النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

ما وراء الحملة على الدعوة لتجديد الخطاب الديني

رابط مختصر
العدد 9412 الخميس 15 يناير 2015 الموافق 24 ربيع الأول 1436

لم أفاجأ حين أشار الرئيس عبد الفتاح السيسي في كلمته أثناء الاحتفال بالمولد النبوي، إلى قضية تجديد الخطاب الديني، إذ لم تكن هذه أول مرَّة يشير فيها إلى أهمية هذه القضية، التي تكاد تكون أبرز ما يحرص على تأكيده، في معظم الكلمات التي يتوجه بها إلى الرأي العام، على نحو جعله أكثر الساسة المصريين المعاصرين اهتماما بهذه المسألة، وتحمسا لها، وأكد أنها تشكل أحد الأعمدة الرئيسية لرؤيتيه الفكرية والسياسية. أما الذي فوجئت به حقا فهو رد فعل بعض الفصائل التي تنتمي إلى تيار الإسلام السياسي، على دعوة «السيسي» إذ حاولوا - عبر حملة منظمة بثتها مواقع التواصل الاجتماعي وبرامج الفضائيات التى تنطق بلسان هذه الفصائل أو تتعاطف معها - أن يؤولوا ما قاله في هذا السياق على غير معناه، بحيث يوحي وكأن الرئيس السيسي كان يهاجم الإسلام نفسه، أو يهاجم المسلمين جميعهم، مع أن ما قاله في كلمته أثناء الاحتفال بمولد النبي، لم يكن يختلف عما قاله من قبل وسمعه هؤلاء منه في مناسبات شتى، قبل أن يتولى رئاسة الجمهورية، فلم يعلق أحد منهم عليه آنذاك أو يعترض عليه، أو يستخدمه للطعن في إيمان الرجل، أو يحاول تأويل معناه، على غير ما قاله بلغة واضحة، لا تحتمل إلا المعنى الذي قصده والذي أصبح معروفا ومفهوما لدى الجميع. وكان من بين ما زعمه هؤلاء، أن «السيسي» يدعو لتجديد الإسلام، وكأنه يدعو إلى شريعة أخرى غير الشريعة الإسلامية ولا يعترف بأصول الدين التي يعرفها كل مسلم، وأنه اتهم في كلمته مليارا ونصف المليار - وهو عدد المسلمين في العالم - بأنهم يعدون لمحاربة العالم كله، الذى يبلغ عدد سكانه سبعة مليارات نسمة، فيسهم بذلك في تأكيد الاتهام الذي يوجهه خصوم الإسلام إليه، بأنه دين يُعلم أتباعه كراهية كل الذين لا يؤمنون بغيره من الأديان السماوية أو العقائد الأرضية، ويدعوهم لمحاربتهم وممارسة العنف ضدهم، وهو - أي الرئيس السيسي - يفعل ذلك لأنه يسعى للتقرب من هؤلاء الأعداء، حتى يساندوا بقاءه في السلطة. ما يدعو للدهشة، أن ما قاله الرئيس «السيسي» في هذا الشأن، أذيع على الهواء مباشرة، وسمعه ملايين الناس، وجرى تخزينه في ذاكرة المواقع الإلكترونية بحيث يستطيع الذين لم يستمعوا إليه في حينه أن يسترجعوه، ليتثبتوا من حقيقة ما قاله، فلم يحل ذلك بين الذين أصروا على تأويل معانيه على غير ما قصده منها وبين مواصلة أكاذيبهم، بعد أن أصبحوا في حالة نفسية وعقلية، لا يستطيعون فيها مع الرجل أمرا، ولا يعنيهم معها أن يسجلوا عند الله وعند الناس من الكاذبين، فضلا عن أنها قادتهم إلى فضح أنفسهم بأنفسهم.. وأثبتت أنهم كانوا يكذبون حين زعموا أنهم تيار مدني يدافع عن الديمقراطية ويسعى لتحقيق أهدافه بالطرق السلمية، وأنهم تيار إسلامي وسطي يرفض التزمت والتشدد واللجوء إلى العنف لفرض أفكاره ورؤاه على الآخرين. لم يكن فيما قاله الرئيس السيسي جديدا عما قاله هو نفسه من قبل، ولم يكن يتحدث عن عموم الإسلام أو عموم المسلمين، بل كان يتحدث عن فصيل من الحركة الإسلامية يدعو المسلمين لغزو العالم وتدميره، وخوض حرب كونية ضده، لنعيد تعبيد البشر جميعهم إلى الله عزّ وجل، بعد أن ارتدوا - بما في ذلك المسلمون منهم - إلى جاهلية كالجاهلية التى كانت قائمة قبل البعثة النبوية، وهو فصيل يتجاهل المنتمون إليه حقيقة أننا نحن المسلمين، إنما نشكل أقلية من سكان هذا العالم، لا تزيد - إلا قليلا - على خُمس عدد سكانه، فهي حرب عبثية لا نملك وسائل النصر فيها، حتى لو سلمنا جدلا بأن ديننا يدعونا لذلك، ولا يطالبنا - على العكس من ذلك - بأن ندعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة. وأصحاب هذا الاتجاه من بين فصائل الحركة الإسلامية المعاصرة، هم الذين قسموا العالم إلى فسطاطين، أحدهما فسطاط الإيمان الذي لا يضم سواهم، والثانى هو فسطاط الشرّك وعبادة الأصنام الذي يضم العالم بأسره، بما في ذلك الشعوب التى تظن نفسها مسلمة، والأنظمة التي يتوهم الناس أنها إسلامية، في حين أنها أنظمة أقامها ممن يسمونه ب«الطاغوت البشري» الذي يسعى للافتئات على حق الله عزّ وجل، في أن يشرع لعباده والذي تجاسر على أن يشرَّع لنفسه بنفسه ما يوافق زمانه، وهو ما يفرض على فسطاط الإيمان أن ينهض لتحطيم هذا الطاغوت.. وكان ذلك ما توهم الذين خططوا لغزوتي «نيويورك» و«واشنطن» فى 11 سبتمبر 2001، أنه سيكون بداية الحرب الكونية لتحطيم الأصنام والقضاء على جاهلية - أو حضارة - القرن العشرين، فإذا به يقود المسلمين إلى ما انتهى حالهم اليوم. كانت أفكار هؤلاء وممارساتهم، هي التى قصدها الرئيس السيسي، بدعوته علماء المسلمين، إلى تجديد الخطاب الديني، حتى يستطيع أن يواجه هذه الاتجاه المدمر في الفكر الإسلامى الذي أصبح يجتذب شرائح كبيرة من الشباب المسلم، ويستغل عواطفهم الدينية الجياشة، لكي يبدد طاقتهم وطاقة الأمة، ويقودهم إلى ممارسة أشكال من العنف والتخريب والإرهاب، ويسيء إلى الإسلام نفسه، ويعرض المسلمين إلى ما لا طاقة لهم بتحمله.. ولا قدرة لهم على مواجهته! وإذا كان من المنطقي، أن يتصدى لهذه الدعوة، المتشددون والإرهابيون والعناصر التكفيرية من الحركة الإسلامية وأن يرفضوها، فمن غير المنطقي أو المفهوم، أن يتصدى لها هؤلاء الذين حاولوا على امتداد سنوات وعقود، أن يسوقوا أنفسهم على الساحات السياسية المحلية في بلادهم، وعلى الساحة الدولية التي تضم أصدقاءهم في الغرب، باعتبارهم الممثلين الشرعيين للإسلام الوسطي والمعتدل والديمقراطي، وملأوا الفضاء الكونى بقولهم إنهم يسعون للوصول إلى السلطة عبر الآليات الديمقراطية مثل الأحزاب والانتخابات والبرلمانات، وكأن ذلك الذي يدعونه ليس تجديدا للخطاب الديني. فهل من حقنا أن نفهم من حملتهم العنيفة ضد دعوة الرئيس السيسي لتجديد الخطاب الديني، أنهم كانوا يكذبون علينا، وعلى الدنيا كلها حين زعموا أنهم وسطيون وديمقراطيون ويدافعون عن شرعية صندوق الانتخاب.. وأن نستنتج أنهم لا يختلفون في شيء مع الذين يمارسون العنف والإرهاب. أظن أن ذلك من حقنا!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها