النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12235 الجمعة 7 أكتوبر 2022 الموافق 11 ربيع الأول 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:14AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:47PM
  • المغرب
    5:18PM
  • العشاء
    6:48PM

كتاب الايام

رحيل الصديق سمو الشيخ أحمد بن محمد بن سلمان آل خليفة..

الطيور الحرة لا تكفيها أفضية مسرح الحياة كلها..

رابط مختصر
العدد 12169 الثلاثاء 2 أغسطس 2022 الموافق 4 محرم 1444

عندما أخبرني أخي فؤاد راشد الرويعي نجل ابنة خالي بهية بنت راشد الحمدان رحمة الله عليها وغفرانه، أحد أقران الطفولة والصبا والشباب، عن نبأ وفاة الصديق الجميل الحبيب سمو الشيخ أحمد بن محمد بن سلمان آل خليفة، حيث كنت حينها مشاركا في مهرجان الفجيرة الدولي للفنون، عندما أخبرني، انساب وتدفق في ذاكرتي في لحظات مكثفة شريط مسلسل الطفولة والصبا الذي نسج حلقات متصلة متواصلة وشائقة يتعذر على الذاكرة نفسها نسيانها حتى هذه اللحظة التي بلغتُ فيها من العمر ما يقترب من يفاعة النضج والحلم.

وكانت أولى حلقات معرفتي بالصديق سمو الشيخ أحمد في قصر والده المغفور له بإذن الله صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل خليفة والذي كان يشغل حينها في منتصف الستينيات منصب رئيس الشرطة والامن العام وذلك من خلال والدتي شيخة بنت علي بن راشد الحمدان رحمة الله عليها وغفرانه همزة الوصل الأولى بيني وبينه والتي كانت على صلة حميمة بوالدته رحمة الله عليها الشيخة نورة بنت حمد بن عبدالله آل خليفة، وكان عمري حينها لا يتجاوز الثماني سنوات، وهو نفس عمر الصديق الراحل الشيخ أحمد. 

وأذكر أن هذا القصر كان عبارة عن مجموعة من الغرف يتوسطها حوش واسع بسعة ملعب كرة القدم، وفي الجانب الغربي منه الذي يفصله جدار عن موقع المعيش، يوجد مجلس وديوان سمو الشيخ محمد ومرافقه الخاصة به والذي يتقدّمه شرقًا ساحة غير مبلطة متوسطة الحجم أعدت لسيارات العائلة الكريمة وبعض سيارات الأمن وتستخدم أحيانًا لإحياء بعض المناسبات، وبمحاذاة هذا الديوان يوجد مسجد لأداء فروض الوالد وعائلته ومن يعمل لديهم، وكان إمام المسجد الملا حسن هو المكلف بتدريس أنجال سمو الشيخ محمد، أحمد وهو أكبرهم، وحمد وخالد والراحلين خليفة وسلمان رحمهما الله، وتحفيظهم سور وآيات القرآن وتعاليمه، وكان ذلك في غرفة تستخدم أيضا لتدريس الأبناء بعض الدروس الخصوصية، وكان والدهم رحمة الله عليه شخصية مهيبة قليلة الكلام ملتزمة أشد الالتزام بزيها الرسمي الأميري الذي ورثته عن آبائها وأجدادها من آل خليفة الحكام، وغالبًا ما تكون خيزرانه الرفيعة المعقوفة الرأس رفيقة يده الأثيرة، وأذكر أنه في المرة الأولى التي رآني فيها مع نجله الشيخ أحمد رفع هذه العصا إلى أسفل حنكي ثم أومأ بها إلى الأعلى قليلا وهو يبتسم في الوقت الذي كنت فيه أرتجف وأرتعد من الخوف ليبادرني بتحيته اللطيفة (كيف حالك؟) ليخف معها هذا التوتر الذي وصل مداه لحظة أن صمت قليلاً قبل أن يبادرني بهذه التحية، وكانت إجابتي الخجولة حينها موجهة من خلال عينيّ المضطربتين بين العصا وعينيه الحادتين: (بخير).

 يرخي الشيخ العصا حتى أسفل قدمه اليمنى لتبدأ بعدها أولى حلقات الطفولة مع نجله الشيخ أحمد، وكان حوش القصر ساحة اللعب الأولى التي ضمتني به وبأخوته وبمن يعتني بهم من أمثال زايد بن جوهر وعيسى اللحدان ورجب عيد، وكانت البطولة لكرة القدم طبعا التي كنا نحذر اختطافها عندما تقترب من قدمي الشيخ أحمد، وأذكر أن ذلك حدث في عصر يوم رمضاني حيث انتهت هذه المباراة مع التوشيحة الرمضانية الشهيرة إبان الستينيات (رمضان.. رمضان.. رمضان شهر الصوم..)، لينتهي معها اليوم الأول لمعرفتي بالشيخ أحمد وأخوته ومن يعتني بهم والذين كانت والدتي رحمة الله عليها وعائلتي على صلة حميمة بعائلاتهم، ليأخذنا بعده سائق عائلة سمو الشيخ محمد، سلطان بن ماجد بسيارته الصالون ذات اللون الكْريمي (البونتياك) إلى بيتنا بالرفاع الشرقي قبل أن يعلن مدفع القلعة بدقائق موعد الإفطار. 

في اليوم الثاني وبعد عودتي من مدرسة الرفاع الشرقي الابتدائية للبنات، أفاجأ بأخواتي وهن ينادينني: يوسف.. يوسف.. الشيخ محمد بن سلمان ينتظرك بالخارج..

لم يمهلني الوقت لتناول وجبتي ولا تغيير ملابسي المدرسية، فقد توجهت إليه مسرعا بالخارج، فإذا هو بانتظاري في السيارة البونتياك التي يقودها سلطان بن ماجد، طلب مني أن أركب السيارة وأكون بجواره، شعرت لحظتها بأنني أصبحت أحد أصدقاء الشيخ أحمد المقربين ولا أحتاج بعد هذا اليوم إلى والدتي كي تأخذني معها إليه، فها هو عرف بيتنا ودل طريقه إليه، وعندما وصلنا القصر كانت وجبة طيور السمان بانتظارنا، وهي المرة الأولى التي أتناول لحم هذا الطير في وجبة غداء مختلفة عما ألفه ذوقي من وجبات في بيت العائلة. 

وما إن انتهينا من هذه الوجبة اللذيذة الخفيفة، حتى حمل الشيخ أحمد بندقية الصيد (أم صجمه) ودعاني معه لاصطياد الطيور والعصافير المتوفرة في حديقة قصر العائلة الخارجية وفي سفح الوادي المجاور لهذا القصر باتجاه منطقة سافرة، ولا أخفي عليكم، فقد كنت لحظتها محاطا بالخوف، فللمرة الأولى التي اصطحب فيها أحدا يحمل بندقية، علمًا بأنني رأيت مثل هذه البندقية أو أكبر منها في مجلس أو غرفة جدي علي بن راشد الحمدان ولكني لم أتمكن حتى من الاقتراب منها، إلى جانب ذلك فإننا لم نزل بعد أطفالاً وينتابني شعور بأن هذه البندقية أطول منا وأكبر منا سنا، فكيف يمكن للشيخ أحمد حملها وتصويب فوهتها نحو هذه الطيور الصغيرة المسكينة؟ ولكن الشيخ أحمد كان من الجرأة في التصويب بما يبدو أمام ناظري بأنه صياد ماهر ومدرب جيدًا على حمل البندقية وتصويبها نحو أهدافه من الطيور، ولم ينته اليوم حتى يدفع ببندقيته نحو يدي لأتلقفها بخوف، آمرًا إياي بأن أطلق الرصاص نحو طير أو علبة معدنية أو زجاجة، ولكني أثبت فشلي في كل طلقة، الأمر الذي يدعوه للضحك طويلا على خيبتي، ليعود ثانية ليحشوها بالرصاص الصغير أو (البارود) ويمارس هوايته في التسلي بالطيور التي ستصبح وجبة أخرى ربما قبل أن يحين موعد الإفطار، خاصة وإن صيامنا حينها في سن طفولتنا مضطرب الالتزام به. 

تجري أيام الطفولة سريعة مع الصديق الشيخ أحمد، لأجد نفسي فجأة أمام بندقية صيد توفرت عليها إهداءً منه، ولينتابني قلق وجودها في بيتنا وشعوري فجأة بأنني كبرت وأصبح حالي حال رجال الشرطة في البلد، وبما أن الأمن يحظر استخدام السلاح ويعاقب عليه، لجأت إلى التسلي بها في منزلنا عبر اختبار قدرتي على التصويب على العلب والقناني الزجاجية، وكنت أتوفر على رصاص هذه البندقية الصغير (الصجم) من الصديق الشيخ أحمد وأحيانا من متجر المرحوم خليفة النشمي بالرفاع الشرقي، ويتفاقم هذا الخوف وهذا القلق حين أهداني شقيقه سمو الشيخ حمد بندقية أخرى من نوع (شوزن) والتي ظلت مخبأة في بيتنا ولم أقم باستخدامها إطلاقا، خاصة عندما أخبرتني والدتي رحمة الله عليها بأن شقيقي الأكبر محمد رحمة الله عليه قد راح ضحية مثل هذه البندقية في طفولته وأمام عينيها. 

وفي أحد الأيام أفاجأ بالصديق الشيخ أحمد وهو في سيارة (لاند روفر) جيب لون أزرق قامق يقودها السائق سلطان بن ماجد نفسه، ينتظرني ظهرا كالعادة قرب بيتنا، لينتابني شعور آخر بأنني لا أختلف كثيرًا عن رجال الأمن، فهذا النوع من السيارات هو نفسه الذي يستخدمه رجال الشرطة في البحرين، ولم يتبدد قلقي إلا حين توجهت بنا هذه السيارة نحو متجر حسن الكعبي رحمة الله عليه في سوق الرفاع الغربي القديم بدلاً من توجهها إلى منطقة قنص أخرى، حيث اشترى الشيخ أحمد الآيسكريم والحلويات والمشروبات الغازية التي ظللنا نتناولها بمتعة حتى استقر بنا المقام في قصر العائلة. 

هناك في القصر أرى للمرة الأولى دراجة حمراء ثلاثية العجلات كانت بانتظار الشيخ أحمد، وكانت سياقتها ممتعة حقا، ولم أشعر بذلك إلا حينما سمح لي الشيخ باستخدامها في فناء القصر وبجواره، الأمر الذي أشعرني حقًا بأنني أشبه بأخ له، حيث يشاركني كل ما يألفه ويهواه ويتناوله، لأجد أن هذه الخصلة الفريدة فيه تشعر كل من حوله من الأصدقاء، ومن بينهم رجب عيد الذي يستقر بيت عائلته بالجوار من القصر والذي كان والده ووالدته قد أسهمًا كثيرًا في تربية أبناء الراحل سمو الشيخ محمد بن سلمان آل خليفة وزايد بن جوهر وعيسى اللحدان. 

وبالجوار من القصر تأخذني والصديق الشيخ أحمد أقدامنا نحو الاسطبل المجاور للبرج المستطيل المطلي بالأبيض والأسود (البِرِي) الذي كان يتعرش ناصية المنحدر المؤدي إلى منطقتي سافرة والعوالي والذي كان يستريح على عتباته الخارجية والده رحمه الله، حيث الخيول العربية الأصيلة بمختلف ألوانها وأنواعها والتي تجد متسعًا مريحًا لها للانطلاق في مضمار (سويفرة) القريب من القصر كل جمعة، هناك تكتشف مدى وداعة الشيخ أحمد وهو يداعب بيديه عنق الخيل وفرائها وفمها وكما لو أنها صديقة حميمة له، مستغنيًا في هذه اللحظات عن البندقية التي تلازمه في أغلب أوقاته. 

هو الشيخ الصديق الذي لم يتعالَ على أحد، ولم يستغل لقبه ومكانة عائلته الكريمة للتصغير أو التقليل من حجم أو شأن الآخرين، بل ظل ذلك الإنسان النبيل حتى آخر لحظة من حياته، بل أنه جعلني بالرغم من انقطاع علاقتنا عن بعضنا البعض لفترة ليست بقليلة اثناء الدراسة الأكاديمية والعمل بعد التخرج وانشغالي باهتمامي المسرحي والثقافي، جعلني ذلك الأخ الحميم، إذ كلما التقاني قابلني بالود نفسه وطلب مني ألا أنقطع عن التواصل معه، مكررًا هذه الكلمة التي كلما رآني أطلقها: فاهم يا باش مهندس؟ 

وهل يمكن أن أنقطع عن الصديق الذي لا يمكن أن يُنسى ولن يُنسى، فهو الذي جمعتني معه الطفولة والصبا في مخيمات (أم جدر) ربيعًا لأيام نقضي فيها فسحة من الوقت المريح ومن التجوال الحر، ولأوقات أخرى بين (المنطلة) و (العمر) يتأمل فيها الصديق الشيخ الطبيعة والطيور، هذه الطيور التي كبرت معه ولازمها حد العشق حتى آخر لحظة من حياته، فبعد أن كان يصطادها صغيرة، أصبح يصطاد بها وهي كبيرة، ولا شيء أقرب إلى قلبه ومزاجه من الصقور التي غالبا ما تكون رفيقة دربه وعشقه في رحلات (القنص) والتي يملك من أجودها أكثر من تسعة وسبعين طيرًا حرًا، حار أقرباؤه بعد وفاته في أمرها ولم يحددوا مصيرها بعد وفاته. 

هو الطير العاشق للطيور والطيران، فما إن أنهى دراسته الثانوية حتى كان الطيران بانتظاره على أحر من الجمر، وكما لو أن الشيخ الصديق آثر أن يكون الطير الصقر نفسه بدلا من أن يكون صديقا له، ولعل هذا الصقر مغواه الأول والأخير، فما إن كان الصقر شعارًا ملازمًا لشركة طيران الخليج، حتى غير وجهته المقاتلة باتجاهه ليتماهى معه في روحه وقوته وانطلاقته في فضاء أكثر اتساعا وحرية. معه عشنا أجمل وأعذب (المصائف) في جزيرة أم الصبان أو كما يطلق عليها (المحمدية)، حيث البحر والخضرة والماء العذب والمرفأ الجميل الذي تستنشق رئتاك من بين ضفتيه أو جانبيه رائحة الملح التي تغوي الأسماك الصغيرة وتدفعها برغبة لا تقاوم نحو طعم الشص فنحظى جميعًا بفرح صيدها، معه نقضي ما يقارب الأيام الثمانية صيفا ومعه نكتشف طبيعة مختلفة عن تلك التي عهدناها أو رأيناها في أمكنة أخرى، ومعه نحن الأخوة والأصدقاء، تتقافز سواعدنا من بحر الجزيرة إلى حمام سباحة قرية الزلاق، لتستريح أجسادنا بعد هذا التقافز في أروع وأفخم سيارة حلمنا بركوبها، وهي الرولزرايس الخمسينية السوداء التي كان الشيخ أحمد يمتعنا بالنظر إليها من الخارج والجلوس على مقاعدها فقط وهي واقفة في المرآب. 

هو الإنسان النبيل بما تعني الكلمة من معنى، وهو الذي لم يبخل قط علينا بما أوتي من نعم الأخلاق والشهامة والسمو، وهو الصديق الذي تزدحم الأحداث والمحطات والحلقات في رأسي حين أتذكره، إنها أحداث مكثفة تحتاج إلى فضاء مسرحي واسع وكبير بحجم نبل هذا الشيخ الصديق الحميم كي يمكننا أن نتجسدها ونعيشها، فلروحه الرحمة والسكينة والطمأنينة والسلام..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها