النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11925 الأربعاء 1 ديسمبر 2021 الموافق 26 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:44AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

من بيع أدوات الحلاقة إلى وكلاء أشهر السيارات

رابط مختصر
العدد 9903 الجمعة 20 مايو 2016 الموافق 13 شعبان 1437

كما أسلفنا في الجزء الأول من مقالنا عن آل زياني الكرام فإن مسيرتهم في عالم التجارة والثراء لم تكن سهلة. فقد ورث الشيخ عبدالرحمن الزياني عن والده المرحوم الشيخ عبدالوهاب بن حجي الزياني ديونا هائلة، ومسؤولية إعالة عائلة كبيرة، الأمر الذي جعله في حيرة من أمره لجهة كيفية تجاوز تلك التركة الثقيلة. وهو لئن اتكل على الله وكافح سنوات طويلة من أجل أن يزيح عن كاهله ذلك العبء، فإنه لم يكن مستعدا للتنازل عن هيبته ومكانته كتاجر لؤلؤ، وخوض ميدان الاتجار بالسلع الاستهلاكية على نحو ما كان يفعله التجار الهنود واليهود في البحرين. لذا ترك المهمة لابنائه الثلاثة راشد وأحمد وجاسم، الذين دخلوا ذلك الميدان بحماس وعملوا كل ما في وسعهم لاستعادة مكانة العائلة وسمعتها وسط التجار وعلية القوم، إلى أن منّ الله عليهم برزق وفير.

 


كانت خطة الإخوان الثلاثة من آل زياني قبل رحيل والدهم المفاجئ في لندن في عام 1977 إحداث نقلة نوعية في تجارتهم التي كانت حتى ذلك التاريخ منحصرة في استيراد وبيع طائفة من الكماليات كأدوات الحلاقة ولوازم الحمامات والملابس والأحذية والأدوات المكتبية والقرطاسيات والأثاث وخلافها كما أخبرنا الابن الأكبر راشد الزياني في كتابه «ذكريات وتاريخ»، والابن الأصغر جاسم الزياني في كتابه «الشركة العائلية، سيرة وتجربة عملية».

 


أما عن النقلة فقد كانت الاتجاه صوب تجارة السيارات، وفي هذا السياق يخبرنا راشد في الصفحات من 193 إلى 197 من كتابه سالف الذكر ما معناه أن السيارات الأمريكية من أنواع فورد وشفروليه وكرايسلر وبليموث ودوج هي التي كانت تحتكر سوق السيارات في البحرين، وهي التي كان يوجد لها وكلاء في البلاد، «فالتفتنا إلى اوروبا، وراسلنا شركة أوستن الانجليزية في عام 1946 أي بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها» حيث كانت بريطانيا مهتمة كثيرًا وقتذاك بتصدير بضائع مصانعها وكسب الأسواق العالمية.

 

 


هكذا استحوذ الزياني على وكالة سيارات اوستن، ووصلت الدفعة الأولى منها إلى البحرين، وتم عرضها «في الشارع بجوار حائط مخازن الجمارك الممتدة آنذاك من شارع التجار وحتى باب البحرين الحالي والتي حولتْ فيما بعد إلى متاجر». ثم تم استيراد الشاحنات والحافلات من نفس النوع. وسرعان ما زاد الإقبال عليها من بعد تردد وامتناع بسبب اعتياد الناس على السيارات الامريكية الفارهة قياسا بسيارات أوستن الصغيرة، خصوصا بعدما سمع الناس عن توفير الزياني لكافة قطع الغيار وتقديم خدمات الصيانة تحت إشراف خبير بريطاني. غير أن عملية إقناع المسؤولين الإنجليز في البحرين بشراء تلك السيارات للدوائر الحكومية لم تكن عملية سهلة في ظل وجود تعليمات باستيرادها مباشرة من بريطانيا. يقول راشد الزياني انه تمكن بعد جهد جهيد من إقناع مستشار حكومة البحرين سير تشارلز بلغريف بضرورة التعاون معه لجهة توفير السيارات والناقلات والشاحنات والحافلات من نوع اوستن الانجليزي للدولة، فكان له ما أراد.


ويشير راشد الزياني في الصفحات من 197 إلى 199 من كتابه إلى قصة تمددهم إلى اسواق قطر والكويت والبصرة لتسويق سيارات أوستن من بعد نجاحها في البحرين، فيخبرنا كيف أنه وقع اتفاقية موثقة لدى دار الاعتماد البريطاني مع الوجيه القطري عبدالله الدرويش لتوريد سيارات وشاحنات أوستن لبيعها شراكة في قطر، غير ان الدرويش لم يحترم الاتفاقية وحاول الاستئثار بالوكالة لنفسه، وكيف أن الأمر تكرر في الكويت مع أحد التجار الكويتيين (عبدالله العلي العبدالوهاب)، وكيف أن التاجر الوحيد الذي احترم تعهداته مع الزياني كان عبدالعزيز البسام وأولاده الذي جرى الاتفاق معه على وكالة أوستن في البصرة.
ويروي جاسم الزياني قصة استحواذ عائلته على وكالة سيارات أوستن بطريقة مختلفة.

إذ يقول في الصفحات من 88 إلى 90 من كتابه آنف الذكر إن الفكرة راودته شخصيا حينما كان يدرس في الهند ويتنقل ويتنزه مع صديق هندي كان يقود سيارة من نوع أوستن، فما أن عاد من الهند إلا واتصل بالبريطانيين في البحرين طالبا منهم تزويده بعنوان الشركة المصنعة، ثم طلب من كاتب الرسائل الهندي «مفيز» كتابة رسالة إلى شركة أوستن يخبرهم فيها برغبة الزياني في الحصول على الوكالة الحصرية. ويضيف بتصرف: «جاءني الجواب بالموافقة الأولية على طلبي وإرسال الكتالوجات الخاصة بموديلات السيارات المتوفرة لدى الشركة وهي ثلاثة أحجام: أوستن 8 الصغيرة، أوستن 10 المتوسطة، اوستن 12 الكبيرة، وما كان مني إلا أن طلبتُ ثلاث سيارات، واحدة من كل حجم». ويستطرد فيقول إنه أخذ السيارات إلى سافرة لعرضها على الحاكم المغفور له الشيخ سلمان بن حمد، الذي لم يعجب بها بسبب صغرها، «غير أننا ما لبثنا ان بعنا السيارات الثلاث وطلبنا دفعات جديدة وأصبحت الأوستن معروفة ومطلوبة».


في مكان آخر من كتابه يخبرنا جاسم الزياني أنه كان يطالع الصحف الإنجليزية بسبب تعلمه وإجادته الإنجليزية في الهند، وأنه ذات مرة لفت نظره إعلانا عن سيارات اللاندروفر ذات الدفع الرباعي والمناسبة للمناطق الصحراوية والطرقات الرملية في الخليج فقرر أن يكاتب الشركة المصنعة للحصول على وكالتها في البحرين مع طلب بإرسال سيارة واحدة بقصد التجربة. ويقول جاسم مستطردا إن السيارة وصلت بالفعل، وأخذها إلى عظمة حاكم البلاد فأعجب بها كثيرا وحجزها فورا طالبا ألا تـُباع لسواه، الأمر الذي أسعد الشيخ عبدالرحمن الزياني كثيرا خصوصا بعدما دعاه الحاكم لمأدبة عشاء بهذه المناسبة، وهو الأمر نفسه الذي جعل جاسم ــ حسب قوله في الصفحة 95 من كتابه - يولع بتجارة السيارات ويخصص لنفسه مكتبًا في قسم الصيانة وقطع الغيار.


ومن الأشياء التي أتى جاسم الزياني على ذكرها دور أخيه أحمد في ازدهار تجارة الزياني للسيارات. ذلك ان أحمد بعد عودته من الهند للاستقرار في البحرين كان هو صاحب فكرة الإتيان بمهندس بريطاني ليكون مسئولا عن قسم صيانة سيارات الأوستن واللاندروفر الذي تم افتتاحه في منطقة النعيم بالمنامة. وقد وصل البريطاني بالفعل من الهند وتم اسكانه مع زوجته في بيت «الزياينه» بفريج العوضية. يقول جاسم في هذا السياق (بتصرف): «باستلام المهندس البريطاني لعمله اصبح الناس يقولون إن لدى الزياني مهندس بريطاني، وبالتالي فمستوى الصيانة لديه أفضل من غيره من تجار السيارات، ويرددون ذلك بعجب لأن البريطاني، السيد المستعمر لكثير من البلدان، تحول إلى مستخدم عند مواطن بحريني».


أما راشد الزياني فيقول إنه في عام 48 - 1949 قام بمراسلة شركة روفر البريطانية التي كانت قد بدأت تصنيع اللاندروفر بهدف الحصول على وكالتها في كل منطقة الخليج، ما عدا الكويت حيث كان وكيلها آنذاك شركة يوسف الغانم، ثم يخبرنا عن الصعوبات التي واجهته في الدخول إلى أسواق الإمارات التي راهن عليها كثيرا بسبب صلاحية اللاندروفر لطرقاتها الصحراوية والرملية، فيتطرق اولا إلى أحوال دبي آنذاك لجهة افتقارها إلى الماء والكهرباء والشوارع المرصوفة والمباني الحديثة والفنادق الفخمة، لكنه يشدد على أن حاكمها وقتذاك سمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم كان يسعى جاهدا لتطويرها بالرغم من إمكانياته المحدودة، ثم يبين الزياني كيف أنه اتفق مع تاجر كويتي يقطن دبي على تمثيل شركة الزياني هناك فيما يتعلق بتسويق اللاندروفر، وكيف أن هذا التاجر نجح في الاستحواذ على الوكالة لنفسه ودبر الدسائس كي يحول دون مباشرة الزياني للعمل عبر محل خاص بهم في دبي إلى أن قام الشيخ راشد بإزالة كافة العوائق امامهم، بل بدأ في تشجيعهم وشراء اللاندروفر من عندهم، متجاهلاً التاجر الكويتي الطامع. ومع انتشار اللاندروفر في دبي وافتتاح كراج خاص لها واكتسابها سمعة طيبة، راح أهل دبي يطلقون عليها اسم «جيب الزياني» أو «الجيب الانقريزي»، وبعضهم كان يقول: «شوف الملعون الزياني شيسوي»! وفي ابوظبي تحقق للزياني نجاح مماثل وربما أكبر بسبب حاجة الإمارة في الستينات لسيارات اللاندروفر المناسبة لطبيعتها القاحلة وقتذاك، فقد استقبل المرحوم الشيخ شخبوط بن سلطان بنفسه راشد الزياني، وأخذه معه لرؤية مجموعة من الدكاكين كان يمتلكها سموه في السوق، وقال له: «اختر ايا منها ونحن نأمر بتفريغها لكم». ليس هذا فقط، بل أصر الشيخ شخبوط ان يفتتح محلات الزياني بنفسه وأن يكون أول زبون يشتري منها، ومن بعده أنجاله وحاشيته.


لم تمنع الخلافات التي حدثت بين الزياني وعبدالله الدرويش فيما يتعلق بوكالة سيارات أوستن من عودة الزياني إلى قطر مرة أخرى لتسويق اللاندروفر. يقول راشد الزياني إنهم دخلوا في شراكة مع احد الشيوخ من آل ثاني لبيع سيارات اللاندروفر وبضائع أخرى كالثلاجات والمضخات، على أن تكون الإدارة للزياني فقط، وأن الأمور سارت على ما يرام رغم تدخلات الحاسدين والطامعين إلى أن تعرّض الشريك القطري لحادث مروري، فأثر ذلك على حركة الاتصالات بين الشريكين، «فتخارجنا من الشراكة معه بصورة ودية ولله الحمد». لكن جاسم الزياني يقول إنه هو الذي ذهب إلى الدوحة بأمر من والده لتوكيل من يمثلهم هناك في تسويق اللاندروفر، فوقع اتفاقية بهذا الخصوص مع خالد محمد المانع الذي - بحسب قوله - كان «من تجار اللؤلؤ المعروفين الذين تربطهم بالوالد علاقة صداقة ويتردد على زيارته في البحرين». ثم يضيف في الصفحة 139 من كتابه ان الشيخ احمد بن محمد آل ثاني الذي كانت تربطه بوالده علاقة وطيدة طلب ان تُسحب الوكالة من المانع وتمنح له، فتم الاتفاق ان يكون بمثابة كفيل للزياني في قطر مقابل حصوله على مكافأة سنوية. ثم حدثت تدخلات من أبناء الشيخ في أعمال الشركة التي لم يساهم والدهم فيها بأي مبلغ، مما دفع الزياني الى تصفية شراكتهم مع الشيخ في نهاية المطاف وترك قطر في عام 1980.


قلنا إن وكالة اللاندروفر في الكويت كانت لشركة الغانم التي كانت في الوقت نفسه وكيلة لمنتجات جنرال موتورز، لكن نظرا لعدم اهتمام الغانم بتسويق اللاندروفر، وإلحاح شركة روفر على الزياني لضم الكويت إلى منطقتهم، وبعدما جاء مسؤولو روفر بموافقة خطية من الغانم يبدون فيها تنازلهم عن الوكالة، آلت الأخيرة إلى الزياني فنجحوا في السوق الكويتية كنجاحهم في الأسواق الخليجية الأخرى.


تمدد الزياني بوكالة اللاندروفر إلى سلطنة عمان عبر الشراكة مع الوجيه جعفر عبدالرحيم الدرويش، حيث قام جاسم الزياني، كما يروي في الصفحات من 103 إلى 105، بالسفر بحرًا إلى مسقط لهذا الغرض حاملاً رسالة توصية إلى السلطات العمانية لتسهيل مهمته من الشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة الذي كانت له علاقة طيبة بالسلطان سعيد بن تيمور؛ لأنه كان كثير السفر إلى الهند، وكان بالتالي يمر بمسقط في طريق ذهابه وعودته.


أما في السعودية فقد اتجهت أنظار الزياني في عام 1950 إلى إنشاء فرع لشركتهم في مدينة الخبر، مستهدفين بالدرجة الأولى بيع سياراتهم من نوع اللاندروفر على شركة أرامكو التي كانت وقتذاك في بدايات أعمالها وفي حاجة لمثل تلك السيارات في عملياتها الاستكشافية في الصحراء. ويتذكر راشد الزياني في الصفحات من 218 إلى 219 من كتابه أن القوانين لم تكن تسمح لغير السعودي بالتملك، فأرسلوا رسالة إلى الأمير (الملك) فيصل طالبين الموافقة من سموه على تملك قطعة أرض في الخبر لإنشاء صالة عرض لسيارات اللاندروفر، فلم تمض أيام وإلا والموافقة تصلهم من الرياض عبر إمارة المنطقة الشرقية. كما يتذكر أن بيع اللاندروفر على أرامكو لم يكن سهلاً في ظل تفضيل مسؤوليها الأمريكان للسيارات الامريكية، مثلما كانت عملية إقناع المسؤولين الانجليز في البحرين بشراء السيارات والحافلات والشاحنات منهم بدلاً من استيرادها من المصنّع في إنجلترا صعبة.


جملة القول إن الزياني وطدوا أقدامهم في الأسواق الخليجية لجهة تمثيل وتسويق سيارات الأوستن ثم اللاندروفر، وأتبعوها بالاستحواذ على وكالة سيارات الرولز رويس الفاخرة التي لم تكن معروفة في البحرين والخليج، ولم يكن لها وكيل قبل سنوات الحرب العالمية الثانية، بل أقنعوا منتجي هذا النوع من السيارات الانجليزية على إدخال تحسينات عليها لجهة الديكورات الداخلية والتكييف وقوة المكائن والمكابح كي تبدو أقرب إلى رفاهية السيارات الأمريكية التي اعتاد عليها مواطنو الخليج. وفي الخمسينات أضافوا إلى توكيلاتهم وكالة سيارات كرايسلر الأمريكية بأقسامها المختلفة بعدما تخلى عنها المرحوم الشيخ عبدالرحمن القصيبي بسبب تركيزه على اعماله التجارية المتنوعة في المملكة العربية السعودية. وفي السبيعات استحوذوا على وكالة سيارات بي إم دبليو الألمانية، واتبعوها بوكالة سيارات ميتسوبيشي اليابانية. هذا إلى جانب إسهاماتهم في نهضة البحرين الاقتصادية من خلال قطاعات الفندقة والمصارف والتأمين والاستشفاء وصناعة البلاستيك.


ومما يجدر بنا ذكره في الخاتمة أن النجاحات التي حققتها شركة عبدالرحمن الزياني وأولاده على مدى 45 عاما (1941 - 1975) كانت بسبب هيبة صاحبها وادراكه لمقومات الشركة العائلية وأهمية التوثيق الشرعي لها كي يتساوى الشركاء الاربعة ويسد أي ثغرة قد تأتي منها رياح الفرقة. لكن بتقاعد المؤسس الشيخ عبدالرحمن عن العمل قبل وفاته بخمس سنوات، دبّت الخلافات بين الأبناء حول المزايا والمخصصات وطرق الإدارة. ويقول الابن جاسم إن والده تنبّه إلى ما كان يحدث فقرر توزيع وحدات الشركة، بحيث يختص كل ابن شريك بوحدة ما.

غير أن هذا القرار لم يفضِ إلى حسم للخلافات والتباينات رغم اللجوء إلى التحكيم، وتدخل الوسطاء الذين كان من بينهم الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، وذلك بسبب تعدد الأنشطة وتمددها إلى مختلف الدول الخليجية وتضمنها وكالات كبرى لأشهر السيارات والمعدات. وهكذا لم تتم تسوية النزاع بانقسام الشركة العريقة إلى ثلاث شركات تقاسمت موجودات الشركة الأم إلا بعد حادثة وفاة الوالد المؤسس التي أثرت في نفوس أبنائه الثلاثة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها