النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11860 الإثنين 27 سبتمبر 2021 الموافق 20 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

الجدة نورة أول الوحي لكتابة نص مسرحي للأطفال..

رابط مختصر
العدد 11791 الثلاثاء 20 يوليو 2021 الموافق 10 ذو الحجة 1442

لم يغب عن بالي طويلاً حوار صانع الفرح في الرفاع جاسم بن فرج مع طبوله ودفوفه وجلوده في بيته المتواضع الذي حوله إلى مدبغ لإنتاج كل هذه الشخصيات الإيقاعية الجميلة، حتى تفطن ذاكرتي الطرية مجددًا في السنوات الأولى من النصف الأول لستينيات القرن الماضي على حوار حميمي إنساني آخر تجريه الجدة الكبرى نورة بنت عبدالله يوميًا مع أبقارها العزيزات في زريبة البيت التي تحتل ثلث مساحته تقريبًا والتي كانت تضم بجانب أبقار العز، أغنامًا وخرافًا ودواجن.

هذه الزريبة بالنسبة للجدة نورة مملكة خاصة لا يدخلها إلا من كان قلبه على أبقارها العزيزات خاصة، وكانت توكل أمر تنظيفها وحلب أبقارها وأغنامها تحت إشرافها مباشرة لمستخدَمَين عمانيين تدفع لهما أجرة شهرية نظير عنايتهما بالزريبة وبكل ما فيها، وهما حسين وسعيد، أما روث الأبقار فهي مسؤولة عنه، فما إن يجف حتى تقوم بكنسه بيديها الكريمتين وتكويمه في جهة من جهات الزريبة التي تتعرض لضوء الشمس، حتى يتحول هذا الروث إلى سماد يستثمر لمزرعة البيت المتواضعة.

ومن عادات الجدة نورة المعروفة لدى الأسرة، أنها تستغل كل زاوية أو ثقب في الجدار الطيني الداخلي للزريبة والتي تبدو فيه بعض الثقوب الصغيرة وبعض الأحجار الناتئة، وكما لو أن هذا الجدار مستودعها الخاص الذي تؤمنه بعض الأوراق المجعلكة وبعض الأغراض المعدنية الصغيرة وبعض الفتائل التي تستخدم لإشعال فوانيسها الشعبية القديمة (الفنر)، وكما لو أنها بفعلها العفوي هذا تسعى لترميم هذا الجدار، وتدفئة أبقارها العزيزات.

وكانت الجدة نورة على قناعة تامة، بأن طين هذا الجدار الدافئ بالزريبة، يمكنه أن يبعد عنك تقلبات المعدة (اللوعة) بمجرد شمّه أو استنشاقه، لذا ظلت معي هذه الرغبة في استنشاق هذا الطين حتى يومنا هذا، وإن غاب الطين عن بيتنا.

ولشدة علاقتها وولعها بأبقارها العزيزات، تعرف الجدة نورة بالضبط مواعيد ومواقيت ولادتهن، وكما لو أنها تدرك بالضبط اليوم الأول الذي حمِلن فيه وعلى ضوئه تعرف اليوم الذي سيلدن فيه، ولربما كانت هذه الأوراق المجعلكة التي تدسها في ثقوب الجدار، روزنامتها الشعبية التي تدلها أو تتبين من خلالها مواعيد هذه الولادة، فإن كان المولود بقرة فخيرًا وبركة، وإن كان عجلاً فإن بيعه أيضًا خير وبركة، حتى لا يشاغب بقراتها العزيزات ألفتهن الطبيعية فيما بينهن، أو يتسبب في إجهاض إحداهن بسبب نزقه الذكوري إذا (تثوّر) قليلاً. 

وأذكر أنه في أحد أيام الصيف الرطبة، دخلت الجدة نورة البيت مسرعة على غير عادتها والعرق يتصبب من على وجهها، بعد أن قضت يومها بين قريتي الزلاق والبديع وحي الفاضل بالمنامة العاصمة في بيع عباءات الزري التي كانت تطرزها بمساعدة ابنتها الجدة قوت، والتي كانت بعض سيدات وبنات الشيوخ والتجار والميسورين، يحرصن على شرائها منها خاصة ويوصين إياها بتطريز هذه العباءات بالزري المذهب الأصلي الفريد الذي يصعب توافره عند كل ناسجة للعباءات في البحرين، لذلك تعتبر الجدة نورة بنت عبدالله واحدة من سيدات الأعمال المعروفات في مدينة الرفاع نظير هذه المهنة الفريدة، بل كانت إذا ارتدت العباءة، تبدو بهيئتها الفارعة ووجهها القمري المضيء، كأجمل عارضة للبضاعة التي تنسجها بيديها الكريمتين.

أذكر أنها في هذا اليوم، خلعت عباءتها وناولتها ابنتها الجدة قوت، وتوجهت مباشرة إلى الزريبة، لتأتي مسرعة بعد أن تفقدت أبقارها العزيزات، لتقول لابنتها قوت: جهزي الجريد والغاز لإشعال النار بالزريبة، وجهـــــــزي (الفنر) وبعض الأقمشة العتيقة للتنظيف، فمبروكة ستلد غدًا في الفجر.

ولأول مرة أعرف أن أبقار الجدة نورة العزيزات لهن أسماء، فهذه مبروكة وتلك أم الخير وهذه العنيدة، وتسمي كل واحدة منهن حسب ما يملي عليها شعورها تجاههن لحظة ولادتهن أو لونهن أو سلوكهن.

وما هي إلا سويعات كنت منحشرًا فيها أمام أنفاس الجدة نورة في غرفتها الطينية الحميمة التي كانت تضم بجانبها ابنتها الجدة قوت، وأنا طبعًا الذي قضيت سنوات طفولتي معهما، وأصبحت الغرفة بعد وفاتهما غرفتي، حتى استيقظت الجدة نورة من نومها على دقات الساعة الحائطية المستطيلة القديمة البطيئة، وأشك أن الجدة نورة قد نامت وهي بهذا الانشغال غير العادي بمبروكتها التي ستلد هذا الفجر، استيقظت وأيقظت معها ابنتها الجدة قوت، وأنا معهما أيضًا استيقظت، فأخذت الجدة نورة (الفنر) بعد أن أوقدت ذبالته وأحكمت غلقه، وتوجهت نحو الزريبة، نتبعها أنا والجدة قوت، وفي طريقنا إلى الزريبة سمعنا خوار أو صياح المبروكة يعلو، حينها قالت الجدة وهي تسرع نحو الزريبة: إنها تلد، إنه المخاض.

وهناك في الزريبة أشعلت النار لتدفئة المبروكة ومتابعة عملية توليدها، وكنت أراقبها من على بُعد، فحالة المبروكة صعبة وموجعة، وبعد ما يربو على الساعة تقريبًا، وبعد جهد جهيد تطلب نزف عرق ليس بقليل من على وجه الجدتين والمبروكة أيضا، أقبلت الطفلة الجديدة (خير)، وبعد أن استوت على قوائمها الطرية المضطربة، شكرت الجدة نورة الله وجلست بجانبها وهي تداريها بيديها الكريمتين وتمسح عن وجه الأم بأقمشة التنظيف العرق والدموع اللذين استنزفتهما في أثناء المخاض والولادة وبالمقابل تنظف الجدة قوت كل ما أفرزه رحم المبروكة من دم وما شابهه في أثناء الولادة. 

وإذا كانت هذه العلاقة غير العادية في إنسانيتها وحميميتها بين الجدة نورة وأسرتها العزيزة الأخرى التي تتبوأ مكانة خاصة في نفسها، قد استوقفتني، فإن ما لم يكن في الحسبان بالنسبة لي حينها، أن هذه العلاقة تمتد وتتطور في وشائجها، إلى درجة تصبح فيه هذه الأبقار العزيزات أشبه ببشر من دم ولحم بالنسبة للجدة نورة، فما إن انتهت من هذه المهمة الصعبة، حتى توجهت إلى مبروكتها بالحوار والسؤال عنها: كيف حالك الآن؟ هل أنت بصحة جيدة؟ 

تضحك قليلاً ثم تعود إلى طمأنتها: لا تخافي.. ستكون ابنتك مبروكة مثلك، وسنعتني بها، وسنجعلها تدر الحليب مثلك، وسنجعل كل أهل الرفاع يشربون منه مثلما شربوا منك أنت أيضًا الحليب المبروك.

ثم تلتفت علي وأنا أراقب حوارها: ستشرب يا يوسف أول كوب حليب من هذه المبروكة عندما يدر ثدياها.

تلتفت للمبروكة: ها أنا أوصيتك بيوسف فلا تردي طلبي.. ها! 

تترك الجدة نورة مبروكة قليلاً لتتوجه إلى شقيقتها أم الخير، لتسألها بود: متى سيحين موعد ولادتك يا أم الخير؟ 

تسرح بذاكرتها قليلا ثم تقول: هل تذكرين العجل اللعين الذي تعسرت ولادتك به؟ لولا بوعلي مؤجر الثيران في الحي، ومساعدته لنا لكنت في عداد الموتى.

ثم تستدرك لتقول: بعيد الشر عنك يا أم الخير.. إن شاء الله سيكون المولود القادم جميلاً وطيبًا مثلك، لكننا نريده أنثى، نريده مثل أم الخير. 

أشعر هذه اللحظات التي تتحاور فيها الجدة نورة مع عزيزاتها، وكما لو أنهن بشر، يصغين إليها ويُطِعنها ويبادلنها نفس الحب.. 

بعدها تأتي الجدة قوت بحوض الماء وتضعه أمام المبروكة لتشرب منه، ثم تأتي بالعلف الذي غالبًا ما كنت أعده معها، لتوزعه على العزيزات الأخريات بما فيهم الأغنام. 

الجدة نورة: كلوا من هذا العلف الطيب، فطالما أنا حية لن أطعمكم ولن أقدم لكم إلا ما ترغبه نفوسكم، فنحن من خيركم نعيش أيضًا. 

بعدها تتوجه الجدة نورة إلى المولودة الصغيرة، تبتسم في وجهها، تحضنها وهي تقول: الآن بإمكانك أن ترضعي أمك المبروكة، فكم هو ثديها الدافئ بشوق إلى فمك الناعم.

الجدة: ارضعي ولكن لا تعضي ثدي أمك.. ها.. (تضحك وهي تربت على رأسها)! 

ومنذ ذلك الفجر وأنا أراقب يوميًا بشيء من المتعة والراحة حوار الجدة نورة مع عزيزاتها الخيرات المبروكات، سواء في لحظات إطعامهن أو لحظات ولادتهن أو لحظات تفقدهن، أو حتى في اللحظات التي كانت تعد لنا فيه خبز (الرقاق)، فهي تفضل أن تعده في الزريبة بين عزيزاتها، كي يتسنى لها الحوار والضحك معهن والاطمئنان عليهن.

وكانت اللحظة الأصعب والفاجعة بالنسبة لي، وبالتأكيد لعزيزاتها المبروكات، حين توفى الله الجدة نورة في اللحظة التي كانت تمسح بيديها الكريمتين الروث في الزريبة وتزيحه عن استراحات عزيزاتها اللواتي أظنهن بكين عليها بكاء مرًا وحارقًا في حينها، إذ من سيعتني بهن مثلها؟ ومن سيداريهن في ولادتهن وتعافيهن؟ ومن سيتحاور معهن بنفس الحب والحميمية التي كانت هي تتحاور معهن فيه؟ بل من سيضحك معهن مثلها؟.

كانت وفاتها بالنسبة لي، أشبه بمشهد درامي تراجيدي حدث على غير ما كنا نتوقعه، ولو كنا يوما توقعناه فلن يكون إلا بهذه الشاكلة، خاصة وأنها قضت أغلب وقتها وحياتها ونزهتها بين من أحبت من عزيزاتها المبروكات.

بعد هذا اليوم الصعب المؤلم الموجع، نمت بجوار الجدة قوت، وكنت أتخيل حينها أن الجدة نورة ستوقظني فجرا لأصحبها إلى الزريبة لمتابعة ولادة مبروكة أخرى، ولكن (الفنر) لم تسخِ ذبالته في تلك الليلة ولو بضوء شحيح. 

إن أنسنة الجدة نورة لعزيزاتها، لدرجة أصبحن فيها بشرًا، شخصيات، أحداثًا، هي ما دفعني بعد سنوات من عمر الذاكرة إلى أن أكتب أول نص مسرحي للأطفال بعنوان (دبدوب في خيمة الأفراح).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها