النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11852 الأحد 19 سبتمبر 2021 الموافق 12 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:37PM
  • العشاء
    7:07PM

كتاب الايام

فاطمة بنت عيسى.. مشعل المخيلة في حياتي المسرحية

رابط مختصر
العدد 11721 الثلاثاء 11 مايو 2021 الموافق 29 رمضان 1442

  •  كنت أسميها فاطمة الغريبة، نظرًا لغرابة حكاياتها وقدرتها الفائقة على حبكها ونسجها

 

في عام 1960، وكان عمري حينها أربع سنوات، تفتحت عيناي اللتان تبدوان في حينها أشبه بعدسة عاكسة لأطياف غير محددة الملامح، على امرأة في العقد الخامس من عمرها، وربما أقل من هذا العمر قليلا، وربما أكثر بقليل، اسمها فاطمة بنت عيسى، كانت تزور بيتنا الكبير القديم الأشبه بالحي الشعبي الصغير، نظرا لكثرة الزائرين الدائمين فيه والعابرين عليه، والكائن بمدينة الرفاع الشرقي، ميلاد رأسي وذاكرتي ومخيلتي، وهي واحدة من الزائرين الدائمين لبيتنا إلى حد اعتقادي أنها والدتي الأخرى أو شقيقة لها بحكم العلاقة التي تربطها بها وبشقيقتها أمينة بنت عيسى، أو قريبة لجدتي من والدي قوت بنت علي بن سالم البنزايد الدوسري، أو ابنة لجدتي الكبرى نورة بنت عبدالله بن حمد، جدة الوالد من أمه، نظرا للعلاقة الحميمة التي تربطها بها في الشأن الحياتي والعملي أيضا، حيث إن الاثنتين تجتمعان في مهنة واحدة وهي مهنة الحياكة، وإن اختلف نوعهما، فالجدة نورة كانت بجانب تربيتها وتجارتها في الأبقار، كانت بارعة في حياكة ثياب (النقدة) والعباءات الفارهة المطرزة بـ(الزري) الأصلي الفريد، والتي لا تباع إلا على بنات ونساء العائلات الخليفية والميسورات، ليس في الرفاعين فحسب وإنما في مدن أخرى في البحرين أيضا، أذكر منها مدينتي المحرق والمنامة وتحديدا (حي الفاضل) وقريتي البديع والزلاق، ذلك أني غالبا ما أكون بصحبتها، أما فاطمة بنت عيسى فكانت تعنى بتفصيل الأزياء النسائية الحديثة في حينها، وأذكر أنني أول مرة في حياتي شاهدت فيها (مانيكان) كان في بيتها الصغير الهادئ الوادع الذي تجد فيه أزياءها الموزعة بعناية في غرفه وأروقته المسقوفة فرصة لمحاورة الجمال. 

هذه المرأة الحاضرة بقوة حضور من أرسى لبنات ميلادي الطرية اللدنة في بيته، كنت أسميها فاطمة الغريبة، نظرا لغرابة حكاياتها وقدرتها الفائقة على حبكها ونسجها وبسرعة تثير الاستغراب فعلا لدى من يراها ويصغي إليها، وكانت مربوعة القامة وسمحة الوجه والمحيا، بل إني أشعر في لحظات، خاصة عندما تضحك أو تسرح بمخيلتها في وصف شكل أو موقف جميل ومبهج، بأن وجهها يكتسي كله بالورد، وأن شفتيها الصغيرتين يتقطر من بين ثغرهما أرقُّ الشهد والشذى، وأن عينيها اللوزيتين الدعجاوين يشع من عمق بئريهما وميض آسر يجذبك نحو ما لم يكن بحسبانك يوما تخيله.

هي فاطمة الغريبة، صديقة عزيزة وغالية ومحبوبة لدى العائلة التي سمح لي العمر بأن أعيش في كنف جدتين بينها، أم لأبي وجدته أيضا، كانت تزور بيتنا يوميا تقريبا، وكانت تجمعني وشقيقاتي موضي ومريم وموزة، وهن الشقيقات الثلاث الأكبر من الشقيقات الثلاث الأخريات اللواتي لم يحالفهن الحظ أن يروها، وأعني بهن (منى وليلى ودينا)، كانت تجمعنا كل مساء، في الشتاء في دارنا الطينية الوسطى والتي غالبا ما تسترخي أمامها بكل هدوء ودعة، كلبتنا الريشية البيضاء التي لا أعرف كيف منحناها اسما ذكوريا وهو (روي)، ربما لأن في اعتقادنا بأن من يحرس البيت من الكلاب لا بد أن يكون ذكرا، ربما، والتي ظلت معنا لما يربو على الأربعة عشر عاما، والتي بكينا عليها عندما ماتت بكاء لا يقل عن بكائنا حزنا وكمدا على أحد أقربائنا، ذلك أنها ماتت غدرا، حيث دسوا لها سم (السرسخ) خارج البيت والتهمته دون أن تدري بأن في هذا السم تكمن نهايتها، أما في الصيف فكانت فاطمة الغريبة تجمعنا على (سِيَمِ) حوشنا الكبير، وهو أشبه بالسرير الذي يضم العائلة كلها وأشبه بالصالة الصيفية الكبيرة المفتوحة التي يلتقي فيها أفراد العائلة، كنا نتحلق حولها بلهفة كبيرة من أجل الاستماع والاستمتاع بحكايات مخيلتها الشعبية التي تتنقل بنا من أسطورة إلى خرافة إلى حكاية هي تؤلفها بمخيلتها المفتوحة على عالم واسع هي تراه ونحن نتخيله.

 وكانت طريقة سرد فاطمة الغريبة للحكايات اليومية ممتعة وشائقة، كانت في أغلب الأحيان تسرح بمخيلتنا إلى عوالم غريبة نوشك أن نراها ونعيشها، وكانت أقرب في طريقة تصورها للحكايات التي تسردها للراوي أو الحكواتي في المسرح، تتكلم قليلا، تصمت بعض الوقت ثم تعود لتنقلنا إلى أحداث أخرى، ونحن، أنا وشقيقاتي نلح عليها، أكملي وماذا بعد؟ تبتسم، تربت على أكتافنا، تعبث بود بيدها في خصلات شعر شقيقاتي، ثم تواصل الحكاية، وكنت أتخيل الحكاية كما لو أنها تجري أمامي على خشبة المسرح.

تستيقظ مخيلتي، يغادرني النوم، تنام شقيقاتي وأنا مازلت فاتحا عيني بسعة محجريهما، تسألني وهي تضحك: لماذا لم تنم بعد؟ أجيبها: أريد حكاية أخرى..

تحثني بود: نم الآن واحلم بحكايتك وغدا قل لي ماذا حلمت.

 كانت كل تفاصيل البيت تشاغب المخيلة وتستفزها على نحت أو كتابة حكايات على غرار حكايات فاطمة الغريبة، حيث لم يعد هناك شي في البيت صامتا أو دون حياة، الفناجين، الأباريق، واستضافتها لضيوف البيت في غياب أهله، القدور والملاعق والأطباق الصغيرة والكبيرة، كانت تشعل نارها على أثافيها وتعد نفسها لوليمة عرس قادم لا محالة، القطط وهي تتمطى كصبايا يكتشفن أنوثتهن للمرة الأولى، العباءات السوداء المطوية بعناية شديدة في غرفة الجدتين نورة وقوت وهي تنتظر الريح الحالمة كي تأخذها نحو أجساد نسوة تحلم بمداعبة ما يغريها على تشكل ملمس أنعم وأرق في بعض حنايا تفاصيلها، القنديل وهو يتجول ليلا في أرجاء البيت باعثا نوره في كل مكان فيه، طيور الحمام الساكنة في ميادين البيت الطينية وهي تتحول إلى طيور ملائكية، كل التفاصيل كانت لها في المخيلة حكايات نسجتها مخيلة فاطمة الغريبة وأودعتها بحب وحنو في خلايا مخيلتي.

لقد رافقتني حكايات فاطمة الغريبة سنوات، رافقتني أحلامي التي أسردها لها إذا حلمت أو أوهمتها أنني حلمت كي أجعلها أكثر قربا مني ومن أحلامي، وأكون أنا شخصيا أقرب إلى مخيلتها الحالمة التي كم أزعجني حينما كبرت بأنني لم أفكر في تدوين حكاياتها التي ربما ستكشف عن موهبة روائية أو قاصة شعبية من الطراز الأول سيتعلم الكثير من الأطفال في وطننا البحرين وفي خليجنا العربي من مخيلتها المفتوحة بلا نهايات على العالم الذي نعيشه والعالم الذي نتخيله، مثلما أزعجني عدم معرفتي للغز راشد المعاق الذي ظل بصحبتها سنوات العمر كله بوصفه ابنها وهو الذي لم يكن من رحمها الذي أنجب آلاف الآلاف من الحكايات الآسرة دون أن ينجب طفلا من دمها ولحمها، ويبدو أنها من بنات الرحمة والرأفة، شأنها في ذلك شأن شقيقتها آمنة بنت عيسى التي تبنت أبناء لم يكونوا من نتاج رحمها الكريم.

وفيما كانت الجدة نورة تشطح بمخيلتي نحو حكايات وألغاز النجوم والأقمار والسحب العابرة على خشبة السماء الواسعة اللامتناهية، كانت فاطمة بنت عيسى تستولد وتستنبت وتستوحي حكاياتها الآسرة من التفاصيل الصغيرة العادية المتناثرة والمبعثرة على الأرض والتي غالبا ما تتجاهل العين أهميتها، وهنا يكمن سرها وسحرها.

فاطمة بنت عيسى (الغريبة) هي مشعل المخيلة الأرضي في حياتي المسرحية، عندما كنت طفلا رافقها ما يربو على الستة أعوام يوميا تقريبا، بل كنت أحيانا أتخيلها وأحلم بها كما لو أنها لم تزل بعد تسكن مخيلتي وأحلامي.

ومن وهج مخيلتها كتبت بعض النصوص المسرحية الموجهة للأطفال، من بينها (القنديل) و(قرنفلة) و(لنه كلنا).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها