النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

غرفة الزواج.. أول سينوغرافيا شعبية أشهدها في حياتي

رابط مختصر
العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443

كانت بيوت الجيران الشعبية القديمة، حسبما فطنت لها طفولتي في منتصف ستينيات القرن الماضي الأول، وكان عمري لم يتجاوز التاسعة بعد، مفتوحة على بعضها، وكما لو أنها بيت واحد تسكنه أكثر من أسرة متجاورة في نفس الحي، وكان بيت (بن عريك) المنفتح على ثلاثة بيوت يسكنها الأشقاء محمد وعلي وعبدالرحمن، من أقرب البيوت إلى بيتنا، وهؤلاء الأشقاء نبت جميل ومشوق للفن الشعبي في حينا، فإذا كان محمد بن عريك شقيقهم الأصغر خصص بيته للموالد النبوية لكل أهل الحي، وشقيقهم الأكبر في نفس البيت والأقصر رحمه الله علي كرس نفسه لإعداد مسارح الأفراح، فإن عبدالرحمن شقيقهم الأوسط رحمة الله عليه، قد خصص بيته الذي يسكن فيه وحده آنذاك، للفن الشعبي، فهو راضع للفن الشعبي على أصوله، بل لعله واحد من أهم الفنانين الشعبيين في الرفاع الشرقي آنذاك، وغالبا ما يصل صدى صوته أحيانا وهو يغني برفقة طارته (الدف) إلى خارج منزله وهو يردد بعض أغاني الزواج المعروفة، مثل الدّزة والعاشوري والخماري والسامري، وغالبا ما يكون بيته مفتوحا لأهل الفن الذين يقيم معهم بروفات لبعض الأعراس في غرفته الدافئة المعطرة بمختلف أنواع العطور الشعبية المعروفة، مثل البخور والعود والمسك والياوي، وهي بلا شك طقس لازم لمثل هذه المهمات الفنية.

ولو وصفت هيئة هذا الفنان الحلو المشية والمعشر، لوجدناها لا تتجاوز حدود لباسه إزارا مخططا أو (مبكّرا) أو (مقلّما) و(فانيلة) بيضاء وهي (تي شيرت) متواضع يُرتدى غالبا تحت الثوب ويطلق عليه أحيانا (زنجفرة)، وغترة بيضاء (مهدولة) منسدلة على رأسه وكتفيه، وغالبا ما يكون متحررا تماما من الثوب، ولا يرتديه إلا في مناسبات الفرح وطقوس الزار.

وكان عبدالرحمن من الفنانين الشعبيين الذين وهبهم الله ملكة تأليف بعض الكلمات البسيطة التي يفصّلها أحيانا على مقاسات بعض أنواع الأغاني الشعبية التي ذكرت، وإذا واتته الفرصة أحيانا، يأتي إلى بيتنا ويسمعنا إياها قبل الغداء، فهو دائم التردد علينا في بيتنا، وغالبا ما يشاركنا الغداء على سفرة واحدة، وكنا نسعد أنا وأخواتي ووالدتي وجدتي قوت بنت علي بن سالم البنزايد الدوسري ووالدتها الكبيرة، جدتنا الكبرى نوره بنت عبدالله المسيفر، خاصة وأنه متعاون بطبعه وإنساني إلى درجة فريدة ونادرة، ولم ولن أنسى يوما تعليقه علي وتقليده لي بشكل هزلي وأنا أبكي لحظة علاجه لقدمي اليمنى التي تعرضت لخدش زجاجة مكسورة خارج المنزل، علاجها بالمشموم المعصور، والمشموم هو نوع من أنواع النباتات المنزلية الخضراء الزكية الرائحة الحارق رحيقها المعصور منها بوصفها مطهر ومبري للجروح إلى جانب كونه أحد أهم القلائد الشعبية التي ترتدى في مناسبات الفرح، كان يقلدني وأخواتي والوالدة من حولي يضحكون عليه وعلي في الوقت نفسه. 

هذا الفنان لديه موهبة أخرى يمارسها في بيته، وهي الرسم، وخاصة الرسومات الزخرفية المنقوشة على المساند والبسط الشعبية والمرايا المستطيلة والمربعة المطرزة غالبا بطيور النعام والطاووس، وكان يتقن رسمها أيما إتقان، وهي الموهبة الأخرى التي جعلت منه أفضل مصمم في الرفاع الشرقي لغرف الزواج «الفرشة»، فهو إذ يرسم فإنه في الوقت نفسه يهندس محيط وشكل الفرشة بشكل عام، وكيف تكون من أجمل الفرشات التي من شأنها أن تدهش أهل العروس الذي يقام العرس آنذاك في بيتهم كما اعتاد أهالي البحرين حتى سبعينيات القرن الماضي على ذلك، وتلبي رضاهم عنها، والتي من شأنها أيضا أن تغري أم العروس أولا والعروس وزوجها ثانيا.

هذا الفنان الشعبي الأصيل والذي لم يتزوج بعد، يصمم «فرشة» الزواج، وكما لو أنه خبير بشأن الزواج ومتطلباته، وهو إنسان يتمتع بصبر لا حدود له، وإذا انهمك في عمله فإنك لا تسمع منه سوى حواره مع عناصر الفرح التي أعدها لليلة الزفاف.

ذات يوم دعاني وصديق الطفولة سعود ابن شقيقه الثاني في تصنيف العائلة عبدالعزيز الذي سرقه العمل في بابكو عن مثل هذه الفنون وظل متابعا له مع والدي بعد عودته لبيته عصرا من العمل والاسترخاء قليلا في البيت، من خلال (الدار العودة) وهي دار إسماعيل بن زايد التي يحيي فيها الطرب مساء باستضافته لأهم الفنانين الشعبيين في البحرين، وخاصة فن الصوت والبسته، ومن أهمهم فرحان بشير وعلي خالد ومحمد زويد ويوسف فوني ومبارك مفتاح وغيرهم، دعانا لمعاونته في إعداد فرشة زفاف شقيقته الصغرى والوحيدة أمينه، هذه المرأة السيدة الجميلة ذات الحضور البهي والآسر، حلوة المرأى والمعشر، كيف لا أشارك أو أتعاون مع شقيقها عبدالرحمن وهي التي توليني محبة ومعزة كبيريتين، خاصة وأني الولد الأوحد من بين ست بنات شقيقات، وكانت دائما عندما تراني تقول لي مازحة: متى تكبر وتعمل وتهديني أول راتب تتقاضاه من عملك ؟ وفعلا لم أنقض هذا العهد، فسلمتها أول راتب تقاضيته بعد أن عملت تحت دهشتها ودهشة والدتي، الأمر الذي دعاها لأن تسألني باستغراب: ألم تنسَ يا يوسف؟، وكيف أنسى من غمرني بحبه وحب أهله كلهم لي؟!

في اليوم الثاني طلب منا عبدالرحمن بن عريك أنا وسعود حمل المرايا والمساند ومعدات الفرشة ونقلها إلى غرفة الزواج، وطبعا هذه المرة الأولى التي أرى فيها فرشة الزواج وكيف تُعد وتزين، وكان عبدالرحمن يسألنا من باب الاطمئنان: ألم تتعبوا؟ فنجيبه: لا لم نتعب.. هل تريد شيئا آخر ننقله إلى الغرفة؟ يبتسم بود وهو يتأمل عدة الفرشة: لا.. ما قصرتوا.. العمل يبدأ الآن هنا في الغرفة.. سيكون عملكم معي بسيطا.

يتأمل عبدالرحمن السرير البني الكبير والمرتفع الموجود في الغرفة، ويتساءل بينه وبين نفسه: هل يا ترى موقعه هنا مناسب، أم نحركه قليلا إلى يمين الغرفة حتى لا يكون مواجها مباشرة لبابها؟ أعتقد يجب أن نحركه.. هل تستطيعون مساعدتي؟ السرير ثقيل.

ثم يحسم الأمر بقوله: سأتحمل أنا العبء الأكبر في الدفع، وأنتم ادفعوا معي قليلا وكما لو أنكم واحد بحجمي أنا. 

يأخذنا الحماس، فندفع معه بأقصى طاقتنا الطفلية هذا السرير، حتى يكون شيئا فشيئا في موقعه المطلوب. 

بعدها يكافئنا عبدالرحمن بقوله: بارك الله فيكم.. ما دمتم استطعتم التعاون معي في دفع هذا السرير، سيكون كل شيء بعده سهلا لديكم. 

عبدالرحمن: ناولوني هذه الستائر.. 

نعطيه الستائر وعيوننا تترقب ما الذي سيعمل بها.. 

يضع عبدالرحمن الستائر الملونة الزاهية التي يغلب عليها اللون الأخضر والأحمر الموشى بالزري، ويضعها بعناية ودقة كبيرتين في أعلى السرير حتى يصبح السرير أشبه بغرفة أو فرشة أخرى داخل غرفة الزواج، ثم نناوله قماشا أحمر اللون يغطي به السرير، ويجتهد في تعديله إلى درجة يبدو فيها هذا الغطاء القماشي الناعم وكما لو أنه الفراش المعد للنوم، إذ لا يمكنك أن تلحظ فيه أية ثنية أو زيادة من هنا أو نقصان من هناك.

بعدها يطلب منا المخدة، وهي مخدة طويلة ناعمة تسع مقدمة السرير كلها طولا وعرضا، ويضعها بعناية شديدة تحت غطاء السرير، ويكمل عبدالرحمن مهمة السرير «مخدع الزوجية» بسحبه بنفسه درج خشبي صغير لا يتجاوز الثلاث عتبات، ويلصقه بوسط السرير، حتى يبدو شكل السرير أشبه بمسرح زواج آخر للزوجين، بعدها يجرب بنفسه الصعود على الدرج أكثر من مرة، كي يتأكد أن سمك عتباته قوية ولا يوجد بها خلل أو خدش من هنا أو هناك، بعدها يسدل قماشا أحمر عليه كي يكمل تناسق الألوان وخاصة لون غطاء السرير، ويثبته جيدا كي لا يعيق العريسين في أثناء الصعود إلى السرير أو النزول منه.

ثم يلتفت علينا مبتسما وهو يقول: هل أسرتكم في البيت مثل هذا السرير؟ فنجيبه: لا، ثم يربت علينا بيده الحانية وهو يقول متمنيا: ستنامون على مثل هذا السرير يوما ما أو أحسن منه، وإذا أعطاني الله عمرا سأكون أنا من سيعد لكم هذا السرير وهذه الفرشة. 

بعدها يبدأ العمل في تسييج جدار الغرفة كاملة بقماش من اللون الأحمر، حتى تصبح أجمل من الطلاء نفسه، ثم فرش السجاد الملون في وسط الغرفة وجعله متناسقا مع زواياها المربعة، ثم نبدأ معه توزيع المرايا المستطيلة والمربعة المطرزة بجميل النعام والطواويس التي كانت تستعار من بيوت الجيران ومن بينهم بيتنا على جدار الغرفة، حتى تبدو وكما لو أننا نساهم في العمل معا في تصميم بيت افتراضي جديد لم نكن يوما نتخيله أن يكون بهذا الشكل.

بعدها يطلب منا أن نناوله كيس «الرمانات»، وهي كرات صغيرة ملونة أشبه بالرمانة نفسها، فيوزعها بعناية شديدة في أنحاء الغرفة، لتبدو هذه الغرفة بعد هذه الإضافات البسيطة أكثر جمالا وأزهى شكلا. 

وبعد أن أنهى هذه المهمة، قال: ألا تشتهوا التلذذ بمثل هذه الرمانات؟ نضحك فيجيب: الزواج لذيذ مثل هذه الرمانات، ويكمل: الله يبلغنا فيكم. 

بعدها بدأنا في ترتيب المساند وفرشها «المطارح» في مثلث الغرفة، وكانت بمستوى يعادل في جماله وزهوه المرايا المطرزة والرمانات الموزعة في أنحاء الغرفة.

بعد ذلك طلب منا مساعدته في وضع صندوق خشبي ساجي كبير نسبيا مطرز غطائه وصدره بنجوم ذهبية نحاسية، ويطلق عليه «الصندوق المبيت»، وبعد أن اختار له موقعا مجاورا للسرير من الخلف، أو مجاورا لقدم السرير، قال لنا: في هذا الصندوق توضع ثياب العريسين وأغراضهم الخاصة بهم لمدة أسبوعين، فهو دولابهم المؤقت، أما الدولاب الدائم الكبير فيوضع في البيت الذي تسكن فيه طول عمرك، هل عرفتم إذن لماذا يختارون هذا الصندوق في الفرشة؟ وكالعادة أجبنا بالإيجاب، بعدها أخذ سلة مصنوعة من القصب ووضعها على غطاء الصندوق، ليصبح الصندوق أشبه بتاج ملك مهيب. 

يا لدقة هذا الفنان وجمال هندسته ورقتها، فأنا طوال الوقت في حالة من الدهشة والإعجاب، فما الذي سيعده بعد هذا الجمال؟ 

بعد ذلك يتناول سلة المشموم والريحان وينثرها بعناية شديدة على السرير، ويعالجها ببعض العطورات الزكية ذات الرائحة الطيبة والمثيرة، فيصبح لهذا المكان رائحة زكية وكما لو أنه يتنفس الآن كالإنسان تماما. 

بعدها انتهينا من مهمة الفرشة، بيت الزوجية المؤقت، وشعرت أن العمة أمينة ستكون من أسعد نساء العالم، فهي تعيش في بيت جميل رائع لم نتمكن بعد من العيش فيه، ورزقها الله بأجمل فنان وهبها أجمل ما لديه في هذه الليلة.

وأزعم أنني بتعاوني هذا مع العم عبدالرحمن في إعداد الفرشة، ساهمت في العمل في تصميم وتنفيذ أول سينوغرافيا شعبية في مسرح البيت، وتقاضيت أول أجر في حياتي نظير عملي فيها، وكان الأجر خمس روبيات أعتبره آنذاك راتبا يعادل العمر كله.

فعلا، هي أول سينوغرافيا أشاهدها في حياتي أعدت لممثل وممثلة سيشهد جمهور الزفاف عرضهما بعد ليلة، وما أكثر شغفي لرؤية هذا العرض داخل هذه الفرشة لولا خصوصيات مخدع الزوجية وسريته.

العم عبدالرحمن تزوج فيما بعد ولم يغادر فنه ابنته الفنانة التشكيلية التي تعمل الآن بمدارس مملكة البحرين وهي متذوقة للموسيقى وعاشقة لها أيضا...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها