النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11879 السبت 16 اكتوبر 2021 الموافق 10 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:09PM
  • العشاء
    6:25PM

كتاب الايام

مجلس التعاون الخليجي والتحدِّي بعد قمة العُلا (1)

رابط مختصر
العدد 11630 الثلاثاء 9 فبراير 2021 الموافق 27 جمادى الآخرة 1442

(مجلس التعاون لدول الخليج العربية) هو التجربة العربية الوحيدة الناجحة في الوطن العربي رغم محاولات إسقاطه في فخ المشاكل، ورغم المؤامرات، ورغم المخاطر والتهديدات التي تعرَّض لها من قِبل دول الإقليم والولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية التي استجابت لبرلماناتها التي وقعت بدورها تحت ضغوط منظمات المجتمع المدني لتغيير أنظمة الحُكم تحت شعارات حماية حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير، وما سبَّبته من عواصف اجتاحت عدد من الدول عام (2011م) فأسقطت عدد من أنظمة الحُكم المستقرِّة، ودمَّرت وقتلت الأبرياء، وأهانت الشعب العربي الذي عبر البحار لاجئاً إلى دول الجنوب الأوروبية، إلا أن دول مجلس التعاون تمكَّنت بفضل تضامنها وتكاتفها من الوقوف أمام هذه العواصف وتجاوزها وحماية شعوبها وكياناتها وسيادتها من التمزّق والتشرذم في بقاع الأرض. 

إن التغيير نحو الديمقراطية والمشاركة الشعبية في الحُكم يسير في طريقه الصحيح بعد أن بدأته كل دولة من دول الخليج حسب ظروفها وأوضاعها وبتدرّج مدروس، نظرًا لاقتناع القادة بضرورة التغيير المتدرّج للوصول إلى الأهداف المتكاملة في القريب المنظور، فإقامة (المدينة الفاضلة) تحتاج إلى وقت وظروف وشعوب قادرة على حماية مكتسباتها وإنجازاتها التي حققتها منذ الاستقلال وحتى اليوم، وما تتطلَّع إليه دول مجلس التعاون -وما هو حاصل فعلاً- بأن هناك دولاً قد أخذت بالكثير من خبرات الدول الأوروبية لتطوير متطلبات حقوق الإنسان في العديد من المرافق والأجهزة فيها. 

كل ما ذكرته أعلاه يوضِّح حقيقة مهمة انطلاقًا من أهمية منطقة الخليج العربي كونها أهم مصدر للطاقة في العالم، وطريقًا تاريخيًا لا يمكن الاستغناء عنه للملاحة والتجارة الدولية في أعالي البحار، مما ضاعف من أهمية دور دول مجلس التعاون مجتمعة في المعادلة الإقليمية والدولية ذات الأبعاد المتعددة، إلا أن المملكة العربية السعودية تبقى وحدها هي المحرِّك الأساسي لهذه المعادلة، ليس في الخليج العربي فقط، وإنما على مستوى العالم ككل، خاصة بعد أن أصبحت عضوًا في مجموعة العشرين، ولذلك فإن العالم مهتم بحل الخلاف بين بعض دول مجلس التعاون الذي استمر منذ (يونيو 2017م وحتى يناير 2021م)، ومن حسن الطالع أن يدرك قادة دول مجلس التعاون أهمية إنهاء هذا الخلاف الذي استشرى في الفضائيات ووسائل الإعلام بصورة حادة أثَّرت على العلاقات بين الشعوب للأسف. 

ويعيدنا هذا الأمر إلى بدايات قيام المجلس الذي كان عبارة عن مشيخات متناثرة على رمال الخليج الساخنة باعدتها الخلافات الحدودية واستلزمت الظروف المحيطة ضرورة توحيد جهودها للوقوف أمام الأطماع الخارجية، وذلك عبر الاتفاق على تأسيس (مجلس التعاون لدول الخليج العربية)، ووضع رؤية خليجية للأمن تأخذ في الاعتبار الأهداف والمصالح الأمنية المشتركة وتقف أمام التحديات والأطماع الإقليمية المحيطة بها، والتي عبَّرت عن نفسها في صور متعدِّدة أبرزها تنامي المشروع الإيراني الطائفي بعد نجاح الثورة الخمينية عام (1979م)، وتبنّي الدستور الإيراني لمبدأ (تصدير الثورة) ونظرية ولاية الفقيه، وتعزيز نفوذ إيران في المنطقة عبر شعارات حماية حقوق الإنسان وحرية التعبير وادّعاء المظلومية، وتدريبها للعناصر الإرهابية لزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، وتسييسها لمواسم الحج بالتخطيط للحوادث الإرهابية والتخريبية وخَلق الفوضى والاضطرابات السياسية والأمنية، وما قامت به من تصرفات خطيرة تجاوزت حدود اللّياقة الدبلوماسية ليتحقَّق لها حلم قيام (الدولة الإسلامية الشيعية الكبرى) على امتداد الوطن العربي. 

ومن هنا كان (أمن دول مجلس التعاون) من القضايا الدائمة والأساسية على جداول أعمال القمم الخليجية واجتماعات وزراء الخارجية والدفاع والداخلية بدول مجلس التعاون، خاصة وأن منطقة الخليج رغم ما تحظى به من نمو اقتصادي هائل إلا أنها لم تشهد استقراراً وأمناً مستمراً، نظراً للحروب والأحداث الكبيرة التي مرَّت بها خلال العقود الماضية وهي: الثورة الإيرانية عام (1979م)، والحرب العراقية الإيرانية عام (1981م)، والغزو العراقي على دولة الكويت عام (1990م)، والغزو الأمريكي على العراق عام (2003م)، وأحداث ما يسمى ب (الربيع العربي) الذي انطلقت شرارته في نهايات عام (2010م)، وما تشهده المنطقة المحيطة بالخليج من توابعه الخطيرة من حروب وصراعات في اليمن وسوريا ولبنان والعراق. 

لذلك يظل (الأمن الخليجي) هاجسًا مستمرًا يلقي بظلاله على العلاقات القائمة بين دول مجلس التعاون بدرجات متفاوتة في الأبعاد السياسية والتاريخية والجغرافية، والتي تعتبر السبب في استمرار العديد من المؤشرات السلبية ذات الصِّلة بالخوف والخشية من انتهاك سيادتها الوطنية وإرادتها السياسية والتي كثيرًا ما طفت على السطح في صور ومواقف سياسية حادة كادت تطيح بمجلس التعاون، إلا أنها تمكَّنت من خلق حالة من الخوف والقلق على هذا الكيان الوحدوي الناجح نتيجة الأزمة التي مرَّت به في (يونيو 2017م) وتداعياتها السلبية اللاحقة. 

فتلك الأزمة لم تكن بسبب موقف قطر الداعم لحكم الإخوان المسلمين في مصر برئاسة محمد مرسي، أو دعم الدول الخليجية الثلاث للنظام المصري بقيادة عبدالفتاح السيسي، أو الخلاف حول المواقف من الأوضاع والتطورات في ليبيا، وإنما بسبب أمر أكبر بكثير جدًا من كل تلك الأمور، وهو خطة تمّ إعدادها بشكل مُحكم بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لإسقاط الأنظمة الخليجية باستخدام (الفوضى الخلاَّقة) ومنح تنظيم الإخوان المسلمين فرصة لحكم الوطن العربي تدريجيًا لتحقيق الديمقراطية بعد أن فشل في تحقيقها الناصريين والبعثيين والشيوعيين منذ خمسينيات القرن الماضي. 

وهذا يؤكِّد بأن دول مجلس التعاون غير متفقة أساسًا على مصدر التهديد الرئيسي لأمنها، حتى تتوصّل إلى مفهوم (الأمن الاستراتيجي)، رغم توقيعها لعدد من الاتفاقيات الأمنيّة والدفاعية بعد فترة قصيرة من قيام مجلس التعاون، واعتماد كل منها منفردة على ترتيبات أمنيّة ودفاعية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ويقف هذا حاجزاً أمام انتقال المجلس من (مرحلة التعاون) إلى (مرحلة الاتحاد) الذي يعدّ تطورًا طبيعيًا لهذا التجمّع السياسي والاقتصادي المهم. 

وللمقال بقية في الأسبوع القادم بإذن الله 

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها