النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11801 الجمعة 30 يوليو 2021 الموافق 20 ذو الحجة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

لا يكتمل التعليم الصحيح إلا بالتربية السليمة

رابط مختصر
العدد 11765 الخميس 24 يونيو 2021 الموافق 14 ذو القعدة 1442

منذ أن عرف الإنسان الفرد نفسه، بمعنى أنه منذ أن تطور مخه، المحفوظ في صندوق جمجمته، من مجرد عضو يتحكم في وظائف الجسم، بما في ذلك أحاسيسه الفطرية، إلى بصيص من تحسس الذات ومن ثم إلى وعي الذات، وهي عملية ذهنية لوعي الذات أو التعرف على النفس أخذت من هذا المخ مئات الألوف من السنين. وبعد أن عرف الإنسان ذاته، تحفز عقله للتعرف على من هو وما هو خارج ذاته، وهذا التعرف للذات والسعي للتعرف على الذات الأخرى، والذوات الأخرى التي يخالطها، إذ كان الدرس الأول في مدرسة الحياة بالنسبة للإنسان، وهي مدرسة مخصصة، إلى الآن، فقط للإنسان، ولا ندري إن كانت هذه المدرسة ستفتح ذات يوم أبوابها لأجناس حيوانية أخرى أم أن الطبيعة قد اختارت الإنسان دون غيره من الكائنات، فهذا سر من أسرار الطبيعة إلى يومنا هذا. إذًا فقد نزل الدرس الأول (التعليم) على الإنسان من حيث لا يدري، وهذا الدرس الأول قد فتح له وأمامه آفاقًا واسعة و بدرجات عميقة لتطوير عملية الفكر بوعي، وخدمة الذات (ولادة الأنانية الأولى) من خلال تعلم كيفية البحث والابتكار، وبالأخص من أجل مواجهة الذات الأخرى خارج ذاته، أي بداية الصراع الواعي. وبمعنى أدق، فإن العملية العقلية لتطوير المعرفة و تحسين القدرات كان لها الدور الأساس في صراع الإنسان مع الإنسان، أي التعلم في مرحلة أولية بكر لم يكن فيها لمفهوم الأخلاق وجود… كانت الأخلاق في المراحل الأولى للتعلم خارج وعي الإنسان، أو بالأصح لم يكن لها وجود. عندما اختلط الأنا بالآخر، وبحسب تعبير سارتر في كتابه الفلسفي «الوجود و العدم»، الوجود - لذاته مع الوجود - للغير، تشكلت مجموعة بشرية في إطار شبكة مصلحية ومصيرية مشتركة تعرف بالمجتمع، مجتمع من مجموعة من الأنانيات التي يتوجب عليها أن تتعايش فيما بينها، وهذا التعايش فتح الباب للدرس الثاني، بعد درس التعليم، وهو درس الأخلاق وهو الرابط بين مجموع الأنانيات… الأخلاق، بين المطلق المستحيل والنسبي الواقعي، اقتضى إيجاد نهج عملي لترويض الوجود - لذاته كي يتمكن من التعامل و التعاطي مع شريكه الاجتماعي الوجود - للغير، حفظًا للمصالح المشتركة، فبرز إلى جانب دروس التعليم دروس التربية… وارتبط التعليم بالتربية، منذ أن وعى الإنسان أهمية الأمن الاجتماعي الجمعي منذ فجر التاريخ البشري إلى ما شاء الله من عمر البشر. إن هذا الاستخلاص التربوي بعد التعليمي يشير بكل وضوح إلى أن التعليم بحد ذاته وبمنأى عن التربية لا يمكنه أن يضمن للإنسان مجتمعًا آمنًا، والأمن الاجتماعي هو ثمرة العدل في المجتمع، وهذا ينقلنا إلى المعنى الدقيق للتربية وهو العدل المتبادل بين الأنا والغير، بين الوجود - لذاته والوجود - للغير. الأخلاق، وهو الموضوع المحوري في التربية، كان وما زال موضع اهتمام جميع المفكرين والفلاسفة، ففي مقابلة مع الفيلسوف الفرنسي لوك فيري في مجلة «الفلسفة» الفرنسية في أغسطس 2016  يجيب على سؤال إن كان التعليم يجعلنا أفضل، فيجيب بالنفي القاطع قائلاً: «لا، الثقافة (وهي مخرج التعليم) لم  تمنع أي شخص من أن يكون أحمقًا أو سافلاً. إن الإيمان بكمال الجنس البشري من خلال التعليم هو الوهم العظيم لعصر التنوير»… ويضيف بأن المقولة المشهورة والمنسوبة إلى شاعر فرنسا العظيم فيكتور هوغو بأن «فتح أبواب المدارس يغلق أبواب السجون» بمعنى إن عدد المدارس يتناسب عكسيًا مع عدد السجون، مقولة غير صحيحة، لأن التعليم في غياب التربية لن يجعلنا أفضل، وينادي بضرورة التركيز على مناهج التربية، يقترح بضرورة مساهمة العائلات بالمقام الأول في هذه المهمة التربوية، مؤكدًا أن التعليم يعتبر ناقصًا إذا لم يقم أولياء الأمور بواجبهم التربوي المكمل لواجب المدرسة التعليمي.

الفارق بين التعليم والتربية واسع، فالتعليم هو علاقة بين الإنسان ومجموعة من مواضيع العلم والمعرفة، وهذا أمر ذهني بحت لا علاقة له بالحالات النفسية للإنسان، بينما التربية مجموعة أسس سلوكية وقواعد أخلاقية ومحاذير من أخطاء، وهي مجموعة قيم تفرق بين الخير والشر وبين الفضيلة والرذيلة، وبين ما هو مفيد وما هو مضر، وبين ما هو مقبول ومرفوض اجتماعيًا وانسانيًا، إنها عملية معقدة نتيجة ارتباطها وتجذرها في أعماق النفس البشرية، هذه النفس المتقلبة مع العمر والظرف والحال. العملية التربوية مهمتها تهيئة الإنسان للتعامل مع الإنسان، إنسان متقلب مع إنسان متقلب، وإنسان فرد مع جمع من الناس، في داخل البيت الواحد، في الحي الواحد، والزمالة في المدرسة وفي العمل، والتعامل مع المعارف ومع الغرباء… إنها عملية معقدة جدًا مقارنة بعملية التعليم. الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر أوضح في كتابه «الوجود والعدم» العلاقة الأزلية بين الأنا والآخر، بين الوجود - للذات والوجود - للغير، بسمة «سوء النية»، وهذه السمة هي مسافة عدم الثقة بين إنسان وإنسان آخر. هذه المسافة من عدم الثقة وعدم الاطمئنان هي الأساس في العملية التربوية، والمراد تقصيرها من جهة، وتليين الشدة في أوصالها، ولكن يستحيل تصفيرها، بمعنى إن هذه المسافة، قد تطول و تقصر، تشتد وتلين، ولكنها لن تزول أبدًا، فهي ملازمة للإنسان ملازمة الأنا للذات… مهما كان الإنسان خلوقًا و متواضعًا وخدومًا، ومهما كانت العلاقة وأواصر الصداقة والأخوة والعلاقة العائلية قوية، إلا أن هناك دائمًا مسافة فاصلة، وهذه المسافة هي المعبرة عن جهل كل طرف عن الطرف الآخر بما يخص النوايا المكنونة والأسرار الدفينة، فكل إنسان هو سر بالنسبة للإنسان الآخر. العملية التربوية لا تسعى إلى كشف السر، وهذا مستحيل، ولكن تهيئة الذات حتى لا تفاجأ بالسر.

الفيلسوف الفرنسي، شأنه شأن كل الفلاسفة والتربويين والمفكرين، عندما ينادي بأهمية التربية بجانب التعليم، فإننا لا ندري أي نهج من التربية يعني، هل يقصد التربية من أجل ترسيخ مكارم الأخلاق، أم التربية من أجل التكيف البراغماتي مع الناس في المجتمع بحيث يكون السلوك المتلبس بالأخلاق يصب في صالح الذات دون الآخر… فنحن هنا أمام نهجين متناقضين من التربية، ولكننا نفترض سلفًا وبحسن نية! إن الفيلسوف يقصد من التربية مكارم الأخلاق مع شيء من البراغماتية التي لا تخالف قواعد الأخلاق، وهذا النهج من التربية هو الأكثر تعقيدًا… لا نشك أبدًا إن فيلسوفنا يقصد النهج التربوي الذي يجمع بين مكارم الأخلاق ومحاسن البراغماتية، وبمنتج سلوكي يعزز من نهج العدل بين الناس حتى يحفظ الأمن الاجتماعي… واليوم وقد أصبح العالم مجتمعًا واحدًا، فإن أمن المجتمع الدولي أصبح مهمة تربوية… العلم، بكل ما يحمل من معارف وثقافة ومهارات، إذا لم يقترن بالتربية فإنه قابل أن يحول الإنسان إلى مارد دون حس ولا إحساس، ويصبح كارثة على جنسه البشري.

الأخلاقية الصرفة نهج غير واقعي، والبراغماتية الصرفة نهج غير آمن… في اعتقادنا إن التربية المجدية والآمنة هي الجمع بين الأخلاقية والبراغماتية، هي مزيج النسبية بينهما، بحيث لا يكون النهج الأخلاقي على حساب كرامة الذات ومصالحها، ولا يكون النهج البراغماتي على حساب كرامة الآخر ومصالحه… ولكن الواقع أكثر تعقيدًا من هذه الأفكار والآراء، وهذا لا يعني إغلاق أبواب التربية… أمن المجتمعات الوطنية وأمن المجتمع العالمي رهن بالتربية المجدية والفعالة ذات الطابع الإنساني بجانب مجموعة العلوم الأخرى… كل العلوم في كفة والتربية في كفة أخرى، وميزان العدل بينهما رهن بتساوي الكفتين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها