النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

نصف قرن على الخيارات الصعبة لإزالة آثار العدوان!

رابط مختصر
العدد 10284 الإثنين 5 يونيو 2017 الموافق 10 رمضان 1438

كان «عبدالناصر» هو الذي صكّ شعار «إزالة آثار العدوان» حدث ذلك في الرسالة التي وجهها إلى مجلس الأمة المصري يوم 10 يونيو 1967، يبلغه فيها أنه استجابة لإرادة الشعب المصري، والشعوب العربية، التي خرجت جماهيرها في اليوم السابق، ترفض قراره بالتنحي عن رئاسة الجمهورية، قرر أن يبقى في مكانه، إلى أن تتم إزالة آثار العدوان.. فيعود أمر رئاسة الجمهورية إلى الشعب.
وخلال الفترة القصيرة، التي عاشها بعد إطلاق هذا الشعار، ولم تتجاوز ثلاث سنوات، أضاف «عبدالناصر» إليه شعارين آخرين هما «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» و«ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة» لتصوغ هذه الشعارات الثلاثة أحلام الأمة العربية خلال السنوات الست التي فصلت بين هزيمة يونيو 1967، ونصر أكتوبر 1973.
ومنذ ذلك الحين، خاصة بعد زيارة الرئيس «السادات» للقدس المحتلة في خريف 1977، خفت صوت الشعارات الثلاثة تدريجيًا حتى تلاشى، فلم يعد أحد يذكرها، أو يذكّر بها غيره، إلى أن أتمت هزيمة يونيو 1967، في هذا الأسبوع عامها الخمسين، لنكتشف أن معظم آثار العدوان لا تزال قائمة، فالجولان السورية لا تزال محتلة، والضفة الغربية لنهر الأردن تحولت إلى مستوطنات للإسرائيليين، بينما أعلنت إمارة غزة الإسلامية استقلالها تحت الحصار الإسرائيلي، وتحولت سيناء إلى ساحة للحرب بين ما يسمى بـ«الدولة الإسلامية في العراق والشام /‏ داعش» وبين قوات إنفاذ القانون في الجيش المصري، ولا تزال المحادثات تجرى - في كواليس السياسة الدولية - حول إتمام صفقة القرن، التي سوف تزيل ما تبقى من آثار العدوان.. وتسفر عن إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، على حدود 4 يونيو 1967.
خلال نصف القرن الذي انقضى، اختفت - فضلا عن هذه الشعارات الثلاثة - أسماء وتحالفات ودول وكيانات: على الصعيد القومى اختفي من الرؤساء «عبدالناصر» و«السادات» و«مبارك» و«ياسر عرفات» و«الحبيب بورقيبة» و«نور الدين الأناسي» و«حافظ الأسد» و«هواري بومدين» و«جعفر نميري» و«القذافي» ومن الملوك والأمراء «فيصل» و«حسين» و«الحسن الثاني» و«الشيخ زايد» و«عبد الله الصباح».. إلخ، كما اختفت على الساحة الدولية أسماء «كوسيجين» و«بريجفيف» و«جونسون» و«نيكسون» و«كارتر» و«ريجان» و«ديجول» و«تاتشر» و«يارنج».. إلخ، واختفت «جبهة دول الطوق» التي كانت تتشكل من الدول العربية المحيطة بإسرائيل، و«جبهة الصمود والتصدي» التي تشكلت مما كان يوصف آنذاك بالدول العربية الثورية التي قررت أن تواصل العمل لإزالة آثار العدوان، بعد زيارة «السادات» للقدس المحتلة.
وكان جرح الهزيمة لا يزال طريًا، حيث علق المثقفون العرب فأسها في عنق نظم الحكم اللاديمقراطية التي كانت تحكم الوطن العربي، وقيل أيامها إن إزالة آثار العدوان لن تتم إلا إذا استردت الشعوب العربية حرياتها المهدرة، وشاركت في الحكم.. وحين نوقش الأمر في سلسلة من الاجتماعات عقدها مجلس الوزراء المصري لدراسة أسباب الهزيمة، اقترح «عبد الناصر» - استرشادًا بتجربة «كمال أتاتورك» في تركيا- أن ينقسم «الاتحاد الاشتراكي العربي» - وهو التنظيم السياسي الوحيد في مصر أيامها - إلى حزبين أحدهما يحكم، والآخر يعارضه، وأن يستدعى لقيادة حزب المعارضة اثنين من قادة ثورة يوليو 1952، كانا قد تركا السلطة، بسبب اعتراضهما على ما اعتباره أيامها جنوح «عبدالناصر» المفرط إلى اليسار، هما «عبداللطيف البغدادي» و«كمال الدين حسين»، لكن الفكرة وجدت من يعترض عليها بقوة استنادًا إلى أن الحرب ضد عدو يحتل الأرض، تتطلب الوحدة الوطنية، وليس تفتيت الجبهة الداخلية بالصراعات الحزبية، وبالتالي فإن التوقيت الملائم لتنفيذها، يكون بعد إزالة آثار العدوان وليس قبل ذلك!
وكان ذلك ما اقتنع به «عبدالناصر» خاصة بعد مظاهرات الطلاب والعمال، التي اندلعت احتجاجًا على الأحكام المخففة التي صدرت بحق المسؤولين عن الجانب العسكري من الهزيمة، وأسفرت عن إصدار بيان 30 مارس 1968، الذي أمسك العصا من المنتصف، فوعد المصريين بإعادة حرياتهم السياسية إليهم، وبإقامة نظام ديمقراطي أقرب إلى الجمهورية البرلمانية، منه إلى الجمهورية الرئاسية التسلطية التي كانت قائمة، لكن بعد إزالة آثار العدوان.. وليس قبله.
وهكذا وجد المثقفون المصريون، الذين طالبوا بإطلاق الحريات السياسية كوسيلة وحيدة لإزالة آثار العدوان، أنفسهم أمام تنويعة أخرى من الخيارات الصعبة التي فرضت عليهم أن يختاروا بين الحرية السياسية والحرية الاجتماعية، فاختاروا الثانية على أمل أن يقود تحقيقها إلى تحقيق الأولى، فكانت النتيجة هي هزيمة 1967، التي خيرتهم هي الأخرى بين أمرين أحلاهما مرّ: أن يحرروا الأرض أو أن يحرروا إرادتهم السياسية المقيدة!
وكان غريبًا أن أنور السادات - الذي اختاره «عبد الناصر» ليخلفه - لم يجد صعوبة في الموازنة بين المعادلتين ولكن على طريقته، فما كاد ينتصر في 15 مايو 1971 على منافسيه من «ورثة عبد الناصر» في معركة الصراع على السلطة، حتى أصدر دستور 1971، الذي كان مؤجلاً - في بيان 30 مارس 1968 - إلى ما بعد إزالة آثار العدوان، وما كا ينتصر على العدو في حرب 1973، حتى اندفع يعلن أن هذه الحرب، هي آخر الحروب، ويلهث وراء جنى ثمار هذا النصر، مبديًا استعداده لقبوله أقل سعر يعرض عليه ثمنًا له.. ويلوح للذين يحلمون بالديمقراطية بأنه سيتبع سياسة تقوم على الانفتاح الاقتصادي والسياسي.
لكن الرياح جاءت بما لا تشتهي سفينة السادات، الذي أراد أن يلوح بخيار الديمقراطية للغرب، لكي يساعده على إزالة ما لم تزله حرب أكتوبر 1973، من آثار عدوان يونيو 1967، فإذا بثمار الانفراجة الديمقراطية المحدودة التي تحققت في عهده، تنقسم بين الذين حاولوا استغلالها لكي يفرضوا عليه أن يعيد إلى الحياة شعار «ما أخذ بالقوة.. لا يسترد بغير القوة»، والذين رفعوا السلاح ضده، وليس ضد العدو الذي احتل الأرض، لكي يقيموا دولة الخلافة باعتبارها الطريق الوحيد لإزالة آثار العدوان. وكانت النتيجة أن اغتالوه في يوم الاحتفال بالعيد الثامن لنصر أكتوبر، ليجد العرب والفلسطينيون أنفسهم بعد 30 عامًا من رحيله وفي أعقاب ما سمى بـ«ثورات الربيع العربي» أمام طبعة جديدة من خيارات يونيو الصعبة، تفرض عليهم أن يختاروا بين العمل على إزالة آثار العدوان الإسرائيلي، وبين مواجهة عدوان الإرهابيين العرب، الذين يصرون على أن الطريق الوحيد للنصر، هو إبادة دولة الطاغوت، التي لا تقتصر على النظم الحاكمة في العالم العربي والإسلامي، بل وتشمل كذلك كل النظم الكافرة التي تحكم المعمورة. ولم يكن أمام العرب والفلسطينيين مفر من اختيار أهون الشرين، ومن تأجيل إزالة ما تبقى من آثار العدوان، إلى حين إنفاد البشرية من وباء الإرهاب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها