النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11927 الجمعة 3 ديسمبر 2021 الموافق 28 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:45AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

شيخ المقاولين البحرينيين وقدوتهم المُلهمة (2 من 2)

رابط مختصر
العدد 9595 الجمعة 17 يوليو 2015 الموافق غرة شوال 1436

صورته مبتسما كعادته بين صورتين له مع سمو الأمير الراحل وسمو رئيس الوزراء الموقر حفظه الله

نواصل ما بدأناه في الاسبوع الماضي من إبحار وغوص في أعماق السيرة الذاتية لواحد من رجال الأعمال والصناعة العصاميين في البحرين، ألا وهو المغفور له بإذن الله تعالى الوجيه عبدالله أحمد ناس (1936 2013)، وذلك بمناسبة قرب حلول الذكرى الثانية لرحيله عن دنيانا. قلنا أن طموح الراحل في بناء نفسه بنفسه جعله يترك البحرين في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، وهو في سن السادسة عشرة، متوجها إلى المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية للبحث عن فرصة عمل مجزية، شأنه في ذلك شأن بحرينيين كثر ممن ذهبوا إلى الجارة الشقيقة في تلك الحقبة التي تميزت بكثرة الفرص المتاحة كنتيجة طبيعية لاستثمار موارد النفط في أعمال التنمية والبناء والتشييد وتطوير الخدمات العامة. كما قلنا أن الرجل بدأ مسيرته في السعودية مع شركة أرامكو، ثم انتقل للعمل مع شركة سعودية للمقاولات، كانت تقوم ببعض الأعمال من الباطن لصالح أرامكو. في هذه الشركة التي كانت تُدعى «شركة النصر للمقاولات»، ذاق الرجل الأمرين لأنه كان مكلفا بعمل كل شيء، فهو المدير والمحاسب والمحصل والسائق ومدقق العطاءات وموزع الأجور على العمال وغير ذلك، الأمر الذي استلزم منه ساعات عمل طويلة في النهار والليل مقابل راتب شهري لم يتجاوز الثلاثمائة ريال.
غير أنّ «عبدالله ناس» استطاع، من خلال عمله مع شركة النصر السعودية، أنْ يبني لنفسه سمعة طيبة في مجال إدارة الشركات، وفي قطاع المقاولات بصفة عامة، الأمر الذي مهّد أمامه الدخول كمساهم رئيسي في شركة سعودية أخرى هي «شركة أحمد محمود الصوفي» للمقاولات، قبل أنْ ينفصل عن الأخيرة ويؤسس عمله الخاص في السعودية في عام 1958 والذي منحه المزيد من النجاحات والسمعة الطيبة وثقة الناس.
في عام 1962 كان «عبدالله ناس» على موعد مع إنعطافة كبرى في مسيرته العملية، ففيه عاد إلى البحرين محملا بتجربة ثرية وثقة كبيرة في النفس، وقدرة على الصبر والجلد. أمضى الرجل الأشهر الثلاثة الأولى بعد عودته إلى وطنه في دراسة سوق العمل، مع تنفيذ بعض أعمال المقاولات الصغيرة التي كان له خبرة فيها، والتي منحته بعض الأرباح. في العام التالي، أي في عام 1963، بدأ رحلة الألف ميل في قطاع المقاولات والإنشاءات في البحرين، حيث حصل أولا على ترخيص تجاري يخوله تأسيس شركة مقاولات خاصة، ثم قام بتأسيس الشركة برأسمال مقداره ألفا دينار، ساهم والده فيه بألف دينار بينما ساهم هو بمبلغ خمسمائة دينار، وساهم أخوه «محمد ناس»، الذي عمل أيضا في قطاع المقاولات في السعودية، بالمبلغ المتبقي.
حول الشركة يقول الحادي في الصفحة 212 من كتابه (بتصرف): «تولى عبدالله مسؤولية الإدارة وتسيير أعمال الشركة، وأول مشروع حصلت عليه كان بناء الطابق العلوي لمدرسة عائشة أم المؤمنين للبنات في المنامة. أما المشروع الآخر فكان تنفيذ أعمال شبكة صرف صحي في المنامة لصالح وزارة الأشغال. وقتذاك كان يعمل بالشركة 100 فرد وهو ما وضع مسؤولية جسيمة على عاتقها. لقد تم انجاز المشروعين اللذين تم اسنادهما إلى عبدالله وفقا للجدول الزمني، ولكن هل حقق الرجل أي ربح من هذين المشروعين؟ يقول عبدالله ناس: نعم ولا، خسرتُ خمسين ألف روبية في المشروع الأول، ولكن ربحت مائة وخمسين ألف روبية في المشروع الآخر».
في حوالي منتصف الستينات بدت أعمال المقاولات غير مستقرة ومحفوفة بالمخاطر ومتأرجحة ما بين الربح والخسارة، الأمر الذي أقلق الوالد «أحمد ناس» ودفعه في عام 1964 إلى مصارحة إبنه عبدالله حول رغبته في الانسحاب من الشركة، فتم له ما أراد بطريقة هادئة، فيما واصل عبدالله طريقه بعد أنْ أعاد لوالده ضعف مبلغ مساهمته في الشركة تقريبا.
تشاء الأقدار في هذه المرحلة الدقيقة أن تستعين شركة «براون روت» الأمريكية بشركة ناس كمقاول من الباطن لتصنيع وتشييد خزانين عائمين لتخزين النفط في عرض البحر لصالح شركة أرامكو، حيث كانت ناقلات النفط العملاقة غير قادرة على بلوغ الشاطئ للرسو بسبب عمق المياه غير الكافي، فكان الحل هو في قيام تلك السفن بتفريغ حمولتها في عرض البحر في خزانات متصلة بأنابيب عائمة ممتدة إلى شاطئ البحر في منطقة الجعيمة السعودية.
غير أنّ هذه الواقعة التي نُظر إليها كمنقذ لشركة ناس وسط اضطراب سوق المقاولات وقتذاك، كادت أنْ تودي بالشركة إلى الانهيار التام والإفلاس لولا حكمة وذكاء وصبر وهدوء صاحبها. وملخص القصة أنّ شركته فازت بالعطاء وفق تقديرات مالية وضعها أحد مسعري العطاءات الامريكيين من موظفيه، لكن بسبب ظروف غير متوقعة تبين أنّ قيمة الأعمال المنفذة سوف تزيد عن قيمة العطاء بأكثر من نصف مليون دينار بحريني، مما سيشكل خسارة للشركة. لمْ يقرع عبدالله ناس جرس الإنذار، ولم يُصب بالإكتئاب، ولم يُصدر أوامره إلى موظفيه بالتلاعب والتغيير في مواصفات وجودة الأعمال المقررة كي يوفر مبلغا من هنا ومبلغا من هناك. بل على العكس نصح موظفيه بالاستمرار في العمل، والاجتهاد قدر الإمكان، وعدم المساومة على حساب الالتزامات المقررة، وذلك من أجل إنجاز المطلوب وفق الجدول الزمني الموضوع. هنا يتضح لنا معدن رجل الأعمال الأصيل، الصادق مع نفسه وغيره. كان بإمكان «عبدالله ناس» مثلا أنْ يراوغ ويحاجج ويغش في المواصفات ويتملص من تعهداته، لكنه آثر ألا يفعل شيئا من ذلك حفاظا على سمعة شركته التي كانت لها الأولوية عنده.
بعد هذه الزوبعة التي انتهت بتسليم المشروع كاملا إلى أصحابه بالجودة والمواصفات المتفق عليها، تفرغ عبدالله للخطوة التالية التي تجسدتْ في وضع تقرير محاسبي دقيق للخسائر التي تكبدها دون زيادة أو نقصان، وراح يسعى في كل اتجاه للمطالبة بتعويض عما تكبده من خسائر. وقد نجح الرجل، من خلال تعاطف سمو رئيس الوزاء الموقر الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة حفظه الله، ووزير التنمية والصناعة آنذاك الأستاذ يوسف بن أحمد الشيراوي معه، بأن يقنع الحكومة السعودية ومدققي الحسابات في أرامكو بحقائق الأمور فتم تعويضه لما تبين لهم صدقه ونزاهته.
من خلال تجربته في عالم المقاولات والأعمال الإنشائية تبين للرجل أنّ إحدى المشاكل المستعصية هي تآكل الخرسانة وتساقطها، وأنّ السبب في ذلك يرجع إلى عدم جودة المواد المستخدمة واحتوائها على نسبة ملوحة زائدة، وليس إلى عيب في طريقة العمل. وقد أثبتت دراسة قامت بها شركة «ستنجرز» لحسابه هذا الأمر، وهو ما شجعه على إنشاء صناعة مقاولات متكاملة تقوم بتوفير مواد تشييد عالية الجودة، وفي الوقت نفسه ذات أسعار تنافسية. وفي هذا السياق نقل عنه الحادي قوله في الصفحة 214 من كتابه: «منذ ذلك الحين وضعتُ خطة طموحة للعمل على توفير مواد البناء بجودة عالية، فعملتُ على إنشاء مصنع لتحلية المياه والثلج، ومصنع لغسيل ومعالجة الرمال، لتخفيض نسبة الملوحة واستخدام الثلج في تخفيض درجة حرارة الماء المستخدم في خلطة الخرسانة، إذ يجبْ ألا تزيد درجة حرارة الماء عن الثلاثين درجة مئوية، كما تعاونتُ مع إخواني من الشركاء البحرينيين وغيرهم على إنشاء شركات تقوم باستيراد الحصى من رأس الخيمة واستيراد الإسمنت من اليابان».
قبل وفاته كانت شركة ناس قد نفذتْ من المشاريع في البحرين مالم تنفذه أي شركة محلية أخرى. وقد شملتْ تلك المشاريع بناء أول مجمع سكني في عام 1967، وإعادة بناء اول جسر يربط المنامة بالمحرق (جسر الشيخ حمد) في عام 1978. وفي عام 1978 قامت الشركة ايضا ببناء أول فندق من فئة الخمس نجوم في البحرين (فندق الخليج)، ومبنى الحكومة المعروف بمنى السكرتارية، وعبّدت ساحة مطار البحرين الدولي بالتعاون مع شركة «ترماك الدولية». وفي عام 1980 أنجزت بناء برج ناس الأول (مبنى صندوق التقاعد) بالتعاون مع «مايكل أنجلو للرخام». وفي عام 1989 نفذتْ المرحلة الثانية من مشروع توسعة ألبا من بعد تنفيذها للمرحلة الأولى في عام 1969، علما بأنها نفذت أيضا المرحلة الخامسة في عام 2003. وفي عام 1990 نفذتْ محطة كهرباء الحد. وفي عام 2002 نفذت مشروع ميناء خليفة بن سلمان الجديد في الحد أيضا. وفي عام 2004 نفذتْ البنية التحتية لمشروع درة البحرين مع الجسور والملاعب والمرسى، كما بنتْ مركز البحرين التجاري العالمي. وفي عام 2010 تولتْ إنشاء محطة المحرق لمعالجة مياه الصرف الصحي، وبناء مستشفى الملك حمد الجامعي بالمحرق، وتطوير الواجهة البحرية للبحرية الأمريكية في المنامة، وتطوير الرصيف الشمالي في أسري بالحدّ.
من ضمن الشركات التي أسسها الراحل: أول شركة خرسانة جاهزة (1973)، شركة ناس للسباكة (1976)، أول معمل لمعالجة الرمل (1977)، شركة ناس الكهربائية (1978)، شركة دلمون للخرسانة المسبوكة (1981)، شركة ناس للأغذية (1982)، أول مصنع لصناعة حامض الكبريتيك تحت إسم «شركة الخليج لصناعات الأحماض» (1985)، شركة الخليج للتطوير (1986)، الشركة المتحدة للإسمنت (1988)، شركة ناس لتأجير السقالات والرافعات (1990)، شركة شو ناس الشرق الأوسط لأنظمة الأنابيب مسبقة الصنع(1994)، مصنع ايكويت للبولي إيثيلين (1996)، شركة ناس للمساحات (1996) مصنع البحرين للمنتجات العضوية (1997)، أول شركة لإدارة النفايات تحت اسم شركة مدينة الخليج للتنظيفات (2000)، شركة ناس للأسفلت لتنفيذ مشروع للبنى التحتية لمنطقة الحد (2000)، شركة ناس للخدمات البحرية (2006)، شركة ناس لتكنولوجيا المواد الكاشطة (2010).
لم تقتصر أنشطة «عبدالله ناس» على الداخل البحريني، بل تجاوزتها إلى كل الدول المجاورة. ففي 1990 أسس مصنعا للأسمنت في القصيم بالسعودية، وآخر في قطر، وأسس مصنعا لدرفلة الألمنيوم في الكويت. وفي 1995 أسس «شركة عبدالله ناس وشركاه المحدودة بالمملكة العربية السعودية لتصنيع وتركيب الانابيب الصناعية، والانشاءات الحديدية، وخزانات المعالجة والتخزين، وأعمال فحص اللحام، وخدمات التصوير الإشعاعي الصناعي، وتوريد وتشغيل المعدات الثقيلة المتخصصة واللازمة لتركيب المصانع، وتوريد وإدارة العمالة اللازمة لتنفيذ الأعمال الميكانيكية، وتوريد جميع انواع خدمات مساندة المشاريع بما في ذلك مكائن اللحام وكمبريسرات الهواء. وفي 2005 نفذ أعمالا لصالح «كهرماء قطر». واليوم يستمر توسع ما بناه «عبدالله ناس» تحت قيادة أبنائه سمير وسامي وغازي وفوزي وعادل، حيث بدأت «مجموعة ناس» عددا من العمليات في أبوظبي، وأخرى في سلطنة عمان، إضافة إلى إنشاء مصنع للألمنيوم في المملكة العربية السعودية بقيمة ثمانية ملايين دينار بحريني، وتصنيع وتصدير بعض المنتجات لشركة هيونداي الكورية الجنوبية.
للأسف الشديد لم أتعرف شخصيا على الوجيه «عبدالله ناس» إلا قبل سنوات معدودة من رحيله. فقد شاءت الصدف أنْ ألتقي به وجها لوجه في أحد المجالس، فإذا به يقبلني مصافحا وكأنه يعرفني منذ أمد بعيد، ويشد على يدي قائلا: «لقد أعجبتني مقابلتك في تلفزيون البحرين مع سوسن الشاعر حول النظام وطرق التربية وثقافة العلم والعمل في آسيا، والأمثلة الجميلة التي أوردتها، فليتنا نتعلم منهم» ثم أضاف: «لماذا أنت مقل في الترويج لهذه القيم النبيلة؟ ولماذا لا يستفيدون منك ومن تخصصك الأكاديمي؟»
طبعا أحتفظ هنا لنفسي ببقية ما دار من حديث في تلك الأمسية الجميلة التي لم تتبعها أمسيات مماثلة لأن الرجل دخل بعدها في رحلة المرض والعلاج الطويلين التي انتهت بانتقاله إلى جوار ربه.
هكذا كان «عبدالله أحمد ناس» رحمه الله، متواضعا وشغوفا بمتابعة تلك النماذج العالمية ذات الصلة بقيم المثابرة، والاستغلال الأمثل للوقت، والتفاني في العمل وتنظيمه وإنجازه على أفضل وجه. ولعل هذا هو أحد أهم أسرار نجاحه ونجاح كل من عمل معه ونهل من تجربته الثرية وفي المقدمة منهم أولاده الذين كان يوظفهم ويدربهم ويحمّلهم المسؤوليات شيئا فشيئا أثناء الإجازات المدرسية مثلما كان يفعل مع الآخرين. وفي هذا السياق يقول إبنه البكر «سمير» في مقابلة أجرته معه صحيفة الأيام أنّ والده كان يدربه مع شقيقه سامي في الصيف على العمل معه بممارسة الأعمال البسيطة كأن يعطيهما مسؤولية الكتابة، أو يرسلهما للتأكد من سير العمل، أو يوظفهما ك «تنديل» (مراقب) مقابل أجر شهري لا يزيد على 15 روبية. ويضيف قائلا أنّ والده كان يهدف من وراء ذلك «إدخالنا في جو العمل وتشجيعنا على تعلم المهنة والاندماج فيها مبكرا».
وقبل أنْ نختتم لابد من الإشارة إلى أنّ للراحل بصمات واضحة في مسيرة غرفة تجارة وصناعة البحرين على مدى تاريخها، فقد كان عضوا في مجلس الإدارة منذ الدورة الثانية والعشرين في عام 1989 وحتى الدورة الرابعة والعشرين في عام 1997.
كما لا بأس من الإشارة إلى خطاب مؤرخ في الأول من أغسطس 1953 بعثه الراحل إلى والده من السعودية حيث كان يعمل وقتذاك. وقد أورد المؤرخ الحادي نص الخطاب في الصفحات 216 217 من كتابه المشار إليه آنفا. ومن متن الخطاب يبدو أنّ والده كان يماطل أو كان مترددا في مسألة زواجه لسبب ما، لذا نجده يسأل والده قائلا: «هل أنا سوف أتزوج في هذه المرة؟» ثم يتودد إليه بالقول « كل ما تسوي إحنا راضين به». وفي مكان آخر من الرسالة يطالب والده بحسم موضوع زواجه لأنه يريد أنْ يحصل على إجازة شهر من رب عمله «أحمد محمد الصوفي»، وأن يرتب لدعوة أصدقائه على وليمة زواجه.
رحم الله عبدالله احمد ناس رحمة واسعة، فقد كان نبيلا في أخلاقه، شهما في تعاملاته، صادقا في توجهاته، ناصعا في رؤاه، وعطوفا على الفقراء والمحتاجين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها