النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11928 السبت 4 ديسمبر 2021 الموافق 29 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:06PM

كتاب الايام

شيخ المقاولين البحرينيين وقدوتهم المُلهمة «1 من 2»

رابط مختصر
العدد 9588 الجمعة 10 يوليو 2015 الموافق 23 رمضان 1436

 

قريبا، وتحديدا في نهاية الشهر القادم، تحل الذكرى السنوية الثانية لرحيل الرجل الإنسان، صاحب البر والإحسان، والقدوة الملهمة لرجال الأعمال في كل زمان ومكان، شيخ المقاولين البحرينيين المغفور له بإذن الله تعالي «عبدالله أحمد عيسى عبدالله ناس».
لقد سبق وأنْ كتبتُ عن الرجل بُعيد انتقاله إلى الرفيق الأعلى في 31 يوليو 2013، لكني اكتشفتُ لاحقا أني لم أوفه حقه من الحديث، لا عن حياته المليئة بصفحات ناصعة وملهمة، ولا عن جليل أعماله وأياديه البيضاء في خدمة دينه ووطنه ومواطنيه، ولا عن أخلاقه وصفاته الحميدة وعلى رأسها صفات التواضع الجم والبشاشة الدائمة والبعد عن الأنانية والحسد والضغينة وسوء الظن والنفخة الكذابة، التي عادة ما ترافق كبار الأثرياء، ولا عن التفاصيل الدقيقة لرحلته العصامية الشاقة في عالم «البزنس» والتي بدأت بشركة من 100 موظف برأسمال ألفي دينار في بدايات الستينات من القرن الماضي فوصلت اليوم إلى 40 شركة قيمة أعمالها أكثر من 130 مليون دينار ويساهم فيها حوالي 12 ألف مساهم ويعمل بها نحو 15 ألف موظف.
لقد اكتشفتُ إني لم أكتب ما يكفي عن الرجل لأن قصته قصة إنسان بدأ من القاع حتى وصل إلى القمة، ورجل تحول من شخص لايعرفه أحد إلى شخصية جذابة ذات ثقل واحترام في المجتمع، وفرد إستطاع أن يبني من الصفر إمبراطورية تجارية وصناعية رفعت إسم البحرين عاليا في دنيا المشروعات الهندسية. كل ذلك بفضل جده واجتهاده وتفانيه وصدقه ونزاهته وعدالته في التعامل مع الجميع.
والذين اقتربوا من الرجل أو عرفوه عن كثب لايمكنهم سواء الإقرار بأنه كان شخصية متميزة وآسرة للقلوب بسبب ما كان يثيره أينما حل من أجواء السعادة والتفاؤل والأمل. أما الذين كانوا على إطلاع بما يقدمه من جليل الأعمال لصالح الأيتام والفقراء والمحتاجين داخل البحرين وخارجها فقد خسروا برحيله رافدا من روافد البر والإحسان لا يمكن تعويضه.
يقول الدكتور مصطفى السيد الأمين العام للمؤسسة الخيرية الملكية حول هذه النقطة: «ستبقى مكانته خالدة في قلوب الفقراء والمحتاجين الذين كان محط رعايته وسخائه. فقد كان رحيله صادما، إذ جاء بعد ساعات قليلة من تبرعه السخي لمؤسسة الأيتام في أيام شهر رمضان المبارك، وكأنها رسالة إلهية برضا الله سبحانه وتعالى عن روحه التقية الورعة». أما المساعد الشخصي للراحل السيدة «فيلومينا» التي عملت معه دون انقطاع لمدة 22 عاما فقد كتبت ضمن ما كتبت عنه: «لا يمكن لأحد فهم عمق تلك الابتسامة الدائمة التي تعلو محياه المليء بالهدوء والفرح. إن محسننا الكبير سيبقى حيا إلى الأبد، فأياديه الكريمة رسمتْ السعادة على وجوه الكثيرين، وضحكاته المرحة أنارتْ كل ما حولنا، ولن أنسى أبدا روحه المرحة وفكاهاته التي جعلتني أضحك من صميم قلبي».
ومن الشهادات الأخرى عن الراحل ما كتبه أحد رجال الأعمال الأجانب الذين ربطتهم علاقات عمل مع شركة عبدالله ناس وهو الأسترالي من أصل لبناني «مالك حلوة» حيث أورد العبارة التالية لجبران خليل جبران:«من بين هبات الحياة، الجمال والحقيقة، وقد وجدت أنّ الأولى في قلب محب والثانية في يد عامل»، ثم أضاف عليها:«في رأيي أنّ هذه المقولة تنطبق على صديقنا الراحل، فواحدة من أعظم الإنجازات في عملي ورحلتي في الحياة هي الالتقاء بالسيد عبدالله ناس، الرجل ذو الابتسامة الحاضرة على الدوام. ففي عام 1992 قدمت إلى البحرين من استراليا في رحلة عمل قصيرة، وكان لي حينها شرف اللقاء بالسيد عبدالله. ومنذ ذلك الحين أصبحنا شريكين وعملنا سويا على إنشاء بعض الشركات في الخليج والسودان واستراليا، وقد كان بالنسبة لي ملهما ومرشدا وناصحا وموجها وقائدا».
لقد كان أبناء جيل الخمسينات والستينات من القرن الماضي ينتظرون حلول إجازة المدارس في الصيف على أحر من جمر، ليس من أجل الإسترخاء واللهو، أو السفر مع العائلة للإصطياف في الخارج، كما يفعل أبناء الجيل الحالي، وإنما لكي يشمّر كل واحد منهم عن ساعديه، بحثا عن عمل يدخر من ورائه شيئا من المال من أجل الإنفاق على مستلزماته الشخصية التي لم تكن أسرنا وقتها قادرة على تلبيتها بسبب ضعف إمكانياتها المادية ومداخيلها الشهرية.
في ذلك الزمن لم تكن نوعية العمل مهمة. فقد كنا على استعداد للقبول بأي وظيفة، في أي مكان، وبأي راتب، وتحت أي مسمى وشروط. كان المهم لدينا أنْ نقبض في آخر الشهر بعض الروبيات لشراء ملابس جديدة، أو الإنفاق على الحاجات الترويحية، أو اقتناء الكتب والمجلات القادمة من القاهرة وبيروت، فنزيح بذلك عن كاهل آبائنا بعض المسؤوليات.
من ناحية أخرى كان أرباب الأعمال في ذلك الزمن كرماء وعطوفين على الشباب وصبية المدارس اليافعين من أبناء جلدتهم، ويقدرون حاجتهم لتحسين أحوالهم المعيشية وتطلعهم إلى الكسب الحلال وتنمية مهاراتهم من خلال عمل شريف. فكانوا لا يترددون لحظة واحدة في إفساح المجال أمامهم للعمل والتدرب وسط جو من الإحترام والثقة وعدم التمييز المذهبي أو المناطقي.
وفي هذا السياق يمكن سرد قائمة طويلة من أسماء شخصيات طبيعية وإعتبارية لعبت دورا في بحرين الخمسينات والستينات لجهة توظيف طلبة المدارس وتدريبهم وبالتالي تحسين أحوالهم المعيشية الصعبة. غير أنّ إسم «عبدالله أحمد ناس» يظل هو الاسم الأبرز في ذاكرة جيلنا لأنه كان الأكثر كرما في توظيف طلبة المدارس أثناء إجازتهم الصيفية، والأكثر تفهما لاحتياجاتهم، بل الأكثر صبرا على مشاغبات وحيل بعضهم إلى الحد الذي شاعتْ معه عبارة «تبي شغل؟ روح عند عبدالله ناس»، أي إذا كنت تبحث عن عمل فليس أمامك سوى الاستنجاد بشركة عبدالله ناس.
وفي اعتقادي أن هذه الصفة النبيلة التي تحلى بها الراحل، وبقيت لصيقة به حتى آخر يوم في حياته، كانت نتاج تجربته الشخصية، وكفاحه الطويل، واغترابه خارج الحدود من أجل تحقيق طموحاته منذ أن كان شابا يافعا.
وقبل أنْ نخوض في تجربة الرجل العملية التي تصلح لأنْ تُدرس للأجيال الصاعدة، دعونا نسلط بعض الضوء على عائلته. يقول الباحث والمؤرخ البحريني «بشار يوسف الحادي» في الصفحات 209 210 من الجزء الخامس من موسوعة «ضياء البدرين في تاريخ البحرين، أعيان البحرين في القرن الرابع عشر الهجري» أنّ عائلة ناس ترجع أصولها إلى قبيلة الدواسر، وأنها نزحتْ من منطقة وادي الدواسر النجدية إلى الأحساء في زمن يُرجح أنه كان قبل عام 1800 للميلاد، ثم انتقل جد العائلة الأكبر «عيسى بن عبدالله ناس في عام 1885، من الأحساء إلى البحرين للإقامة والعمل في الأخيرة، فظل فيها ولم يبارحها. ويضيف الحادي نقلا عن «محمد بن أحمد ناس» أنّ لقب العائلة يرتبط بـ «وادي ناس» في منطقة الدواسر.
ويواصل الحادي حديثه فيقول إنّ «أحمد بن عيسى ناس»، أي والد الراحل عبدالله ناس، ولد في البحرين في فريج البنعلي بالمحرق في عام 1888 وتوفي بالسرطان في عام 1968 عن عمر ناهز الثمانين، وأنه تلقى تعليمه الأولي لدى «المطوع» قبل أنْ يدرس على يد الشيخ عيسى بن إبراهيم آل جامع، حيث تعلم على يده القراءة والكتابة والفقه وأجاد الخط العربي الجميل. وبعد أنْ اشتد عوده راح يساعد والده «عيسى ناس» في بيع الأخشاب ومواد البناء لعدة سنوات، وأثناء ذلك تزوج سبع زوجات من عائلات الحميضي والسبيعي والشملان وبديوي وغيرها. لكنه لاحظ أنّ أكثر الأرباح يأتي من الاتجار في اللؤلؤ، فاتجه لتعلم أصول حرفة اللؤلؤ والتدرب على أنواعه وأشكاله وأحجامه وأوزانه، وبعدما أتقن ذلك نظريا راح يتلقى الدروس العملية من خلال العمل مع طواش من عائلة البنعلي المحرقية، فأصبحتْ لديه خبرة جيدة باللؤلؤ، وهو ما جعل التاجر والطواش المعروف الحاج علي بن صقر الجلاهمة يختاره للعمل لديه كمحاسب وماسك للدفاتر أو ما كان يُعرف قديما بـ «الكراني». وفي الوقت نفسه كان يذهب مع أحمد بن علي الجلاهمة لشراء اللؤلؤ من النواخذة في عرض البحر، مستثمرا ما تعلمه من تقييم اللآلئ وتمييز الجيد منها عن الرديء. وهكذا استمر أحمد ناس يعمل مع الحاج علي بن صقر بن الجلاهمة حتى تاريخ وفاة الأخير الذي صادف بدء انهيار أسواق اللؤلؤ، فاتجه حينذاك أي في حدود 1939 إلى ممارسة المحاماة بتشجيع من الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة.
ولحصول الرجل على ترخيص رسمي لمزاولة المحاماة حكاية رواها الحادي بقوله إنّ الجهات المسئولة طلبت من أحمد ناس مبلغ خمسين روبية لمنحه الرخصة، ولأن المبلغ كان كبيرا بمقاييس ذلك الزمن ولا يملكه فإنه ذهب إلى علي بن صقر الجلاهمة طالبا المساعدة. فما كان من الأخير، في ظل عدم وجود مبلغ نقدي بحوزته، إلا أنْ أعطاه وثيقة ملكية نخل ليرهنها لدى المحكمة مقابل المبلغ المطلوب. وإنْ كانت ثمة دلالة لهذه الواقعة، فهي أنّ الرجل كان محبوبا لأمانته ومصداقيته وسمعته الحميدة. وبحصول أحمد ناس على رخصة المحاماة عمل في هذا المجال لحسابه الخاص، وكان أنْ تم تعيينه كوكيل عن الهيئة الخليفية من أجل متابعة أملاكها وعقاراتها ونخيلها في المحاكم. ومن خلال هذه المهمة تكونتْ لديه خبرة في تثمين العقارات ومواد البناء وإنشاء البيوت، فاستعانتْ به حكومة البحرين والمحاكم كمستشار لحل المنازعات.
أما ابنه عبدالله بن أحمد ناس فقد ولد في المحرق في عام 1936 دون أن يكون في فمه ملعقة من ذهب. إذ تربي في وسط معيشي بسيط بين أربعة من الإخوان وداخل بيت العائلة الكبير الذي كان يضم 14 فردا. وفي مسقط رأسه بالمحرق تلقى دراسته الأولية لدى «المطوع» قبل أنْ يلتحق بمدرسة الهداية الخليفية وينهي تعليمه فيها في عام 1944. بعد ذلك التحق بالمدرسة الصناعية في المنامة (قسم الميكانيكا) وانهى دراسته فيها في عام 1950. وفي هذا السياق يخبرنا الحادي في كتابه (ص 210) أنّ الرجل عمل، أثناء دراسته الصناعية، وهو لم يتعد الثانية عشرة، في ورشة لإصلاح السيارات لاكتساب الخبرة، فكان يشتغل لمدة ثلاث ساعات يوميا دون مقابل. كما يخبرنا أنّ والده كان يريد له أن يكون «نوخذة»، لكن طموح الإبن كان أكبر من ذلك، حيث كان قرر أنْ يتخذ مسارا مغايرا لمسار أبيه أحمد وجده عيسى. ومن دلائل ذلك أنه التحق في سن مبكرة بشركة نفط البحرين (بابكو)، حيث أمضى فترة عمل وجيزة داخل مختبرات الشركة.
قاده طموحه وأحلامه الكبيرة إلى ترك البحرين في عام 1952 وهو في سن السادسة عشرة، للتوجه إلى المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية بحثا عن الأعمال المجزية، مثلما كان يفعل بحرينيون كثر في تلك الحقبة التي تميزت باستثمار مداخيل النفط السعودية في مشاريع البناء والإنشاء وتقديم الخدمات المتنوعة إلى المواطنين. فعل عبدالله ناس ذلك وهو يعلم بحجم التحديات الكبيرة التي سوف تواجهه في بيئة مختلفة عن تلك التي اعتاد عليها، لأنه كان عازما على بناء نفسه بنفسه واقتناص أي فرصة تلوح أمامه من أجل تحقيق النجاح واكتساب الخبرة. وفي هذا سُجل عنه قوله ذات مرة طبقا لما ورد في عدد تأبيني خاص من نشرة «حديث ناس» (نوفمبر 2013): «يواجه الإنسان الخير والشر خلال حياته، كل يوم له تحدياته الخاصة وخسائره وانجازاته وخيبات أمله. فهو عبارة عن حزمة ضخمة من كل شيء. ولكن السر في النجاح يكمن في تركيز بصرك على هدفك. لذا لا تحيد عما تريد أنْ تصبح ولا يهدأ بالك حتى تحققه».
اتخذ عبدالله ناس من مدينة الخبر تحديدا مكانا لإقامته كي يكون قريبا من الظهران، المقر الرئيسي لشركة أرامكو التي منحته فرصة العمل والتدرب، بل التي حصل منها لاحقا، أي بعد أنْ أثبت جدارته وحاز على ثقة رؤسائه، على مناقصات لصالح «شركة النصر للمقاولات»، وهي شركة سعودية صغيرة كان مقرها في الخبر، وكان يعمل بها 75 شخصا من بينهم عبدالله ناس الذي لم يتعد راتبه الشهري وقتذاك الثلاثمائة ريال.
يصف الرجل الحياة في السعودية في تلك الحقبة بالصعبة، مضيفا (بتصرف): «لقد كنتُ أعمل بمواقع العمل لمدة ثماني ساعات في النهار، ثم أقوم بالعمل لمدة أربع ساعات أخرى في المساء للقيام ببعض الأعمال المكتبية. لقد كنتُ، في آن واحد، ساعيا للمكتب، ومسعر عطاءات، ومهندسا، ومحاسبا، ومديرا. كما كنتُ مسئولا عن تسليم أجور العمال في نهاية كل أسبوع، حيث كنتُ أقوم بملء عدة حقائب بالعملة المعدنية وتحميلها على شاحنة صغيرة والذهاب بها إلى حيث مواقع العمل المختلفة. لم تكن هذه عملية شاقة بقدر صعوبة شرح وتوضيح احتساب أجر كل عامل على حدة، خصوصا وأنّ معظم أولئك العمال كان من الأميين الذين لا يجيدون القراءة أو الحساب. كانوا ينصتون إلىّ ثم يتسلمون أجورهم وينصرفون، ثم سرعان ما يعودون في صباح اليوم التالي بوجه عبوس مع قائمة طويلة من الأسئلة والاستفسارات. لقد كان من المستحيل على أي إنسان، مهما أوتي من صبر وحكمة، أنْ يقنع هؤلاء الفتية بصحة إحتساب أجورهم. فمن أجل ريالين أو ثلاثة كانوا يذهبون إلى المحكمة العمالية. لقد كانت عملية ممتعة وشاقة في آن واحد».

 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها