النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11923 الإثنين 29 نوفمبر 2021 الموافق 24 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:43AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

عاتبه الفيصل وجنى عليه السادات باتفاقية السلام

رابط مختصر
العدد 9483 الجمعة 27 مارس 2015 الموافق 7 جمادى الاخر 1436

الزميل الأستاذ محمد السيف مثقف ومؤرخ سعودي، سطع نجمه في سماء الثقافة، ولا سيما بعد إصداراته المتتالية عن شخصيات كانت لها بصمات في مسيرة بلاده الشقيقة مثل كتابه «صخور النفط ورمال السياسة» حول سيرة المهندس عبدالله الطريقي، أول وزير نفط سعودي، ثم كتابه «أشواك السياسة وغربة السفارة» حول حياة السياسي والدبلوماسي السعودي المرحوم ناصرالمنقور، وهو كتاب تصدر مؤخرا قائمة الكتب الأكثر مبيعا في معرض الرياض للكتاب.
يعتمد السيف في توثيق سير شخصياته على التنقيب والبحث في الأرشيفات والمؤلفات ذات الصلة، كما يعتمد على الشهادات الفردية لأناس في الدائرة المحيطة بتلك الشخصيات أو على المقابلات الحية مع رجالات كانوا على علاقة ما معها، يسألهم ويسبر أغوارهم ويفتش في داخل ذاكرتهم عن أحداث ومنعطفات معينة قبل أن يصيغ مادته النهائية بلغة سليمة وتركيبة متقنة.
أثناء قيامه بتأليف كتابه عن المنقور كان لابد له أن يلجأ إلى مقابلة ومحاورة واحد ممن لازموا الأخير أثناء سنوات الدراسة المبكرة في مدرسة تحضير البعثات بمكة ثم خلال سنوات الدراسة الجامعية في القاهرة. من لقائه مع هذه الشخصية تكونت لديه مادة دسمة فضــّل أن ينشرها على حلقتين متتاليتين في جريدة الإقتصادية السعودية في يوم 10/4/2012 واليوم التالي، خصوصا وأن تلك الشخصية معروفة وعملتْ في الحقل الدبلوماسي وتبوأت مناصب حكومية ووزارية لسنوات طويلة، بل كان لها دور في تأسيس أو تطوير مرافق رسمية عدة، ناهيك عن أنّ الكثيرين لم يطلعوا على جهوده في خدمة بلده على أكثر من صعيد.
من المادة التي نشرها الزميل السيف، ومن مصادر متنوعة أخرى، ومما تختزنه ذاكرتي الشخصية عن تلك السنوات الخوالي نتناول هنا مسيرة وحياة «عبدالرحمن بن عبدالله المنصور أبا الخيل» ثالث وزير للعمل والشؤون الاجتماعية في تاريخ السعودية وسفيرها الأسبق إلى مصر في عهد السادات.
وعائلة أبا الخيل التي ينتمي إليها الوزير يعود نسبها إلى آل نجيد من المذهل من القرشه من المصاليخ من المنابهه من بني وهب من ضنا مسلم من عنزة , و تنقسم العائلة إلى خمسة أقسام رئيسية من ذرية أبناء صالح أباالخيل الأربعة حسين (الأكبر)، وعبد الله، ومحمد، ومهنا (الأصغر) وتنتسب إليه عائلة المهنا وجدهم مهنا الصالح الحسين ابا الخيل الذي تولى إمارة القصيم في 1280 للهجرة، والقسم الثاني اشتهر بالحسين وجدهم حسين الصالح الحسين أبالخيل، والقسم الثالث والرابع بقوا على شهرتهم أبالخيل وجدهم عبد الله ومحمد، والقسم الخامس ذرية عودة الحسين اباالخيل ويسكن اغلب «العودة اباالخيل» في الكويت منذ أوائل القرن العشرين، علما بأن هناك عوائل أخرى تسمت بهذا الإسم من مطير وعتيبة وحرب دون أن تكون لها علاقة بعائلة أبا الخيل القصيمية المنتسبة إلى قبيلة عنزة.
ويقول الرواة أن تسمية العائلة بهذا الإسم سببه أنّ أحد رجالها وهو «حمد بن نجيد بن مذهل من بطن المصاليخ قد استوطن بلدة النبهانية في القرن العاشر الهجري، وبنى فيها قصرا وحفر بئرا وأسس مزرعة، لكن الظروف أجبرت أولاده الستة على النزوح شمالا، تاركين والدهم وحيدا مما شجع بعض البدو على إيذائه والإعتداء على أمواله. وبعد أنْ قام الرجل وأولاده ذات مرة بتأديب المعتدين بذبحهم قرروا مغادرة النبهانية خوفا على حياتهم من الانتقام، وحطوا رحالهم في «ديرة جناح» ما بين بريدة وعنيزة. لكن الإبن الأكبر محمد قرر في اليوم التالي العودة إلى قصر ومزرعة والده لتفحصهما فشاهد خيل حرب قد ســُرحت عليه، فخاف منها وإختبأ بين الزرع، ثم قفل عائدا من حيث جاء فإذا بالخيول تتبعه وتدخل معه «ديرة جناح»، فلقبه أهلها بـ «أبا الخيل».
أبصر الوزير عبدالرحمن ابا الخيل النور في عنيزة في 1925 في ظروف إقتصادية صعبة، إبنا للثري عبدالله المنصور أبا الخيل وزوجته حصة عبدالله البسام، ونشأ في منزل أخواله من آل البسام في عنيزة التي درس ايضا في كتاتيبها ومدرستها الأولى التي انشأت في 1937. أما الأب فقد كان كأجداده الذين اختاروا التنقل ما بين القصيم والعراق للتجارة، فكوّن أسرة هنا وأسرة هناك شأنه في ذلك شأن الكثيرين ممن كانوا يرحلون عن وطنهم الأم لأشهر طويلة.
بعد فترة من الدراسة في عنيزة وتلقي العلم على يد مربيها الأشهر صالح بن صالح، قرر عبدالرحمن أن يتوجه إلى البصرة حيث كان والده، وهناك ألحقه الأخير بمدرسة «النجاة» في الزبير التي تلقى فيه العلم على يد نخبة من المدرسين الاجلاء، وصار بعد حين مؤهلا لممارسة مهنة التعليم، فعاد إلى عنيزة للعمل كمعلم مع صالح بن صالح، وصار يـُنظر إليه كواحد من  الطلائع النجدية المتعلمة قليلة العدد وقتذاك. غير أنّ الرجل كان صاحب طموح للمزيد من التحصيل العلمي، وكانت بوصلته مصوبة نحو الدراسة في المعهد السعودي بمكة المكرمة ومدرسة تحضير البعثات لأنهما كانا بمثابة مصنع إعداد وتأهيل رجالات الدولة ومسؤليها الإداريين آنذاك.
وبالفعل تمكن أباالخيل أنْ يشد الرحال إلى مكة ويلتحق بالمعهد السعودي ويتتلمذ على يد أساتذة كبار من أمثال السيد أحمد العربي، ومحمد شطا، وحسين فطاني، وغيرهم، ويتزامل في الصف ويتقاسم السكن مع ناصر المنقور وعبد الرحمن المنصور وطه قرملي وأحمد زكي يماني وعبد الله حبابي.
وقد روى لي عبدالرحمن حينما إلتقيته في منزله في حي الخالدية في جدة يوم 2/12/ 2010، ضمن مشروع كتابة سيرة زميله ورفيق دربه وعديله ناصر المنقور ــ والكلام هنا للمؤرخ محمد السيف ــ «كيف كان تأثير البيئة الحجازية عليه وعلى زملائه الطلبة النجديين، وكيف كانوا يقضون وقتهم في مسامرات أدبية وثقافية، خاصة الندوة الثقافية الأدبية التي تقيمها اللجنة الثقافية المنتخبة في المعهد مساء كل خميس، التي كان ناصر المنقور يعمل سكرتيراً لها ويساعده محمد فدا. وكيف كانوا يرتادون مكتبة الثقافة في باب السلام لصاحبيها صالح وأحمد جمال من أجل القراءة والاطلاع على أحدث المجلات القادمة من مصر».
ومن الطرائف التي رواها عبدالرحمن للمؤرخ السيف أنه وصحبه كانوا يستذكرون دروسهم عصرا على قمة «جبل هندي» في مكة، ثم ينسلون تباعا إلى أروقة المسجد الحرام لأداء صلاة المغرب بمجرد غروب الشمس، ثم يبقون في الحرم للإستفادة من إنارته في مواصلة استذكار الدرس ليلا، «لكن رجال الحسبة كثيرا ما كانوا يطردونهم من المسجد الحرام إذا ما شاهدوهم يقرأون مادة اللغة الانجليزية قائلين لهم: كيف تجيزون لأنفسكم الدخول بهذه الكتب إلى أروقة المسجد الحرام».
وتمضي الأيام بالرجل في مكة إلى عام 1947 الذي شهد تخرجه من المعهد العلمي، وبالتالي تأهله للدراسة في خارج بلاده ضمن مجموعة من الطلبة شملت: إبراهيم الحجي، وحسن شاذلي، وأحمد الخيال، وناصر المنقور، ومحمد الفريح، وناصر بوحيمد، وعبد الله بوقس، وعبد الرحمن المنصور، وآخرين وهكذا حقق الرجل الأمنية التي ترك من أجلها أهله ومدينته في قلب نجد، ولم يبق أمامه سوى ترقب موعد الإنطلاق بحرا نحو القاهرة التي كان قد سمع الكثير عنها وعن نجومها وأدبائها ومباهجها وتمدنها من شباب سعوديين سبقوه إليها أو قرأ عنها في المجلات المصرية التي كانت تصل إلى مكة بانتظام.
وماهي إلا أيام ويخوض عبدالرحمن مغامرته الأولى مع البحر، مستقلا الباخرة «تالودي» من ميناء جدة إلى ميناء السويس. وما هي إلا أيام أخرى من التعب ودوار البحر ويحل الرجل في عاصمة المعز، ويتمم إجراءات قبوله بالجامعة وإجراءات سكنه في دار البعثة السعودية
كتب محمد السيف (بتصرف):»سكن أبا الخيل مع زميله يوسف الحميدان في بادئ الأمر، ثم مع عبد الرحمن الذكير، غير أنّ مشكلة واجهته وغيره من الطلبة القادمين من مكة، وهي عدم الإجادة التامة للغة الإنجليزية، التي لا يمكن للطالب أن يقبل في الجامعة إلا بعد اجتياز اختبارها، لذلك قرر أباالخيل وزميله المنقور أن يُمضيا شهور الصيف في تعلّم الإنجليزية رغم صعوبة الحصول على الدروس الخصوصية في ذلك الزمن وصرامة المجتمع تجاهها - كما يقول أباالخيل - لكنهما استطاعا الحصول على مدرس خصوصي قدم لهما الدروس في منزله».
نجح عبدالرحمن في إجتياز إمتحان الانجليزي فانتظم طالبا في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا)، قسم «لغة عربية ولغات شرقية» مع إختيار اللغتين الفارسية والعبرية ضمن اللغات الشرقية.
يقول السيف عن هذه كلية(بتصرف): «كانت كلية الآداب حينذاك منارة من منارات التنوير في الوطن العربي، وكانت محط آمال وتطلعات الشباب والفتيات، وكان الشاب السعودي الذي لا ينوي مواصلة دراسته الجامعية في مجال الطب أو العلوم أو القانون، يحقق طموحه عبر الالتحاق بكلية الآداب. غير أنّ بعضاً منهم يُرغم على دخول كلية دار العلوم! ومنهم من يدرس سنة أو سنتين في دار العلوم ثم يُحوّل إلى كلية الآداب المُشرقة بوجوه الفتيات، إذ كانت هي الكلية الوحيدة حينذاك التي تسمح بالدراسة المختلطة بين الجنسين، لذلك ليس غريباً أن يحرص الشاب على الالتحاق بهذه الكلية». ثم يضيف سببا آخر لتحمس الشباب السعودي في الالتحاق بكلية الآداب هو وجود هيئة تدريس فيها مكونة من عمالقة الثقافة والفكر والأدب على مستوى الوطن العربي من أمثال الدكتور طه حسين، وأمين الخولي، ومصطفى السقا، وأحمد أمين، والدكتور يحيى الخشاب، والدكتورة سهير القلماوي، وعميد الكلية الدكتور عبد الوهاب عزام.
تأثر عبدالرحمن وزميله المنقور بهذه القامات الأدبية الرفيعة، لكن صاحب التأثير الأكبر عليهما كان أمين الخولي بدليل إنضمامهما إلى جماعة الأمناء (نسبة إلى الأخير) وذهابهما عصر كل يوم إلى بيت الخولى في مصر الجديدة حيث كان الخولى يخاطب الواحد منهما قائلا: يا حجازي، رغم أنهما لم يكونا من الحجاز.
وتحتفظ ذاكرة عبدالرحمن بصور شتى من فترة دراسته في مصر، لاسيما رحلات الخروج ليلة الجمعة من السكن للعشاء في المطاعم او الجلوس على مقهى الفيشاوي في حي الحسين، ورحلات القناطر الخيرية، والمقالب الطريفة التي كان يدبر معظمها زميله في السكن الوزير والمستشار السابق المرحوم الدكتور عبدالعزيز الخويطر. لكن أكثر الصور ثباتا في ذاكرته هو المفاجاة التي حدثت اثناء أدائه لإمتحانات التخرج النهائية، ففي ذلك اليوم المصادف للثالث والعشرين من يوليو 1952 وقع الانقلاب الذي اطاح بالملكية بقيادة «الضباط الأحرار». وفي هذا السياق يخبرنا عبدالرحمن أنّ الناس في القاهرة كانوا متبرمين ومتضايقين من الاوضاع، وبالتالي كانوا متوقعين حدوث هذا الانقلاب. أما هم، كطلاب سعوديين فكانوا يسمعون السباب والشتم للملك فاروق. وفرحوا مع الآخرين بما حدث.
في عام 1952 انهى أباالخيل دراسته الجامعية وعاد إلى وطنه متأبطا ذراع زوجته الأولى، المصرية «صفية عبدالسميع»، التي كانت زميلة له في قسم اللغة الإنجليزية، وكان والدها عبد السميع عبد الوهاب من رجال التربية والتعليم ومديرا لإحدى مدارس المنصورة، وأبا لأبنة أخرى أصغر سنا تدعى سوسن، تزوجها فيما بعد ناصر المنقور.
وهكذا صار من الصعب أن يطوي أباالخيل صفحته القاهرية بعد أن تصاهر مع إحدى عائلاتها، بل زاد الأمر صعوبة لاحقا حينما تقدم للعمل في وزارة الخارجية ــ مثل الكثيرين غيره من خريجي الدراسات الأدبية الذين كانوا يصفون الخارجية بالمجتمع المخملي، ويعشقون العمل فيها لأسباب عدة، منها وَهَج العمل الدبلوماسي والمكانة الاجتماعية لموظفي الوزارة ووجود نظام واضح للترقية ، إضافة إلى الرغبة في العمل خارج المملكة ــ وتقرر تعيينه كملحق سياسي في السفارة السعودية بالقاهرة بعد أن أمضى فترة قصيرة كموظف في ديوان عام الوزارة بجدة حيث زامل شخصيات تألقت لاحقا في عالم الدبلوماسية السعودية مثل: عمر السقاف، طاهر رضوان، محمد المرشد الزغيبي، جميل الحجيلان، وحمزة مرزوقي، وناصر المنقور.
بعد فترة من العمل في القاهرة تحت قيادة السفير إبراهيم السليمان بن عقيل(صار لاحقا رئيسا لديوان ولي العهد الأمير فيصل) تم نقل أباالخيل إلى السفارة السعودية في بيروت، ففرح كثيرا وراح يتفانى في العمل على أمل البقاء طويلا في لبنان، لكن صادف أن زار بيروت في 1958 الأمير(الملك) فيصل بن عبدالعزيز ولي العهد ووزير الخارجية واختير أباالخيل لمرافقته، وحينما حان وقت مغادرته تفاجأ أباالخيل بالأمير وهو يعاتبه قائلا: «أنتم تتخرجون وتفضلون العمل في الخارج ولا تحبون الخدمة داخل الوطن»، فلم يجد ما يرد به سوى أنه في خدمة وطنه في أي وقت وأي مكان. وهكذا فما أنْ عاد الفيصل إلى الرياض حتى أصدر قرارا بنقل أباالخيل من بيروت إلى ديوان الخارجية في جدة، ثم أصدر بعد فترة قصيرة قرارا آخر بنقله من جدة إلى الرياض للعمل كمدير عام لديوان وزارة المالية الذي كان الفيصل بنفسه مشرفا عليها.
في 1960 شكل الملك سعود الحكومة التي عـُرفت بـ«الحكومة الشعبية» لإشتمالها لأول مرة على عدد معتبر من الوزراء غير الأمراء، مثل وزير الخارجية إبراهيم السويل(صار لاحقا سفيرا في واشنطون) ووزير النفط المهندس عبدالله الطريقي، ووزيرالدولة لشئون مجلس الوزراء ناصر المنقور ووزير الصحة حسن نصيف، أو لإشتمالها على أمراء من ذوي التوجهات الإصلاحية كالامراء طلال وعبدالمحسن وبدر بن عبدالعزيز الذين منحوا حقائب المالية والداخلية والمواصلات على التوالي، إضافة إلى إبن شقيق الملك الأمير فيصل بن تركي الأول بن عبدالعزيز الذي وضع على رأس وزارة مستحدثة هي «العمل والشئون الاجتماعية».
لم تعش هذه الحكومة سوى عاما واحدا عمل أباالخيل خلاله تحت أمرة الأمير طلال في وزارة المالية، حيث بدا أن الانسجام مفقود بين الطرفين، الأمر الذي قرر معه الأول العودة إلى ديوان وزارة الخارجية في جدة، لكن وزير الخارجية آنذاك إبراهيم السويل فضل إعارة خدماته إلى القطاع الخاص للعمل مديرا عاما لـ «شركة أسمنت العربية» التي كان قد أسسها في جدة الشيخ عبدالله السليمان أول وزير سعودي للمالية.
وتشاء الاقدار أن يقوم الملك سعود في 1962 بإعادة تشكيل وزارته، وتكليف المنقور بوزارة العمل والشئون الاجتماعية إلى جانب حقيبة شئون مجلس الوزراء، خصوصا وأن المنقور كان يملك خبرة في هذا المجال اكتسبها من إشرافه لبعض الوقت على «مصلحة العمل والعمال» التي أمر الملك سعود بإنشائها في 1953 على أثر إضراب عمال شركة أرامكو السعوديين لمدة 21 يوماً، بسبب سوء أوضاعهم وعدم وجود نظام يكفل حقوقهم. لكن سرعان ما وقع اختيار الملك على أباالخيل ليكون ثالث وزير للعمل والشئون الاجتماعية في تاريخ السعودية بعدما اعتذر السفير السعودي في كراتشي محمد السليمان الشبيلي عن قبول المنصب.
وتعتبر الفترة ما بين 1962 ـ 1975  التي أدار خلالها أبا الخيل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية هي الفترة الذهبية للوزارة. ففضلا على إلحاق قطاعي الرياضة والشباب، والتعليم الفني والتدريب المهني بها، راح اباالخيل بدعم شخصي من الفيصل يستقدم الخبراء المحليين والأجانب لوضع نظامين حديثين أحدهما للعمل والعمال والآخر للضمان الاجتماعي والتنمية الاجتماعية والجمعيات التعاونية، ناهيك عن الإهتمام بتنمية المرأة إجتماعيا، والاستمرار في فتح مكاتب جديدة للعمل والعمال في مختلف مناطق المملكة بعد أن كانت محصورة في المنطقة الشرقية، وفي هذا السياق يقول السيف أن أبالخيل دفع بالنظامين بعد الانتهاء من إعدادهما إلى كل من المستشار في الديوان الملكي معروف الدواليبي (أحد رؤساء الحكومات السورية السابقة) ووزير النفط الشيخ أحمد زكي يماني لمراجعتهما قبل تقديمهما إلى مجلس الوزراء لإقرارهما، إلا أن الفيصل رأى استمزاج رأي السلطة الدينية حولهما أولا، خصوصا وأن الأخيرة كانت متوجسة منهما. وفي نهاية المطاف وافق الشيخان إبن باز وإبن حميد، شفاهة ثم كتابة، على مواد النظامين بعد إجراء بعض التعديلات عليها كي تتواءم مع الشريعة الاسلامية فتم إقرار النظامين وصارا نافذين.
ومن الطرائف حول أبالخيل التي أتى على ذكرها وزير الاعلام الأسبق جميل الحجيلان في الصفحة 85 من كتاب «وفاء لوفاء» للدكتور عبدالرحمن الشبيلي أن مجلس الوزراء السعودي شهد في أحد جلساته في الستينات برئاسة الفيصل نقاشا حول كلية البترول والمعادن بالظهران بين الحجيلان ووزير المالية آنذاك الامير مساعد بن عبدالرحمن، وأن أبالخيل ووزير الصحة الدكتور يوسف الهاجري اللذين كان يجلسان بجانب الحجيلان همسا في إذنه مؤيدين رأيه بحماس. لكن حينما طرح الفيصل الموضوع للتصويت صوّت أباالخيل مع وزير المالية وضد الحجيلان، فعاتبه الأخير فيما بعد على فعلته فكانت إجابته: «انت مهبول .. تبغاني أصوت ضد وزير المالية اللي كل أمورنا بيده»!
خرج أبالخيل من الحكومة على إثر إعادة تشكيلها برئاسة الملك خالد بعد إغتيال الفيصل في 1975 ليترك منصبه للوزير إبراهيم العنقري زميله في الدراسة بمكة والقاهرة، وليبدأ هو مشوارا جديدا أعاده إلى القاهرة، لكن هذه المرة ليس كطالب أو دبلوماسي وإنما كسفير فوق العادة مفوض من الملك خالد لدى الرئيس السادات. غير أن السادات تسبب بتوقيعه معاهدة السلام مع إسرائيل في قطع العلاقات السعودية المصرية وبالتالي عودة أباالخيل إلى جدة بعد 12 عاما قضاها في المدينة التي شهدت شبابه ونضجه وزواجه. وفي عام 1993 صدر قرار ملكي بتعيينه عضوا في مجلس الشورى، حيث تصدى لمزايدات بعض زملائه حول عدم تطابق قوانين العمل والتأمينات الاجتماعية مع احكام الشريعة الاسلامية مذكرا اياهم ان كبار المرجعيات الدينية وافقت عليه وقت صدورها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها