النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11890 الأربعاء 27 اكتوبر 2021 الموافق 21 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

بيروت وكابول والـــعـــشــرِ الأوائــــــل

رابط مختصر
العدد 11820 الأربعاء 18 أغسطس 2021 الموافق 10 محرم 1442

لم تكن محاسن الصدف تلك التي جمعت بين تفجير «القرية» في لبنان، ووصول طالبان إلى القصر الرئاسي في كابول، لكنها إرادة «السماء» أن تعتلي جماعات الإسلام المتطرفة سدة الحكم في أفغانستان، وأن ينفجر الصهريج المحمل بالمن وبالسلوى في «عكار» اللبنانية.

قد تكون محض «تيليباثي» أو تبادل للخواطر بين الفاعل «المنتصر» في وسط آسيا، والمفجر الغامض في الشرق الأوسط، لكنها الحقيقة المحمولة على أسنة العقيدة، والإسلام الزاعق في المغالاة والذي بدا للوهلة الأولى أنه من طبائع الأشياء.

أمريكا تلعب بأكثر من ذراع، تنكمش وتترك الجمل بما حمل لجماعات تربت على أيديها، وتعلمتُ من مِدراس أئمتها وأباطرة مفكريها، ثم صالت وجالت في بلادنا تحمل أعلام الدولة الإسلامية، في أفغانستان المسرحية الهزلية باتت واضحة وضوح الشمس، الأمريكيون لم يحاربوا في أفغانستان، لكنهم تواجدوا بانكشاريتهم الزائفة، وبـ«البلاك ووتر» المأجورة لأكثر من عقدين في أفغانستان، أنفقوا التريليونات، وغضوا الطرف عن جماعات الإسلام المتطرف لعله يعود إلى المشهد الخصب من جديد.

أفغانستان أو لبنان أو ما بينهما يعيشون في كنف الإسلام المتطرف بكل شقائق نعمانه، بكل فطرياته وطفراته وتناقضاته، والأمريكيون ومعهم الغرب الغريب يصفقون للعودة الحميدة.

لم تكن محاسن الصدف تلك التي وضعت الرئيس الأفغاني المشبوه في مقدمة مستقبلي قادة طالبان بمطار كابول الدولي قبل أن يودعه المعممون إلى منفاه الاختياري في طاجكيستان، لم تكن مصادفة ألا يحمل معه حقائبه ومقتنياته الخاصة من قصره الرئاسي الشكلي واكتفى بصحبة قائد الأمن الوطني الأفغاني، لعل وعسى.

لم تكن مصادفة أن ينفجر صهريج النفط بعكار اللبنانية عشية العشاء الأخير للرئيس أشرف غني في قصره بكابول وكأن الفاعل يقدم التحية للرئيس الأفغاني المخلوع بطريقته الخاصة وليس بعزف السلام الجمهوري الأفغاني أو بعدد لا بأس به من طلقات المدافع التي كانت في وداع الملك فاروق، عقب ثورة يوليو 1952.

رغم أنه لا مقارنة بين هذا وذاك، لكنها الذكريات، فلا أشرف غني الخائن هو الملك فاروق «المعظم»، ولا أفغانستان هي مصر، لا الزمن هو الزمن، ولا البروتوكول هو البروتوكول.

غني غادر سرًا وفي الخفاء، وربما مرتديًا عباءة امرأة، أو زي متحجبة وفي جنح الليل، ولكن فاروق الأول غادر بزي البحرية العسكرية المصري المقدس، وفي وداعه الرئيس محمد نجيب، ورغم أن «ثنيات الوداع» في الحالة الأفغانية كانت مهيأة ومع سبق الإصرار والترصد لكي تعتلي مشهد الاتفاق السري بين من هربوا عائدين إلى بلادهم البعيدة وهؤلاء الذين خرجوا من الكهوف والأحراش كالجرذان الجائعة كي يحكموا بـ«أمر الله»، ولا ينهون عن المنكر، ولا يأمرون بالمعروف، لكنهم خرجوا أو اخرجوا معهم خمسة آلاف سجين إرهابي ومسجل خطر من داعش وفصائلها، و«الناجون من النار» وأتباعهم.

كل هذا يحدث وكأن الانكماش الامبراطوري على الطريقة الأمريكية، لابد وأن يخلف ورائه ضحايا، وأن الضحايا دائمًا شعوبًا وبلادًا وقبائل وعشائر ورعايا وسفارات ورهائن ومطاردات وقتلى وجرحى وأخماسًا في أسداس يضربها العالم أجمع.

لماذا خرجت أمريكا بهذه الهمجية وهي تعلم أنه لا حكومة يُعتد بها يمكن أن تمثل بديلًا شرعيًا، ولا جيشًا قويًا يمكن الاعتماد عليه، ولا مجتمع جاهز يعيد صياغة مستقبله بنفسه وينأى بها عن شرور جماعات الإسلام المتطرف التي أثبتت بأنها الأقوى وأنها الأجدر، وأنها الأكثر تأثيرًا في المشهد الأفغاني المهيض؟

أمريكا تعلم مسبقًا حتى من قبل بايدن أن انكماشها بهمجية سوف يخلف دمارًا وانهيارًا للدولة الشكلية، وأمريكا تدرك أن الثمن الذي يمكن أن يدفعه شعب ليس لديه ما يدفعه هو مزيد من الإرهاب، ومزيد من سفك الدماء، وقليل من الرحمة بالأبرياء، والأمريكيون يفهون إلا قليلًا أن الدول الدينية غالبًا ما تأتي لتنسف، وتدير لتفتك، وتحكم بشرع الله، وهي أبعد ما تكون عن شرع الله.

الأمريكيون يعرفون، والعالم يعرف، الأمريكيون متهمون وما يسمى بالمجتمع الدولي أيضًا، ومنطقة الشرق الأوسط باتت قاب قوسين أو أدنى من مساوئ صدف، من مخطط لقلب موازين التجلي السياسي، والاستقرار المجتمعي في دول رفضت تسييس العقيدة وأسلمة أنظمتها الحاكمة، و«أظلمة» قواعدها التي تدير بها الملف الفادح، «الصهريج» في لبنان، أو كل الوطن الضائع في أفغانستان، أو الموقف الأمريكي المشبوه، الجميع تحت القصف، والجميع فوق البركان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها