النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

فاتن حمامة.. وحيوان الترسا الذي أوشك على الانقراض

رابط مختصر
العدد 10004 الإثنين 29 أغسطس 2016 الموافق 26 ذي القعدة 1437

منذ أسابيع، وبعد عشرة أشهر من التقاضي، أصدرت محكمة القضاء الإداري بمحافظة القليوبية شمال القاهرة، حكمها في الدعوى التي أقامها فريق من أهالي قرية «ترسا» بإلغاء قرار محافظ الإقليم، بإطلاق اسم الفنانة «فاتن حمامة» على مجمع يضم ثلاث مدارس تجمع بين الجنسين وبين مراحل التعليم الثلاث، وقررت إعادته إلى الاسم القديم له، وهو «مجمع مدارس ترسا»، وقالت المحكمة في حيثيات حكمها إن العرف قد جرى على إطلاق أسماء العلماء والأدباء والسياسيين وشهداء الوطن على المدارس.. وخرج أهالي القرية في مظاهرات حاشدة يحتفلون بهذا النصر العظيم، ولم يفكر محافظ الإقليم - الذي صدر الحكم ضد قرار أصدره سلفه - في استئنافه، أو الاستشكال في تنفيذه، وقرر أن يشترى دماغه وأن يرضي الرأي العام في محافظته، فأمر بتنفيذ الحكم على الفور.
وكانت القضية قد أثارت جدلاً إعلاميًا واسعًا، عندما تواترت أنباؤها قبل شهور، ليس فقط لأن هذه هي أول مرة يتظاهر فيها المواطنون في إحدى القرى لمثل هذا السبب، على كثرة الأسباب التي قد تدعوهم إلى هذا التظاهر، لكن - كذلك - لأن الحيثيات التي استند إليها طلاب وطالبات هذا المجمع المدرسي وأهاليهم في الاعتراض على الاسم وصرحوا بها علانية في تحقيق تليفزيونى ذهبت أن تسمية المدرسة بهذا الاسم تسيء إلى سمعتهم وسمعة بناتهم، لأنه اسم يوحي بأنهن قد تخرجن في مدرسة للرقص، ووصل الأمر إلى حد أن أولياء أمور بعض الطالبات، هددوا بمنع بناتهن من مواصلة الدراسة في مدرسة تحمل اسم «فاتن حمامة»!
نحن إذن أمام بعث لظاهرة شاعت بين الأقسام المتخلفة من المجتمعات العربية، في بداية عصر النهضة الحديثة، حين صدمتها مظاهر الحضارة التي وصلت إليها متأخرة، لذلك نظرت باحتقار إلى مهن مثل الصحافة والمحاماة والتمثيل والغناء، ولم يكن غريبًا آنذاك، أن يرفض الشيخ عبد الخالق السادات - نقيب الأشراف - تزويج ابنته «صفية» بالشيخ «على يوسف» - أشهر الصحفيين العرب في زمنه - لأنه يعمل بمهنة «من أخس المهن وأدنئها» هى الصحافة، أو أن يطلق على المحامي وصف «السفيه» أو «المزور»، ويوصف الممثل - من باب التهوين من شأنه - بـ «المشخصاتي» ويعرف المغني بأنه «آلاتي» والمغنية بـ «العالمة».. وهي نظرة تغيرت مع الزمن، فحصل «على يوسف» و«فكري أباظة» وآخرون من الصحفيين على رتبة «الباشوية»، وقاد محامون مثل «سعد زغلول» و«مصطفي النحاس» أدوارًا من الحركة الوطنية وتولوا رئاسة الوزراء، واشتغل عدد من أبناء أكبر الأسر بالتشخيص، كان من بينهم «يوسف وهبي» و«سليمان نجيب» وترك ضباط كبار في الجيش والشرطة وظائفهم المرموقة، ليعملوا بالتشخيص كان من بينهم «أحمد مظهر» و«صلاح ذو الفقار» وحصلت «عالمة» مثل «أم كلثوم» على وسام أعطاها الحق في أن تحمل لقب «صاحبة العصمة»!
وكان من بين مظاهر التطور التي رفعت المكانة الاجتماعية لمن يشتغلون بالفنون، أن الحكومات العربية بدأت تعترف بها، وترسل الموهوبين منهم إلى المعاهد والجامعات الأوروبية لكي يدرسوا بها، وتؤسس معاهد محلية لتدريسها، حتى أصبح في بلد مثل مصر، أكاديمية للفنون تضم عددًا من المعاهد للموسيقى والسينما والمسرح والفنون التشكيلية والتمثيل وغيرها.. وتمنح درجات علمية رفيعة كالماجستير والدكتوراه، فضلاً عن الجوائز والأوسمة التي تمنحها للمتميزين منهم.. وأصبحت كل دول العالم تدرك أن الفنون هي جزء من القوة الناعمة لكل منها، فضلاً عن أنها صناعة تدر موارد اقتصادية على هذه الدولة، وصلت إلى أن أصبحت معه الأفلام السينمائية - في مرحلة من المراحل - هي المصدر الثاني لدخل مصر بعد القطن!
ما أدهشني أن دفاع المحافظ، لم يستند في رده على الذين أقاموا الدعوى، إلى حقيقة أن «فاتن حمامة» كانت من بين خريجي الدفعة الأولى من المعهد العالي للتمثيل، وأن التمثيل هو من بين العلوم والفنون التي تدخل تحت مظلة منظومة التعليم في البلاد، وأن أسماء فنانين كثيرين أطلقت على شوارع ومتاحف وأقيمت لبعضهم تماثيل في الميادين العامة لمدن كبرى.
ولا تفسير لما حدث إلا أن الذين نظموا هذه المظاهرات، ينتمون إلى تيارات دينية متشددة، تذهب إلى أن التمثيل فن وثني وأنه نوع من الكذب المنهي عنه شرعًا، وهي رؤية متزمتة، تعيدنا إلى الخلف خطوات ولا يأخذ بها المعتدلون من الفقهاء الذين يذهبون إلى أن التمثيل في ذاته، ليس حرامًا، ولكن المهم هو مضمونه وبالتالي فإن حلاله حلال وحرامه حرام.
ولو توقف هؤلاء أمام معظم أفلام «فاتن حمامة» لأدركوا أنها احتلت مكانتها في قلوب جمهور السينما، لأنها لعبت في هذه الأفلام دور الفتاة الطيبة البريئة، التي تتعرض لشراك ومكائد يضعها في طريقها الأشرار، لكنها تقاومهم بفطرتها السليمة، وبمعاونة الطيبين والأخيار الذين تسوقهم الأقدار إليها، وتنتصر عليهم في النهاية، ليتصاعد تصفيق الجمهور الذي انحاز إليها منذ أول مشهد، تعبيرًا عن فرحته بانتصار الخير على الشر!
ولأن «فاتن حمامة» كانت «أم الخير» على الشاشة، فقد كان من الأفضل لطلاب «مجمع مدارس ترسا» أن يحتفظوا باسمها، وأن يقتدوا برسالة الخير التي تحملها أدوارها السينمائية، بدلاً من التمسك باسم «ترسا» الذي أعادهم الحكم القضائي إليه، وهو اسم لحيوان بحري يتوهم الذين يصطادونه أن شرب دمائه يجدد الحيوية، لذلك حظرت السلطات صيده لأنه أوشك على الانقراض!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها