النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12143 الخميس 7 يوليو 2022 الموافق 8 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

البعض يفضلون استبدال الروب الجامعي ببدلة الرقص

رابط مختصر
العدد 10249 الإثنين 1 مايو 2017 الموافق 5 شعبان 1438

أحدث مشاهد الصراع بين «د. منى البرنس»، مدرسة الأدب الإنجليزي بجامعة السويس، وبين الدوائر الأكاديمية المصرية، هو وصلة مصورة من رقصة هز البطن، قامت بأدائها، على سطح البناية التي تسكنها، وبثتها على موقعها الخاص بشبكة الإنترنت، على سبيل التحدي لقرار الجامعة بإحالتها إلى مجلس تأديب لأنها بثت -قبل أسابيع- على الموقع نفسه، صورا فوتوغرافية لها، وهي ترتدي تشكيلة متنوعة من الملابس غير اللائقة -منها لباس البحر، ومقاطع فيديو تصورها وهي ترقص، وهو ما اعتبرته الجامعة- خروجا عن الوقار الذي ينبغى أن يلتزم به الأكاديميون، يزري بمكانتهم أمام المجتمع، ويهز صورة الأستاذ الجامعي أمام طلبته.. وهو منطق رفضته الراقصة الأكاديمية -والذين أيدوا موقفها- انطلاقا من رؤية تقول بأن تدريسها لطلاب الجامعة، لا يصادر حقها في السباحة، وفي ممارسة الرقص البلدي، وغيرها من الحقوق الشخصية، التي يكفلها الدستور لكل مواطن، ويحظر مصادرتها أو التدخل فيها.
وليست «منى البرنس» هي أول امرأة مصرية ترقص، إذ الشائع -في الطبقات المصرية الوسطى وما دونها- أن ترقص أم العروس ليلة زفاف ابنتها.. كما أنها ليست أول أكاديمية تهوى الرقص أو تمارسه، لأن مكان الريادة في هذا المجال تحتله «سوزي خيري» الطالبة في جامعة الإسكندرية -التي كانت أول من حملت في خمسينات القرن الماضي- لقب الراقصة الجامعية، ولن تكون الراقصة «دينا»، هي آخر من تجمع بين درجة الليسانس في الفلسفة من جامعة القاهرة وبين احتراف مهنة الرقص، والفارق بينهما وبين «د. منى» أن كلا منهما أدركت أن الرقص يجلب من المال والشهرة والمكانة الاجتماعية، آلاف الأضعاف، مما تجلبه الدراسة -أو التدريس- في الجامعة، فتفرغت له، كما أدركت أن التقاليد الاجتماعية، التي قبلت بهذه القسمة غير العادلة، بين دخل الراقصة ودخل أستاذة الجامعة، لا تقبل الجمع بين «بدلة الرقص» و«الروب الجامعي» فاحترمتها، وهو ما لم تدركه أو تحترمه «د. منى البرنس» التي قررت أن تتصدى لهذه التقاليد، دفاعا عن الحرية الشخصية التي يكفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتصونها دساتير العالم المتحضر، فكان من المنطقي أن تحال إلى مجلس تأديب قد ينتهي بفصلها من الجامعة، لتدخل تاريخ الرقص، باعتبارها أول راقصة تحصل على درجة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي.
والذي لا شك فيه، هو أن «د. منى البرنس»، قررت، مع سبق الإصرار والترصد، أن تخوض هذه المعركة الخاسرة، إذ أن أحدا من خصومها لم يعترض على ممارستها لحريتها الشخصية، بما في ذلك حقها في أن ترتدي ما تشاء من ملابس، سواء كانت قميص نوم أو لباس بحر أو بدلة رقص، طالما تفعل ذلك في مكان خاص بها، لكن الاعتراض نشأ حين قررت أن تعلن عن ممارستها لهذه الحرية على الملأ، وأن تبث صورتها الثابتة والمتحركة على وسائل التواصل الاجتماعي، فأهدرت بذلك حقها في الخصوصية، وهو أحد الحقوق التي يكفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لكل مواطن، وأتاحت للآخرين أن يتدخلوا في حريتها الشخصية، انطلاقا من نص صريح في هذا الإعلان، يقضي بأن تمارس كل الحقوق والحريات الواردة فيه، في إطار الثقافة العامة السائدة في كل مجتمع.. وهي ثقافة تقيد حرية الفرد، في أن يرتدي ما يشاء من ملابس بقيود تتفاوت من مجتمع لآخر، ويرتبط بعضها بالمهنة التي يمارسها، فالعاملون في المؤسسات الدبلوماسية والعسكرية والشرطية، يجبرون على ارتداء أزياء معينة، والمحامون يجبرون على ارتداء روب المحاماة حين يمثلون أمام القضاة، الذين يلتزمون بارتداء وشاح خاص أثناء نظر القضايا، ويلتزمون طواعية بعدم التردد على أماكن بعينها -ومنها الكباريهات والحانات- أو الالتقاء بالمتهمين الذين يحاكمون أمامهم أو يكونون طرفا في دعوى ينظرونها.. وأساتذة الجامعات يجبرون على ارتداء الروب الجامعي في بعض المناسبات، ومن التقاليد الجامعية الراسخة، أن يتجنبوا طواعية الجلوس في الأماكن المثيرة للشبهات.
صحيح أن الرقص، قد أصبح الآن من بين ما يدرسه طلاب بعض الجامعات، وأن هناك معهدا لرقص الباليه ضمن معاهد أكاديمية الفنون المصرية، ولكنه نوع من الرقص يختلف عن الرقص البلدي، أو رقص هز البطن الذي قررت «د. منى البرنس» أن تستعرض هوايتها له أمام طلابها على شبكة الإنترنت، والذي تفرغت الراقصة «دينا» لتدريسه لفريق من الفتيات الأجانب، اللواتي أقبلن على تعلمه، باعتباره من مشهيات الطعام الذي تقدمه المطاعم العربية في أوروبا لروادها من السائحين والمقيمين العرب.
ما فات على «د. منى البرنس» هو أن الحريات الشخصية، ليست وحدها ما ينقص العرب من بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأن حق الأكاديميين منهم، في ممارسة رقص هز البطن فوق أسطح البنايات التي يسكنون فيها، ليست من بين الحريات الأكاديمية الكثيرة التي يفتقدونها في جامعاتهم، وأن هناك مجالات كثيرة وواسعة لحقوق الإنسان العربي الضائعة، تستحق أن تضعها تحت رعايتها، وأن تمارس شجاعتها في تحدي الجامعة والمجتمع، إلى حد المخاطرة بوظيفتها الجامعية، بالدفاع عنها، وأن تدرك أن ما ينقص معظم النساء المصريات والعرب ليس حقهن في هز البطن، ولكن حقهن في ملء المعدة بالطعام لهن ولأطفالهن، وفي التعليم والعمل والمساواة أمام القانون، وفي وطن مستقر ترفرف في سماواته رايات الحرية والعدل.
ولو أنها تنبهت لشيء من هذا، لما أساء كثيرون الظن بها، إذ بدت لهم وكأنها تفضل استبدال الروب الجامعي ببدلة الرقص!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها