النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11933 الخميس 9 ديسمبر 2021 الموافق 4 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:49AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

المحك الوطني في قضية الجاسوس جوناثان بولارد

رابط مختصر
العدد 11884 الخميس 21 اكتوبر 2021 الموافق 15 ربيع الأول 1443

لفت نظري القضية الجاسوسية التي كان بطلها المواطن الامريكي اليهودي جوناثان بولارد، الذي تجسس لصالح دولة اخرى، وهي اسرائيل، وهو على علم ان الذي قام به جريمة من عيار الخيانة للوطن، ولكن وطنيته الامريكية لم تردعه عن جريمته، ولا علمه بالعواقب القانونية المحتملة والمتوقعة جعلته يفكر ملياً في مصيره وحياته ومستقبله حتى يتراجع عن جريمته الخيانية؛ واضح ان دافعه الى خيانة وطنه نابع من ان ولائه لدينه كان اقوى من ولائه لوطنه، ولم يكن بدافع من اجل الكسب المادي؛ وهذا الدافع، بكل ما يحمل من معاني ذاتية ووجدانية وموضوعية، ينبع من شخصية تعيش تجاذبات متناقضة، التجاذب بين ولائه لوطنه و ولائه لدينه، فتغلب عنده ولاء الدين على ولاء الوطن. بولارد سجنته حكومته لأنه خان وطنه، وحكم عليه القضاء الامريكي بالسجن مدى الحياة وهو حكم اقرب الى الاعدام، وبعد ان قضى 30 عاماً في السجن اطلق سراحه واستقبلته قيادة الحكومة الاسرائيلية استقبال الابطال. جمع بولارد بين الخيانة والبطولة بفضل مهمة تجسسية تضر دولة وطنه وتخدم دولة عقيدته، رغم ان العلاقة بين الدولتين كالعلاقة بين العاشقين. بهذه المهمة التجسسية فان بولارد قد كشف عن معادلة حرجة وخطيرة في العلاقة بين الوطن والدين، بين التفاوت في قوة الجاذبية في الانسان بين وطنه ودينه؛ وهذا يعني ان قوة الايمان بالعقيدة الدينية قد تتغلب على قوة الولاء للوطن، عند بعض الناس وليس بالطبع عند معظم الناس، وهي حالة شاذة في قلة من الناس بين الغالبية العظمى من الناس. اما الجاسوسية بحد ذاتها فهي مهمة استثنائية بين المهمات والمهن، من حيث طبيعتها وآلياتها وأهدافها والقادرين على القيام بها.

الجاسوسية بين الدول وظيفة قديمة قدم الإنسان، وهي الوظيفة الوحيدة التي تناقض نفسها، فهي تتارجح بين خدمة الوطن وخيانة الوطن، اي بين الطبيعي والاجرامي. قضية جوناثان بولارد هي نموذج لوظيفة تجسسية إجرامية بالمعنى الوطني؛ لأنه كان مجنّدًا لدولة اخرى وينقل معلومات سرية من ارشيف وطنه ويسلمها طوعاً الى دولة اخرى. خيانة الوطن، بشكل عام، تتشعب الى مسارين؛ مسار المصلحة المادية، اي التجسس من اجل المال، ومسار التطوع الذاتي لقناعة ذاتية بان الذي يقوم به واجب يمليه عليه ايمانه الديني الراسخ، وأنه مستعد ان يضحّي بحياته من اجل ان يرضي ويرتقي الى القيمة الايمانية التي تعشش في أعماق ذاته. في قضية جوناثان بولارد، واضح ان الايمان العقائدي، وليس المال، هو الدافع الى خيانة وطنه بالإقدام طوعًا على جريمة التجسس خدمة لدولة اخرى، لان هذه الدولة هي قطب السلطة السياسية لعقيدته اليهودية… فهو من جانبه قد قدم خدمة لدينه، بمعنى انه ادى الفريضة العينية الواجبة عليه.

كل القضايا الاجرامية بما فيها خيانة الوطن، اذا اخرجناها من سياقها القانوني المباشر، وحتى القضايا غير الإجرامية، فانها بمثابة قصص او روايات، وهذه القصص يطغى عنصره النفسي (السيكولوجي) على الاجتماعي، رغم ان العنصر الاجتماعي هو البارز على سطح حيثيات الجريمة… والركيزة الاساسية في كل الروايات وروحها هي الشخصيات التي تخلق الاحداث وتشبكها بين الانسان والانسان في حبك مع الزمان والمكان، وبمحصلة لتحقيق اهداف محددة… فكل حركة وكل حدث من اجل تحقيق هدف، ارادي او غير ارادي. قد يكون الهدف شيئًا تافهًا وبسيطًا أو شيئًا عظيمًا ومعقدًا، والهدف هو نقطة الوصول بعد مسيرة من نقطة البدء او الانطلاق، وهذه بديهية لا تحتاج الى التنظير…

الجريمة عمل ارادي ومخطط له مسبقًا من اجل تحقيق هدف معين، وطبيعة الهدف يحدد طبيعة العمل الاجرامي. جميع الجرائم تعكس حقيقة وقوة الأنا في ذات الشخص حتى وإن كانت الانا مدفوعة بفعل قوة خارجية؛ فالجريمة عمل اناني بامتياز، وهي انانية مفرطة الى درجة الكمال السلبي، او السلبية الكاملة. الأنا تحدد وجهتها الى نقطة استقطاب بعينها، والأسوء والاكثر خطورة هي تلك التي تنبع من دائرة العقيدة وتتجه الى خارج دائرة الوطن، ويكون طابعها خيانة الوطن.

وإذا كانت ارادة العمل الاجرامي نابعة من الايمان العقائدي، والايمان بالنتيجة هو الدافع الى جريمة الخيانة، فان هذا الايمان يبرر جريمة الخيانة ويضعها في مرتبة الواجب الملزم للشخص المجرم او الخائن؛ وهذا المسار من الجريمة هو الابشع والاكثر ضررًا بالوطن وبالانسان وبالمجتمع.

الدافع الديني، الذي يبرر خيانة الوطن في هذه القضية التجسسية، يكشف عن الطبيعة الخطرة للدولة الدينية، خاصة اذا كانت تلك الدولة في نظر أتباع ذلك الدين في دول مختلفة هي قطب السلطة الجامعة بين الدين والسياسة، فتتحول تلك الدولة الى نقطة استقطاب ينجذب إليها جمهرة من اتباع دين تلك الدولة. هذا الاستقطاب من مواطنين من دول مختلفة الى دولة اخرى بفعل تاثير الدين يخلق خلخلة في ذهنية ونفسية عدد غير قليل بين اولئك المواطنين؛ هنا يجد المواطن نفسه محشورًا بين وطنه ودينه، فكيف يرى الاولوية بينهما؟! طبيعي ان هناك من بين المواطنين من يرجح انتماءه الديني على انتمائه الوطني، وهذا ليس بالامر النظري او الافتراضي، ولكنه حقيقة ملموسة.

المحصلة التي نستخلصها من هذه القضية الجاسوسية، ومن قضايا مشابهة، هي أن الانجذاب الى نقطة استقطاب ديني او عقائدي في دولة اخرى يخلق مواطنين غير موالين لوطنهم الام. هذا الخلل في الولاء بين الوطن والدين يرجّح كفة الدولة العلمانية على الدولة الدينية أو الدولة اللاهوتية. من طبيعة الدولة العلمانية انها تقوي العلاقة بين المواطن والوطن، والذي يعطي الدولة العلمانية هذه الميزة هي احتضان الدولة لجميع الاديان والعقائد وعدم الانتساب الى دين بعينه (الدين لله والوطن للجميع)… وفي قضية الجاسوس «اليهودي - الامريكي» فان دولة علمانية - دستورية مثل امريكا لم تسلم من التأثير السلبي للعقيدة ضد الوطن، وهذا التاثير، رغم محدوديته، إلا ان دلالاته عميقة. امريكا اصابتها شرارة طائشة… ولكن ما بال الدول غير الدستورية والمعادية للعلمانية والتي تتزلف الى الكهنوتية الدينية في مجتمعاتها، فإنها لا شك هدفًا سلسًا لنيران العقيدية الطاغية على الوطنية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها