النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11974 الأربعاء 19 يناير 2022 الموافق 16 جمادى الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:48AM
  • العصر
    2:50PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

موضي الحمدان.. هندام الذاكرة ورائحتها ونكهتها..

رابط مختصر
العدد 11924 الثلاثاء 30 نوفمبر 2021 الموافق 25 ربيع الآخر 1443

التضحية.. أن تكون سعيدًا وأنت ترى غيرك رافلاً بثوب السعادة بسببك، هكذا كانت شقيقتي الكبرى موضي أم مناور أنعم الله عليها بالصحة والعافية وطول العمر يارب والتي قامت بمختلف الأدوار البيتية والتربوية والإنسانية من أجلنا نحن كلنا في البيت، الجدتين والوالد والوالدة وأنا والشقيقات الخمس، مضحية بتعليمها المستمر في المدرسة، إذ كلما اقتضت الحاجة ضرورة تواجدها في البيت لمعاونة والدتي رحمة الله عليها في تربيتي وتربية شقيقاتها الأصغر وفي إدارة شؤون الأسرة بتوجيهات الوالد والجدتين رحمهم الله، اضطرت للتنازل عن مواصلة تعليمها سنة أو سنتين لتعود بعدهما ثانية إلى المدرسة لإكمال السنوات الدراسية الأخرى، وذلك بعد أن يخف العبء نسبيا على الوالدة والوالد والجدتين. 

هي عنوان التضحية والإخلاص في أقصى تجلياتهما، وهي الوحيدة من بين كل أفراد الأسرة التي أجادت وخبرت منذ نعومة الأظفار الحياة العائلية بكل ما تعني من طهي وغسل وتنظيف وكي وخياطة وإعداد وتنظيم وتدبير منزلي، وهي الوحيدة التي حملت أعباءً فوق طاقتها في وقت مبكر من عمرها، كما أنها الوحيدة التي حفظت ما تبقى من أثر جميل حتى الآن للذاكرة القديمة الأصيلة في بيتنا الأول بالرفاع الشرقي، والتي حين نراها ندرك كم هو ثمين ونفيس ما احتفظت به شقيقتنا الكبرى موضي. 

وموضي هي الإسم الأول في عائلة الحمدان كلها الذي حمل اسم جدتنا الكبرى موضي جدة الوالدة من أمها فاطمة الحمدان رحمة الله عليها، هذه المرأة التي عرفت بحكمتها والتي تولت فترة صباها وحتى آخر لحظة من حياتها تربية الشيخة لطيفة بنت إبراهيم بن خالد بن علي زوجة المغفور له بإذن الله الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة الأولى، والتي أولتها الشيخة لطيفة مكانة خاصة وأثيرة في حياتها وفي حياة كل أفراد العائلة، ومن بعدها تعددت موضي في كل أسر الحمدان، موضي ابنة خالي راشد الحمدان وموضي ابنة خالي أحمد الحمدان وموضي ابنة خالتي عائشة الحمدان وموضي ابنة مناور بن سعود حجي حفيدة موضي شقيقتي الكبرى من ابنها مناور، ولم تكن شقيقتي الكبرى موضي ببعيدة الشبه عن جدتها الكبرى موضي من ناحية تمثل شخصيتها وتأثيرها علينا في البيت، وإن كانت ربيبة القرب لجدتينا نورة وقوت، وشديدة الشبه من حيث دقة التقاسيم لوجه والدي ومن حيث هدوئه أيضًا. 

الشقيقة الكبرى موضي تعمل طوال الوقت وكما لو أنها وُلدت كبيرة، حيث لم نذكر من طفولتها سوى مراقبتها للجدتين في المطبخ وكيف يمكن أن تتقن ما أتقنتاه، وما أكثر وألذ الأطباق التي قدمتها لنا بيديها الكريمتين جراء ما اكتسبته من الجدتين، ولم نذكر من هذه الطفولة سوى شغفها غير العادي للخياطة والتي بدأتها بماكينة خياطة يدوية من طراز (سنجر) ثم كافئها الوالد إذعانا لشغفها الشديد بالخياطة بماكينة خياطة كهربائية، وكانت الشقيقة موضي تمارس الخياطة أحيانا حتى وقت متأخر من الليل، وكانت تخيط (مريلات) شقيقاتي المدرسية وتخيط لبعض نسوة الحي دون ومقابل، سعادتها في ذلك أن ترى ما حاكته يديها سعيدا به من يرتديه، ولعل سعادتها البالغة حين تكلفها إدارة مدرسة الحورة الثانوية للبنات التي كانت حينها طالبة فيها بخياطة أزياء استعراضية لإحدى احتفالاتها. 

الغالية أم مناور، كانت تعشق العمل أي عشق، ولم أرها قط قد قضت وقتها دون عمل تستريح له، وبالرغم من تواجد ربات للبيت يكبرنها سنا وتجربة وخبرة، مثل الوالدة والجدتين، إلا أني أراها هي الأكثر انهماكًا في العمل في البيت، فهي بين الطهي والخياطة والغسيل والترتيب والمدرسة وكي الملابس، وما أكثر ما استوقف كيها لملابسي المدرسية بعض المدرسين، ومن بينهم زوجها العميد الراحل سعود حجي حينما كان مدرسا بمدرسة الرفاع الشرقي الابتدائية للبنين، فكان دائما ما يسألني: من يكوي هندامك يا يوسف؟ فأجيبه: شقيقتي الكبرى موضي. 

هي الشقيقة التي رافقت في طفولتها نسوة الحي الكبار وأسهمت معهن في إعداد بعض الوجبات خاصة تلك التي تعد لمناسبات معينة ومنها الرحلات الجماعية، وهي التي كان والدي يعتمد عليها في اختيار أغلب أثاث البيت، وهي التي تولت تربيتنا بحب بجانب الوالدة إذا تراكم الحمل عليها، وهي التي تفرح لنجاحاتنا بالمدرسة أو في شئون الحياة الأخرى وكما لو أنها هي من اكتسبت هذا النجاح قبلنا، أبدًا لم تعرف الغيرة المريضة في حياتها، حيث كانت تتمتع بصبر غير عادي وترى أنها فيما تقوم به وتتقنه هو في حد ذاته اختبار مهم قد نجحت فيه وبتفوق.

لم تكن الغالية أم مناور بعيدة عن اهتماماتي الطفلية الفنية إبان ستينيات القرن الماضي، كانت تلحظني باهتمام كبير وتهيئ لي هندام أي تجربة فنية قبل أن أخوضها، أو أطلع عليها، وفي كل ما تهيأ لي طفلا لمتابعته فنيا مع الوالد وشقيقاتي، كانت هي ورائه، وكانت هي من يهيئ ويضيء ذاكرتي بتضحياتها التي أصبحت كل حياتها لاكتشاف جديد. 

هي الشقيقة الكبرى الغالية أم مناور التي لا تزال تحفظ كل تفاصيل حياتنا في الرفاع، والتي لا تزال ذاكرتها تحتفي بمن رافقتهم وجاورتهم في الحي، والحريصة أشد الحرص حتى الآن على زيارة من أطال الله في أعمارهم من أهل الحي، بل والتي تعاتبنا أشد العتب إذا قصرنا في حق زيارتهم أو السؤال عنهم، لم لا وهي التي في صباها قامت بمعاونة من تصدى من النساء لغسل جسدي جدتي الطاهرين بعد وفاتهما. 

هي امرأة فريدة من الزمن الجميل، بل أن هذا الزمن لا يزال يعيش ويحيا معها حتى هذه اللحظة، ولنا أسوة في كل الأواني القديمة التي كانت تطهي بها الجدتين وجباتنا اليومية آنذاك وبعض الحلي والمستخدمات التي تنعش في رؤوسنا ذاكرة ذلك الزمن الجميل، والتي لا تزال تحتفظ بها في بيتها وتستخدم بعضها إذا لزم الأمر.

هي صاحبة الشغف الأكبر من بين أفراد عائلتنا على تعلم وإجادة الأجود في كل شيء، فهي أول من تذوقنا على يديها طعم الآيسكريم المثلج الذي كانت تعدّه بصبغة الورد في كؤوس معدنية وتغرس فيه أعواد الخشب الرفيع، وهي طاهية (الساقو) الذي لم أذق أطيب منه في حياتي حتى يومنا هذا، وهي صانعة البخور ذو الرائحة الطيبة التي يشمها أهل (الطيب) من أبعد المسافات في الرفاع وخارجها، وهي الرائحة التي تظل ساطية في الذاكرة حتى أزمنة قادمة، فمثل هذا (الطيب) العبق لا يتقنه إلا من كان على علم وإدراك بفن صناعته وتراكيبه العطرية الزاكية. 

هكذا كانت الغالية أم مناور، تُجيد عملها وتتقنه بروح فنان تزاوجت خبرته بفنون الذوق الرفيع، لتنتج في كل ذلك رائحة تتعالق بروائح الأزمنة في تحولاتها وامتداداتها، فهي بالنسبة لي مختبر العمل الحقيقي الأول في البيت، إذ تبدو الحياة فيه فكرة قابلة للتحول والتمسرح حتى منتج آخر أكثر جودة وأكثر إثارة للأسئلة..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها