النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11890 الأربعاء 27 اكتوبر 2021 الموافق 21 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

حركة النهضة التونسية من الانسجام إلى الانقسام

رابط مختصر
العدد 11860 الإثنين 27 سبتمبر 2021 الموافق 20 صفر 1442

مثّل خبر توقيع 113 قياديا وأعضاء نهضويين استقالاتهم من حزب حركة النهضة التونسية الأسبوع الماضي، الحدث الأبرز والأسرع انتشارا في الصحافة التونسية والعربية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. ولئن كان مثلُ هذا القرار متوقّعا منذ مدّة فإنّ تأخّره لم يفقده شيئا من أهمّيته على الساحة السياسية التونسية، خاصّة وأنّ الموقّعين على بيان الاستقالة قيادات من الصف الأوّل على غرار عبد اللطيف المكي وسمير ديلو ومحمد بن سالم، وعدد من أعضاء مجلس النواب المعلقة اختصاصاته، وعدد من أعضاء المجلس الوطني التأسيسي، وعدد من أعضاء المجلس الشورى الوطني ومجالس الشورى الجهوية والمكاتب الجهوية والمحلية.

 لقد دبّ التصدّع في جسم الحزب الأكثر تنظيما وتماسكا منذ استقالة القيادي حمّادي الجبالي من حركة النهضة عام 2014 بسبب خلافات مع زعيم الحركة راشد الغنوشي حول مسار التوافق مع حزب نداء تونس والرئيس الراحل الباجي قائد السبسي. ويُعدُّ الجبالي من أبرز مؤسسي حركة النهضة، وقد تولى رئاسة الحكومة في ديسمبر 2011 بعد فوز الحركة الإسلامية في الانتخابات البرلمانية، لكنه قدم استقالته عقب رفض الأغلبية الحاكمة مبادرته بتشكيل حكومة تكنوقراط. 

وتأتي اليوم هذه الاستقالة الجماعية الأخيرة في وضع مربك جدّا تمرّ به البلاد بعد القرارات الرئاسية الأخيرة، وأهمّها تعليق نشاط مجلس نواب الشعب ورفع الحصانة عنهم، إضافة إلى تعليق العمل ببعض فصول الدستور... ويمكن قراءة هذه الاستقالة على أنّها تحميل مباشر لرئيس حركة النهضة راشد الغنوشي مسؤولية الفشل في إدارة الأزمة الداخلية للحركة بسبب ما يعتبرونه تعنّتا وصل حد الانفراد بالرأي، إضافة إلى «الفشل الجماعيّ في إصلاح الحزب من الداخل والإقرار بتحمّل القيادة الحالية المسؤولية الكاملة في ما وصلت إليه الحركة من عزلة في الساحة الوطنية، وتحمّلها قدرا كبيرا من المسؤولية في ما انتهى إليه الوضع العام بالبلاد من تردٍّ فسحَ المجال «للانقلاب على الدستور» وعلى المؤسسات المنبثقة عنه كما ورد في نص بيان الاستقالة.

وبين استقالة حمادي الجبالي في 2014 واستقالة 113 قياديا من الحركة اليوم قائمة طويلة من الاستقالات لعل أبرزها استقالة القيادي رياض الشعيبي واستقالة لطفي زيتون من شورى الحركة ومن المكتبين السياسي والتنفيذي. إضافة إلى استقالة النائب البرلماني والوزير السابق زياد العذاري من الكتلة النيابية لحركة «النهضة»، بعد استقالة عبد الحميد الجلاصي، أحد أبرز القيادات التاريخية في حركة النهضة«التونسية، من مجلس شورى»النهضة. 

ثمّ تطوّر الأمر وظهرت موجة جديدة من الاستقالات أو التهديد بها، وهو ما زاد في الدفع باتجاه تمزيق النسيج التنظيمي لحركة النهضة، حين أعلن عضو مجلس الشورى، العربي القاسمي، استقالته، ولوّح رفيق عبدالسلام، صهر الغنوشي، هو الآخر بالاستقالة، ثمّ إعلان النائبة يمينة الزغلامي أنها لن تتحمل لاحقا أي مسؤوليات قيادية في هذه الحركة. 

وبالعودة إلى مشاركتها في الانتخابات التشريعية منذ 2011 نلحظ بوضوح تراجع خزّانها الانتخابي، وفقدانَ جزء كبير من الناخبين التونسيين الثقةَ في سياسة الحركة ومشاركتها في الحكم؛ ففي العام 2011، صوّت لحركة «النهضة» في انتخابات المجلس التأسيسي مليون ونصف مواطن وتحصلت على 89 مقعدا من بين 217، وفي انتخابات 2014 تراجع العدد إلى 950 ألف و69 مقعدا، ثم تراجع ثانية في انتخابات 2019 إذ لم يصوّت لها سوى 560 ألف ولم تحصد سوى 52 مقعدا في البرلمان الحالي المجمّد. 

وقد اعتبر عديد المحللين أنّ «حركة»النهضة» التونسية تواجه حاليا أسوأ وضع في تاريخها فلأول مرة يلتقي عليها القرار الرّسمي (قرارات الرئيس قيس سعيد) والسخط الشعبي واللوم السياسي من الأحزاب والمنظمات الوطنية، فضلا عن التحريض خارجيا ضدّها، وفوق ذلك تصدّع داخلي غير مسبوق. وتُعَدّ مشاركة رئيسها راشد الغنوشي مباشرة في الحياة السياسية من خلال ترؤس مجلس نواب الشعب أبرز أسباب ما وصلت إليه الحركة اليوم. 

وبالنظر إلى أدائها السياسي وتعاطيها مع مجمل الملفات الداخلية والخارجية، وما يمكن أن تكون قد قدّمته لناخبيها وللشعب التونسي، يرى كثيرون أنّ حركة النهضة خذلت ناخبيها وتنكّرت لمبادئها ولم تطوّر من أدائها السياسي ما يجعل تجربة الإسلام السياسي في تونس قد شارفت الفشل الذريع بسبب سياسة التوافقات والتحالفات المشبوهة في كل طور ومنعرج سياسي تمرّ به البلاد وخاصة بعد انتخابات 2014. 

 إنّ مشاركة حركة النهضة الإسلامية في الحكم في تونس لا يمكن أن يكون معزولا عن محيطه الإقليمي والعربي وخاصة بعد 2011؛ حيث ظلت مسألة انتقال حركات الإسلام السياسي من الحالة التنظيمية إلى ممارسة الحكم فعليا مثار جدل في أوساط عدّة لقصر تجربتها في الحكم. وهكذا بعد تجارب جديدة مختلفة ومخاض عسير مع الحكم، خسرت حركات الإسلام السياسي سلطتها تباعا في مصر وتونس والمغرب: في مصر انتهت سلطة جماعة الإخوان المسلمين سنة 2013 بـ «انقلاب عسكري»، وفي تونس انتهت بقرارات رئاسية مدعومة بمقتضى قراءة دستورية للفصل 80 من دستور 2014، وفي المغرب انتهت بانتخابات ديمقراطية مُنِيَ فيها حزب العدالة والتنمية بخسارة معظم مقاعده في البرلمان.

هكذا، لم يكن من السهل على الحركات الإسلامية بعد ثورات الربيع العربي، وهي تمرّ من الحالة التنظيمية إلى الحالة السلطوية، وعلى مرمى انتقادات معارضيها، أنّ تمرّ بسلام من المنعطفات الحادة التي عرفتها دول الربيع العربي وما جاورها. لقد وجدت هذه الحركات نفسها في وضعية صعبة لأنها لم تملك الشخصية والتجربة السياسية الكافية، وكذلك الدعم الدولي لأخذ القرار المناسب في الوقت المناسب؛ إذْ كيف لها أن توازن بين ثوابتها وما تقتضيه سلطة الحكم من تنازلات تفرضها طبيعة المجتمعات وبارونات الاقتصاد والمال، وضغوط المجتمع الدولي؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها