النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

يا أسيادنا الذين في التحرير: لا تفتحوا أبواب المحا

رابط مختصر
العدد 8145 الجمعة 29 يوليو 2011 الموافق 28 شعبان 1432

لاتزال فكرة إحياء قانون الغدر، تعابث بعض الرؤوس، ويطالب بها بعض الثوار، بل وتحمس لها بعض رجال القضاء والقانون، ويبدو أنها دخلت مرحلة التفكير الجدي، على النحو الذي دفع وزير العدل، المستشار «محمد عبدالعزيز الجندي» إلى التصريح بأنه سوف يشكل لجنة لدراسة القانون، على نحو يوحي أن في نيته تطبيقه. ولست في حاجة إلى تكرار الأسباب التي استند إليها في معارضتي هذه الدعوة، وخلاصتها، كما ذكرت في مقال الأسبوع الماضى، أن محاكم الغدر هي محاكم عسكرية، لأنها تتشكل من ثلاثة قضاة، وأربعة ضباط يعينهم القائد العام للقوات المسلحة، وفضلا عن أن قانونها لا ينص على عقوبة الحبس، بل العزل من الوظيفة والحرمان من ممارسة الحقوق السياسية، وتولي وظائف الشركات، ورد الأموال التي استولوا عليها بغير وجه حق، فإن الأفعال التي يؤثمها القانون، كالرشوة، منصوص عليها في قانون العقوبات وبعضها، كالوساطة والمحسوبية، يصعب اثباتها، ثم إن جريمة الإفساد السياسي التي يستند إليها المطالبون بتطبيق هذا القانون، ليست واردة فيه، ولا يمكن أن ترد في أي قانون، حتى لو كان قانون «سكاسونيا»، إذ كيف نثبت أن زيدا أو عبيدا مسؤول عن انتشار مرض السرطان، أو زيادة عدد المرضى فيروس C، أو تصدير الغاز لإسرائيل، وهي جرائم شائعة ولا يمكن أن يصدر حكم بالإدانة فيها إلاّ بنسب واقعة محددة لشخص محدد وإثبات أنه الذي ارتكبها. وقراءة عابرة لمحاضر تحقيقات ومضابط محاكمات «محكة الغدر» و»محكمة الثورة» تكشف عن أن المتهمين الذين قدموا إليها بتهمة الإفساد السياسي، لم ىتهموا بأنهم مسؤولون عما كانت تعانيه آنذاك من فقر وجهل ومرض، أو لأنهم وقّعوا معاهدة 1936، بل بوقائع محددة، وبوثائق تثبت ارتكابهم لها، كاستغلال النفوذ أو الاستيلاء على المال العام لأنفسهم أو لغيرهم، أو إهداره، أو التربح من وظائفهم، فقد قدم «كريم ثابت» المستشار الصحفى للملك فاروق، إلى محكمة الغدر بتهمة استيلائه دون وجه حق على مبلغ خمسة آلاف جنيه من أموال مستشفى المواساة بدعوى أنه قام بمجهود، بصفته رئيسا لتحرير صحيفة «المقطم» لدعوة الأثرياء للتبرع للمستشفى، وقدم إليها «عثمان محرم»، وزير الاشغال في آخر حكومات «الوفد» قبل الثورة، بتهمة شق طريق لم تكن له ضرورة، لمجرد أنه يمر أمام عزبة له، وأعلن محرم أثناء المحاكمة أنه على استعداد لرد ما أنفقه من ميزانية الحكومة على المشروع، بشرط أن يكون له حق استغلاله، مؤكدا أنه سيعود بالنفع على أهالى المنطقة.. وحوكم «حسين فهمي», مدير بلدية الإسكندرية بتهمة إهدار المال العام على مد طريق الكورنيش إلى الكيلو 17، حيث توجد منطقة لا قيمة لها هي منطقة المعمورة، وشاءت الصدف أن تكون هذه المنطقة فيما بعد هي المصيف المختار لأقطاب نظام يوليو. وتوقفت محاكم الغدر عن النشاط بعد عدة أشهر، وبعد أن تبين لمجلس قيادة الثورة، أن قانونها لا ينطوي على عقوبات رادعة، وأن إجراءاتها بطيئة، وأنها حريصة على أن تتبع التقاليد القضائية، فأصدر قانون انشاء «محكمة الثورة» لكي تحل محلها، وتتحرر من الالتزام بالإجراءات التقليدية، ويطلق لها الحرية في إصدار ما تشاؤه من عقوبات طبقا لتقديرها، لكنه ظل حريصا على أن يربط تهمة الإفساد السياسى بوقائع فساد حقيقية ينطبق عليها القانون تصدر عن شخصيات سياسية، أثناء قيامها بدور عام، وتوليها كسلطة عامة، وهكذا شملت الاتهامات التي وجهت إلى «محمود سليمان غنام باشا»، السكرتير العام المساعد لحزب الوفد، بالإفساد السياسي وقائع من نوع أنه سهّل لعدد من أقارب الوزراء والمسؤولين في الحكومة التي كان يشغل فيها منصب وزير التجارة والصناعة، الاستيلاء على أراض مملوكة للدولة، بأجر مخفض أو بإجراءات باطلة.. وشملت اتهامات الإفساد السياسي التي وجهت إلى «فؤاد سراج الدين» وزير الداخلية في آخر حكومات «الوفد» قبل ثورة يوليو 1952 ورئيس حزب الوفد الجديد في عهد السادات ومبارك، أنه يسر للمضاربين في بورصة الأقطان التلاعب في الأسعار لتحقيق أرباح غير مشروعة. ومعنى الكلام أن تهمة الإفساد السياسي، حتى في ظل قانون الغدر وقانون محكمة الثورة، لم تكن مجرد تعبير أدبي بلا مدلول قانوني، ولكنها كانت تستند إلى وقائع محددة، نسبت لأشخاص محددين، المعنى الذي يغيب عن الذين يطالبون بمحاكمة أعضاء وأقطاب الحزب الوطني، بتهمة إفساد الحياة السياسية، من دون أن ينسبوا واقعة محددة لشخص محدد بأدلة واضحة تثبت عليه التهمة. أما الذي يدعوني إلى الإصرار على معارضة هذا الاتجاه، فهو أن مثل هذا النوع من القوانين يمثل أولا مخالفة صريحة لكل الدساتير التي تنص عادة على عدم جواز تطبيق القوانين إلاّ على الأفعال التي تقع بعد صدورها، ولا تجيز معاقبة متهم على جريمة لم تكن مؤثمة وقت ارتكابه لها، وتلك قاعدة ينبغي أن تلتزم بها ثورة قامت لتهدم الاستبداد وترسخ حكم القانون وتصون حقوق الإنسان. ثم إن التجربة أثبتت ثانيا أن القوانين الاستثنائية والمحاكم الاستثنائية، تصدر لكي تطبق على أعداء الثورة، ثم تطبق على الثوار أنفسهم، ووقائع التاريخ تثبت ذلك، فمحكمة الثورة التي أنشئت أساسا لكي تحاكم أقطاب النظام الذي أبادته ثورة 23 يوليو، حكمت بالسجن بمدد متفاوتة من أقطاب أحزاب ما قبل الثورة، وبعد أقل من عام أو عامين افرج عن هؤلاء وغادروا السجن، أما الذين ظلوا في السجن وأمضوا العقوبة كاملة، أو نفذت فيهم عقوبة الاعدام، فهم الإخوان المسلمون الذين حاكمتهم «محكمة الشعب»، وهم الشيوعيون الذين فكرت حكومة الثورة في تقديمهم إلى «محكمة الثورة» ثم استبدلتها بمحاكم عسكرية، ومحاكم أمن دولة تضم عناصر عسكرية، مع أن هؤلاء وأولئك لم يكونوا من أعداء الثورة، وكان لهم دورهم في التمهيد لها وكل جريمتهم أنهم اختلفوا معها، أو عارضوا سعيها للانفراد بالحكم.. أو طالبوا بتوسيع نطاق الديمقراطية. ويا أسيادنا الذين في ميدان التحرير: لا تفتحوا أبواب المحاكم الاستثنائية.. يدخل منها أعداء الثورة اليوم وتدخلون منها غدا. ورحم الله «حسن الهضيبي»، المرشد العام الثاني لجماعة الإخوان المسلمين، الذي جاءه فريق منهم، سعداء لأن قانونا بحل الأحزاب السياسية قد صدر واستثنى منه الإخوان فقال لهم: لا تفرحوا بقانون إذا طال اليوم خصومكم.. فسوف يطولكم غدا. وذلك ما كان.. وما سيكون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها