النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12093 الأربعاء 18 مايو 2022 الموافق 17 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:22AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:44PM

كتاب الايام

الفنان عيد بن سلطان.. نسمة الرقص الشعبي الأصيل

رابط مختصر
العدد 11973 الثلاثاء 18 يناير 2022 الموافق 15 جمادى الآخر 1443

وكما لو أن طينتنا الأولى في الرفاع الشرقي تشكلت من الفن وروحه، فما إن تغادر فنًّا عشته في بيت أو مكان، حتى يداهمك أو يباغتك فن آخر في بيت آخر أو مكان آخر.

 وللفن في الرفاع قادة ورموز وعلامات وهامات ونجوم، ومن أشهر نجوم الرقص الشعبي في الرفاع، بل في البحرين كلها، الفنان الشعبي الراحل والزّفان الشهير عيد بن سلطان بن ماجد. 

هذا الفنان النجم تشرب كل الفنون الشعبية التي فطنها طفلا على يد قادتها ورموزها ومراجعها في الرفاع، الفنانة الراحلة مكية بنت زايد المعروفة بـ(أم زايد) صاحبة أول فرقة شعبية في الرفاع، والفنان الشعبي الأصيل والمعلم المرجع الراحل سعيد بن سلطان، والفنانة الشعبية الراحلة التي استقت روحها تجربة وخبرة هذا الفن من الفنانة الشعبية الكبيرة (أم زايد)، فاطمة أم راشد، حتى أتقنها وبرع في أدائها بوصفه فنانا محترفا فيها وليس هاو.

وقد وعت ذاكرتي في الطفولة هذا الفنان عيد بن سلطان وهو يتردد مع والدته رحمة الله عليها (انْهَيِّه) بين فينة وأخرى إلى بيتنا لزيارة الوالدة رحمة الله عليها والعائلة بحكم العلاقة الحميمة القديمة التي تربطهما بالوالدة والعائلة، وكان عيد بمثابة أخونا الأكبر الذي نستريح ونستلطف حضوره ووجوده بيننا، حيث كان سمحا بسيطا عفويا وتلقائيا في سلوكه ودائما ما كانت الابتسامة الرقيقة الخجولة ترتسم على محياه. 

ويعتبر هذا الفنان، الإبن الأول لسلطان بن ماجد من زوجته الأولى انهيه، والذي ظل مع والدته بالرفاع الشرقي بعد أن تزوج والده من امرأة أخرى استقر أمره معها في الرفاع الغربي، ليجد هذا الفنان عيد بن سلطان الذي لازمه اسم آخر منذ طفولته وهو (عيدان)، وهو اسم محبب ومقرب لدى من يعرفه، محاصرا حيث لا فكاك، ببيوت ودور الفن الشعبية التي تتجاور كلها في جنوب الرفاع على امتداد الشارع الشرقي الفرعي القادم من مبْنَياَ مدرستي الرفاع الشرقي الابتدائية للبنين والرفاع الشرقي الابتدائية الإعدادية للبنات غربا، وليصبح الطبل والطار والمرواس والغناء رفقاء روحه ووجدانه وإحساسه في البيت الصغير الفقير الذي كان يضمه مع والدته (انهيه) التي كانت تؤمّن له قوت عيشه من خلال بيعها الفول المجفف (السمبل) على الجيران والمارة والطلبة والطالبات بعد نهاية الدوام المدرسي.

هذا الفن لم يترك مجالاً للفنان الطفل عيد ليطيل البقاء في غرفة البيت يصغي إليه ويردد أصداءه القريبة والبعيدة، فقد آن له أن يغادر هذا البيت ليصبح في قلب بيوت ودور أهل الفن في الرفاع، وكانت الفنانة (أم زايد) أول من استقبل شغفه في بيتها الفني، وأول من تعرف على أوتار جسده الراقص الرهيف، وكان الفنان عيد سريع الاستجابة في تلقي أصول هذا الفن، ليجد نفسه أمام قامة فنية أخرى تعتبر بحرا من بحور الفن الشعبي في الرفاع الشرقي والبحرين، وهذه القامة تتجسد في شخصية الفنان الكبير الراحل سعيد بن سلطان الذي أسهم في صقل موهبة الفنان عيد وتدريبه على أصول فن العزف على الطار والطبل وفن (الزفان) وخاصة في فن (الصوت) واللعبوني، ليجد نفسه بعدها شابا يافعا محبوبا ومقربا من فرق أخرى في الرفاع ومن بينها فرقة فاطمة أم راشد، ومن بعدها الدار العودة والدار الصغيرة، وليكتشف أنه أصبح ابنا عزيزا غاليا لأصحاب ورواد كل هذه البيوت الفنية الشعبية، ولم يعد بيتهم الصغير الذي يضمه ووالدته مسيجا بجدرانه، فقد انفتح هذا البيت على كل هذه البيوت وكما لو أنه إحداها نظرا لوجود فنان آخر في هذا البيت جاور هذه البيوت الفنية.

ولكن أهم ما تميز به الفنان عيد بن سلطان من بين هذه الفنون، هو فن (الزفان)، الرقص بأصوله على فن الصوت خاصة، وهو ما لفت نظري واستوقفني في الطفولة الستينية وأنا أراه بجانب والدي في الدار العوده يملك حضرة الحفل بجسده الأسمر الصنوبري المرن الرشيق المتمايل بخفة وهدوء لا تسمع معه حتى همس قدميه على الأرض، ويبدو كذلك حتى في أعلى قفزاته ونزوله على أطراف أصابعه عليها، وكما لو أنه النسمة ذاتها، وما أجمل لحظات التجلي حين يصاحبه الفنان الأصيل ذاكرة الفن الشعبي في الرفاع اليوم سالم بن عبدالله بن سالم بطاره أو بطبله اللذين يحفزان باحترافيتهما العالية كل ممكنات الزفان القصوى، وخاصة عندما يزفن على فن (اللعبوني)، ولعل أكثر ما استوقفني أيضا في زفان الفنان عيد هو قدرته على القفز والتمايل بسرعة أثناء الرقص دون أن تختل أوتنحرف أو تسقط (غترته) المثلثة (التنسيفة) من على رأسه، وكما لو أنها جزء لا يتجزأ من جسده الموشى بثوب تبدو تثنياته أثناء الرقص (الزفان) وكما لو أنها إضافة أو (حلية) فنية أخرى من حلي هذا الرقص. 

في هذه الحضرة الفنية المدهشة تتحرك خطوات عيد وكتفيه ورأسه بدقة متناهية وفق الإيقاع المصاحب له، وكما لو أنه هو من يقود هذه الحضرة، أو كما لو أن آلة العود وآلة الكمان والمراويس تختزل كلها في جسده، تراه في البدء يأخذ مكانه بالوقوف أمام المطرب، ومع الإيقاع يبدأ بضرب الارض بمشط قدمه اليمنى ضربا خفيفا وبنصف ارتفاع اليد اليمنى وهو بذلك كأنه يوقع الميزان بآخر نقرة في إيقاع الضرب على المراويس ولتكرار هذه الضربات بالقدم نحو ثلاثة ايقاعات وباستمراره بالوقوف امام مجموعة العازفين يتخذ من بين كل ضربة واخرى حركات كاهتزاز الاكتاف والرأس ثم يعود الى الوراء، ثم إلى الأمام بشكل سير متعرج ايقاعي. 

الفنان عيد بن سلطان، بالرغم من عمله كشرطي بوزارة الداخلية، والذي يحتاج بطبيعته إلى جسد مخشوشن صارم مؤسس على الضبط والربط، إلا أنه ظل مسكونا بنقيض متطلبات الوظيفة الشرطية، حيث كان الفن هاجسه الأول والأخير، وهو من أسهم في دخوله على كل بيوت الفن الشعبي في البحرين، ووسع مساحات معارفه وخبراته الفنية خاصة في فن (الزفان)، الأمر الذي أتاح له فرصة كبيرة للزفان مع أشهر (زفانة) الفرق الشعبية في البحرين، ومن بينهم الفنان عبدالله بن حربان نجل الفنان الكبير الراحل محمد بن حربان صاحب دار بن حربان في المحرق، ومع الفنان الزفان المعروف (بو زيد) وغيرهم، ولكن يظل الفنان عيد ذا ألق فني خاص يميزه بوصفه مدرسة في الزفان الأصيل. 

كما أتيحت للفنان عيد فرصة أن (يزفن) في سهرة فن (الصوت) برفقة الفنان الكويتي الكبير الراحل عوض الدوخي في دار بن حربان ومن ثم في سهرة تليفزيونية له نقلها تليفزيون البحرين، وليصبح هذا الفنان (الزفان) الرفاعي الأصيل واحدا من أهم الزفانين في البحرين باختياره زفانا في فرقة البحرين القومية آنذاك والتي جاب معها ألمانيا وتونس وأستراليا، ليلمع بعدها نجمه على الصعيد الدولي كأحد أهم من يزفن في فنون الصوت واللعبوني في خليجنا العربي وليس البحرين فحسب. 

الفنان عيد بن سلطان كان جذابا وساحرا وآسرا وانسيابيا في رقصه، ولعلني ولأول مرة في حياتي، أرى فنانا يجيد فن الكوريغرافيا (الرقص بالجسد في المسرح)، ويجيد استخدام كل إيماءة في هذا الجسد بوصفها دلالة أدائية معبرة، فهو يتملك حضور الممثل الراقص الطاغي حين يكون في مسرح الرقص حتى وإن صاحبه بعض الراقصين (الزفانين)، وهذا دليل على أنه تلقى هذا الفن على أصوله من أساتذته ورموزه في الرفاع الشرقي، وإذا اختل أو استشكل على أهل الفن في الرفاع أمر ما، لجئوا إلى العارفين بأصوله، وهم بمثابة المحكمين للأداء الفني الشعبي، ومن بينهم، بل أهمهم، يعقوب بن جوهر والجد علي بن أحمد الحمدان رحمة الله عليهما. 

نسمة الرقص الشعبي الأصيل عيد بن سلطان، بالرغم من إصابته مبكرا ومعاناته مع مرض القلب، إلا أن ذلك المرض لم يثنه عن مزاولة فنه وعشقه له، وكان آخر يوم له كان مدعوا بدار بن حربان مع رفيق دربه، بل أخيه الذي لم يفارقه يوما الفنان سالم بن عبدالله، وبعد أن انتهى الحفل والطرب، توجه بسيارته (الداتسون) الصغيرة إلى بيته بالرفاع، وما هي إلا لحظات من وصوله حتى وصل إلى رفقته من أهل الفن نبأ وفاته بمستشفى السلمانية.

كان وقع الخبر على نفوس رفقته، وعلى أهل الفن ثقيلا ولا يحتمل، فقد غادر الحياة مبكرا، حيث لم يتجاوز الأربعين عاما، وكان ذلك قبل ثلاثين عاما مضت. 

رحل نسمة الرقص الشعبي وفراشة روحه، الفنان عيد بن سلطان، وظلت روحه المفعمة بالحب تحلق في كل بيت شعبي يحضر (الزفان) فيه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها