخرى ضمت خمسة آخرين من الكتّاب هم «محمد حسنين هيكل» و»أحمد حمروش» و»أحمد فؤاد نجم» و»فريدة النقاش» و»محمد سيد أحمد» ليحقق معي، في 27 يونية 1978، بتهمة كتابة مقالات في الصحف العربية، وصفت بأنها «تسيء إلى سمعة مصر». عندما سألت المحقق عن الأساس القانوني للتحقيق معي، قال: إنه القانون رقم 33 لسنة 1978 بشأن «حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي» وهو قانون لم يكن قد مضى على صدوره سوى عدة أسابيع، ليواجه حملة المعارضة العنيفة لزيارة السادات للقدس المحتلة، ومفاوضاته مع إسرائيل، ليحظر كل دعوة تناهض المبادئ التي قامت عليها ثورتا يوليو 1952 ومايو 1971، أو تروج للمذاهب التي ترمي إلى مناهضة النظام الاشتراكي أو مناهضة الإيمان بالقيم الروحية والدينية. وحرّم القانون كل من يرتكب هذه الجرائم من تولى الوظائف العليا في الحكومة أو القطاع العام أو المؤسسات الصحفية، ومن الترشيح لعضوية المجالس المحلية ومجالس النقابات، كما حرم كل من تولوا المناصب الوزارية أو قيادة الأحزاب قبل ثورة 23 يوليو، ومراكز القوى الذين حوكموا بعد ثورة 15 مايو 1971 من الاشتراك في الأحزاب ومن مباشرة حقوقهم السياسية، واعتبر ما ينشره أو يذيعه مصري في الخارج تجسسا، إذا كان من شأنه المساس بالمصالح القومية للبلاد أو إفساد الحياة السياسية أو تعريض الوحدة القومية للخطر. وأناط القانون بالمدعي الاشتراكي التحقيق في جرائم الإفساد السياسي الواردة في القانون الذي يعاقب كل من يقصر في تطبيق مواده من المسؤولين عن الأحزاب بالحبس لمدة ثلاث سنوات، وغرامة تصل إلى ثلاثة آلاف جنيه. وكان من بين الذين انطبق عليهم هذا القانون «فؤاد سراج الدين» رئيس حزب الوفد الجديد، و»عبدالفتاح حسن» قطب الحزب، وهو ما ردت عليه قيادة الحزب باتخاذ قرار بتجميد نشاطه، ولم يعد إلى الحياة إلا بحكم من محكمة القضاء الإداري بعد رحيل السادات. بعد عامين من صدور هذا القانون أصدر «السادات» قانون «حماية القيم من العيب» الذي ابتكر به بدعة المساءلة السياسية، ونص على معاقبة كل من يخالف نصوصه التي لا تختلف كثيرا عما ورد في قانون حماية الوحدة الوطنية، بالحرمان من الترشيح لعضوية المجالس النيابة ومجالس إدارة الشركات والأندية والنقابات ومن تأسيس الأحزاب السياسية ومن شغل المواقع الإعلامية والصحفية، من دون الإخلال بأي عقوبة أخرى تأديبية أو جنائية. المضحك في الأمر أن السادات كان قد قام بثورة 15 مايو ليصحح» كما قال» فساد ثوار يوليو، ويخلصها من مراكز القوى التي تسلطت على الثورة، وأشاعت حكم الإرهاب وصادرت حريات المواطنين، وانتهكت سيادة القانون، ولكي يحقق المبدأ السادس الذي لم تحققه الثورة، وهو إقامة حياة ديمقراطية سليمة، فإذا به يصدر قوانين وصفها أحمد بهاء الدين بأنها مكارثية صريحة.. ويتفنن في البحث عن غطاء قانوني لمصادرة الحريات بدعوى حماية الوحدة الوطنية وحماية القيم من العيب.. وما أشبه، وهي القوانين التي سمتها أحزاب المعارضة بـ «القوانين السيئة السمعة» وقالت إن «السادات» باتباع سياسة الانفتاح الاقتصادي يسير على خط عبدالناصر الاشتراكي بأستيكة «أي ممحاة» وظلت تجاهد لإلغاء هذه القوانين طوال سنوات من عهد مبارك، على الرغم من أنها لم تطبق في عهده، إلى أن ألغيت بالفعل، وكان آخرها هو قانون العيب الذي ألغي مع إلغاء المدعي العام الاشتراكي في التعديلات الدستورية لعام 2007. أما وقد ارتفعت أصوات ثوار يناير لتطالب بإعادة تفعيل قانون الغدر، وهو الأول في سلسلة القوانين الاستثنائية، فلا معنى لذلك إلا أنهم قرروا أن يسيروا على خط مبارك بأستيكة» أو مكارثية» السادات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها