النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11858 السبت 25 سبتمبر 2021 الموافق 18 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:10AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:31PM
  • العشاء
    6:47PM

كتاب الايام

حضارتنا بتقدمها وتنميتها تعيش مأزقًا أخلاقيًا

رابط مختصر
العدد 11772 الخميس 1 يوليو 2021 الموافق 21 ذو القعدة 1442

الإنسان يعيش بين دفتي نقيضين، اللذة والألم، بين السعادة والتعاسة، بين الخير والشر، وبينهما مسافة من التدرج والتمازج بين النقيضين، أي أنه مربوط ومشدود بحبل متين، وطرفي الحبل في يدي النقيضين. لكي نبين العلاقة الجدلية بين النقيضين بشكل واضح، لا لبس فيها، لابد من معادلة نستنتج منها نسبية قوة النقيضين، فاخترنا المعادلة التالية، وهي أنه مع زيادة المسافة بين النقيضين تزداد قوة التعاسة، ومع نقصان المسافة تزداد قوة السعادة، إذًا فالهدف الإنساني الذي يحقق العدالة هو السعي من أجل تقليص المسافة بين النقيضين حتى يتقلص أو ينتفي النقيض السلبي. اختيار هذه المعادلة مستنبط من طبيعة العلاقة بين الناس، فكلما قصرت المسافة بينهما ازدادت المحبة بينهما، وكلما زادت المسافة بينهما نقصت أو زالت المحبة بينهما، وإلا فإن العلاقة الجدلية على أرض الواقع بين النقيضين أكثر تعقيدًا وتتضمن عناصر أخرى ذات علاقة بين الطرفين.

فطريًا وذهنيًا سعى الإنسان ومازال يسعى، وقدره أن يسعى، من أجل أن تميل كفة القوة والنجاح لليد التي تمسك بطرف السعادة، على أمل أن يقهر التعاسة ويواصل حياته، القصيرة مهما طالت، بسعادة في ظل لذة الخير. ليس بجديد في هذا الأمر، فإنه من البديهيات وألف باء الحياة. وهذه البديهية تتضمن نتيجة على أرض الواقع، وهي تقدم الإنسان يومًا بعد يوم، عصرًا بعد عصر، وتحسين حاله مع مواصلة مسيرته الوجودية. «التقدم» أضحى سمة ملازمة للإنسان بعد أن أصبح إنسانًا مفكرًا، أي منتجًا ومبدعًا، والإبداع هو كيمياء التقدم. هذا التقدم، بالمعنى المجرد لا خلاف بشأنه، أما واقعيًا فإنه، أي «التقدم»، أمام مفترق طرق، طريق خاص وطريق عام، والقرار في اختيار الطريق أمام الإنسان صاحب القرار الذي يدير شؤون العامة و الخاصة من الناس. أصحاب القرار أمام خيارين، بشأن خيرات التقدم، فهل تكون هذه الخيرات نعمة لعموم الناس، خاصة ممن لا حول لهم ولا قوة، أم لخاصة الناس، ممن تتجمع في يدهم الحول والقوة؟ وهل التقدم الذي تتباهى به حضارتنا معنى بتقصير المسافة بين السعادة والتعاسة وتليين شدة الحبل بين النقيضين، أم أن من بيده القرار يرى نفسه غير معني بواقع النقيضين، وإنه ليس من شأنه ولا مسؤوليته تدارك الهوة، التي تتباعد يومًا بعد يوم، بين النقيضين؟ هذه أسئلة شرعية مبعثها واقع الحال الذي مازالت تزداد فيه المسافة بين النقيضين، وكيف إن التقدم الهائل والمتسارع، في جميع مناحي الحياة، بعد لم يسمح له أصحاب القرار أن تكون خيراته عامة شاملة لكل الناس. ومما يؤسف له أن جانبًا من التقدم، الذي يهلك الزرع و الحرث والإنسان معًا، مركز على تطوير أدوات عدم الثقة وعدم الاطمئنان والكراهية بين الإنسان وأخيه الإنسان (جنون التسلح)، وهذا المنحى من التقدم غير المطلوب إنسانيًا يساهم مساهمة ملموسة وأساسية في تباعد المسافة بين النقيضين في غير صالح السعادة، بل والأدهى أن هذا المنحى يستنزف الاقتصاد ويهلكه بأمراض التضخم والأزمات المالية وزيادة الفجوة بين الذين يملكون والذين لا يملكون، وبالنتيجة زيادة النسبة السكانية من الفقراء وأخوتهم ممن هم دون خط الفقر، أي أن هذا الجانب من التقدم، الذي يخدم سادة السياسة في العالم، يعمل بشكل فعال في العملية الجدلية بين السعادة والتعاسة، ليس فقط من أجل تمكين التعاسة من الإنسان، بل وجعل التعاسة قدر ثابت لا مناص منه. من الملاحظ إنه مع تقدم العلم، تحولت مجالات العلوم إلى تجارة من أجل جني المال وتحقيق خزينة متضخمة من الثروة، ففي مجال الطب أصبح الطبيب تاجرًا، وفي محال الهندسة أصبح المهندس تاجرًا، و في مجال المحاماة أصبح المحامي تاجرًا، وحتى في مجال القضاء هناك من القضاة من يبيع ضميره على حساب العدل من أجل المال، ومن يدعي أنه من حماة الدين كذلك أصبح ملهوفًا على المال… وفي التجارة الغش مهارة ورفع سقف الأسعار حق للبائع على المشتري. هكذا أصبح الحال مع ديناميكية التقدم، فمع التقدم تحولت معظم المهن إلى التجارة. التقدم العلمي والتكنولوجي له صنو اقتصادي يسمى «التنمية»، وجميع دول العالم تتسابق لتحقيق النسبة الأعلى من التنمية، وفي موازاتها يتسابق التجار من سادة المهن على تحقيق أكبر قدر من الثروة بما يتعدى خط المليون إلى ساحة البليون، ومن هم في ساحة البليون عيونهم شاخصة على روضة الترليون… ومن مميزات عصرنا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، أن الحروب أصبحت صناعة، وهذه الصناعة تغذي صناعة السلاح، وصناعة السلاح يحقق التنمية، والتنمية من التقدم، ومع التنمية يزداد وتيرة التقدم… هذه معادلة جديدة لم تعرفها البشرية منذ نشأتها، وهي معادلة، رغم زخمها وقوتها وثرائها، إلا أنها بيد خاصة سعيدة تتقلص على حساب عامة تعيسة تتوسع، ولا ندري ما المدى الزمني لصلاحية هذه المعادلة، لأن لكل معادلة نقطة حرجة ترتد على نفسها، بفعل قانون «تراجع المردود»، وينتج من ثناياها معادلة معاكسة، وقد تكون المعادلة المعاكسة نهاية المعادلات. هذه المعادلة العصرية عبر عنها العالم الشهير، صاحب النظرية النسبية، البرت آينشتاين، عندما قال بألم و حسرة: «إن كلمة (تقدم) لا معنى لها طالما أن هناك أطفالاً محرومون من السعادة»… ونكمل قول آينشتاين بكلمة عن التنمية: «لا معنى لكلمة (تنمية) طالما أن هناك من هم محرومون من الطعام».

التقدم والتنمية زج بهما الإنسان إلى مأزق أخلاقي حرج ومميت، وبعد لم يعٍ أصحاب الحل والربط مدى كارثية هذا المأزق…

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها