النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

عندما يتحاور الكبار.. يتحسّر الصغار.. ويسود الصمت!

رابط مختصر
العدد 12043 الثلاثاء 29 مارس 2022 الموافق 26 شعبان 1443

التحسّر على عقلين وشخصيتين سطع نجميهما في سماء الخليج هو أقل ما يشعر به المرء وهو يقرأ مواجهة فكرية تشبه في غدوها ورواحها، بين طرفي الحوار، نزال الفرسان النبلاء ممن عرفهم تاريخ حضارتنا الإسلامية في نشر الكلمة الحق والجهاد بها. 

المواجهة الفكرية كانت بمثابة حوار دار بين الشاعر، الوزير، الدبلوماسي، والكاتب غازي عبدالرحمن القصيبي «رحمه الله»، والناقد، المفكر، الباحث، والأستاذ الجامعي د. محمد جابر الأنصاري «عافاه الله»، نشرته مجلة العربي الكويتية في العام 1991، أي قبل ثلاثة عقود، وكان حوارًا بليغًا وعميقًا بطرحه، وسلسًا بسلاسة الأفكار التي يولدها العقلان في حضرة الآخر، فلا اختلاف أفسد الود ولا صدام أدّى إلى قطيعة فكرية كما يحدث - بجرة قلم - في أيامنا هذه، ناهيك عن الحوارات الثقافية التي تتحول في الغالب إلى حوار للطرشان!

وقد ظل «الأنصاري» حاملاً في قلبه كل معروف جميل للمرحوم «القصيبي»، الذي سانده عبر مسيرته الفكرية والعملية، ولن أبالغ القول، بأن وفاة «أبا سهيل» أحدثت جرحًا غزيرًا في نفس «أبا هالة» صديقه الوفي، الذي ترك غيابه فراغًا لم يستطع ملْأه أحد، لسمو العلاقة بين قامتين، لم نرَ مثلهما بعد!

 

غازي القصيبي

 

ولمن يعرف عمق تلك العلاقة التي جمعت الشخصيتين، يعي تمامًا أن ما جاء في سياق الحوار هو أقلّ بكثير مما كان يدور بينهما من سجالات وتبادل فكري وتشجيع مستمر وأعمال مشتركة وهموم وشجون جمعتهما لفهم أسباب توالي مصائب ونكبات أمتهم العربية، وقد اجتهدا بكل ما أنعم عليهما ربي من مواهب وفرص، بالبحث بأمانة والتزام للوصول إلى «جذور الأشياء» وأسبابها، ومواجهتها بشجاعة الفرسان مرة أخرى.

ولقد تعمد «الأنصاري» في تلك المواجهة إلى استدراج «القصيبي» للرد على تساؤلاته المبطنة برأيه حول شعراء الأمة الحالمين بالأمجاد والنادبين لحظوظ واقعهم المتردي، إلا أنه - أي القصيبي - لم يقع في فخ الغارقين في «مجدهم الشعري»، فكان واعيًا لضرورات الجمع بين الشعر والعلوم الاجتماعية، ولم تستدرجه هزائم الأمة للمسار الغارق في السوداوية الشعرية والتي أدت إلى انتحار بعض من مثقفي تلك المرحلة. 

فهو «في الوقت الذي كان فيه شاعرًا، ويكتب عن هزائم حزيران، كان دراسًا تنمويًا يعرف سر المعضلة، وكان إداريًا بتطلعات جامحة»، فاستوت على نار هادئة، ولكنها مشتعلة بأمل الغد الأجمل، تجربته الشعرية الفريدة من نوعها في جمعها بين كل المختلفات، وفي ظني أن في تلك المقدرة تكمن عبقرية «القصيبي» وسرّ تألقه وشهرته في كل مجال قرر أن يخوضه. 

واللافت ضمن مجريات ذلك الحوار، بفخامته الفكرية ورسائله العميقة، أن الرجلين قد اختبرا مواهبهما العديدة على النسق ذاته من الجدية والواقعية والمرونة الفكرية، ليقررا، مع نضج معارفهم وتجاربهم، اختيار القبعة المناسبة في الوقت المناسب، وعلى اختلاف ما اختارا، فقد اتفقا على توصيفهما «للأزمة العربية الشاملة»، التي هي أزمة «تخلف، وجهل، وتعصب، وتسلط»، وحاربا معًا على «جبهة التنمية»، مستخدمين سلاح الحداثة ضد التخلف، وسلاح التعليم ضد الجهل، وسلاح التسامح ضد التعصب، وسلاح الحرية ضد التسلط. 

وفي رأينا، أن اختيارهما لسلاح الإصلاح من الداخل هو الأهم على الإطلاق، على عكس بعض التيارات الفكرية المؤدلجة بتنظيراتها العقيمة، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، والتي لن يهدأ لها بال إلا بتفكيك أنظمتها والانقلاب عليها لبناء امبراطورية تسكنها أوهامهم ويعزفون فيها ألحان مزايداتهم السياسية بانتهازية تتحالف - حتى - مع الشيطان. 

وكانا بالرغم من وقوفهما، قدر الإمكان، مع «الحسم» في حل قضايا الأمة، إلا أنهما احترفا «فنون الممكن» قدر المستطاع، ليكونا، كما أشرنا آنفًا، جزءًا من الحل في مواجهة الأزمات، وأبدعا في استخدام سلاح التعليم، حيث تمسّك «الأنصاري» بدوره الأكاديمي واعتنى «القصيبي» بالتدريب المهاري الإداري كمفاتيح ذهبية للتقدم. هذا غير شجاعتهما الفكرية التي ناقشت كل محذور إنعاشًا للحياة الفكرية العربية، وكما شخصّاها بأنها أزمة فجوة، بين «ثقافة العامة» و«ثقافة الخاصة»، ليتّفقا على أن الثقافة اللاحقة، هي ثقافة تتسم بالحيوية والخصوبة والجرأة والأفكار الابتكارية الحية من وراء الجدران والأبواب المغلقة، في حين تتسم الثقافة السابقة، بخطابها الرتيب والممل والجامد الذي يجتر الأفكار اجترارًا يصيب العقل بتوعك فكري مستدام. 

 

محمد جابر الأنصاري

 

وحول هذه الظاهرة، يستنتج «القصيبي» أن سببها يكمن في حساسية الذات العربية، فالعرب في الجاهلية لم يكونوا ينفرون إلا من الإثم «العلني»، فجاء القرآن الكريم يلحق ما «بطن» من الفواحش ما «ظهر» في التحريم. وهو ما اعتبره - القصيبي - تورّطًا لذاتنا بذلك الإرث الجاهلي، في حين اعتبره «الأنصاري» نابعًا من معاناة المجتمع للفصام الذي يتعدى تلك الظاهرة إلى ظاهرة أشد وطأة حذّر منها القرآن الكريم كذلك، وهي «المقت الأكبر» عند الله، بأن نقول ما لا نفعل، وهذه في حد ذاتها «أزمة الأزمات» لنستمر بمعايشة أسوأ الأوضاع في ظل أبلغ المثل، ولنبتعد كل البعد، عن قيم شريعة الإسلام السامية التي تطالبنا بالعناية بالحياة الدنيا وتوقير النفس البشرية كشرط للفوز بحياتنا الخالدة. 

ويبقى أمر أخير في مسألة ظاهرة (الأنصاري - القصيبي) كاسمين خليجيين عبرَا حدود بلديهما بلياقة وخفة ومهارة ثقافية، وناطحا بإنتاجهما الفكري أعلى القمم، وسجلا موقعاً رفيعاً لا أجد له انعكاسًا حقيقيًا في دهاليزنا الثقافية ولا حتى في صفوفنا الدراسية كما يجب.. وأضع عشرة خطوط تحت «كما يجب» بما يتناسب مع سيرتيهما، فهما اثنان من ضمن أهم رجال الثقافة في الجزيرة العربية والخليج في تاريخنا المعاصر، ولا نجد لإنتاجهما أي حضور حقيقي على المدرجات الجامعية، ولم أسمع - مثلاً - عن منهج تربوي /‏ تعليمي استشهد بهذا الحوار الفكري بين «البر والبحر اللذان ينسابان من مضر»، وما أخوفنا، مع الغياب غير المقصود لمناهج الثقافة أو الفلسفة، من همسات خفية تدعو لخصخصة التعليم الأساسي، التي وإن كان ظاهر نواياها يبحث عن جودة مخرجات التعليم إلا أن تجاربها القريبة قد باءت بفشل ذريع! 

 

* عضو مؤسس لدارة الأنصاري للفكر والثقافة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها