النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11860 الإثنين 27 سبتمبر 2021 الموافق 20 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

((شجاعة لمّ الشمل)):

لتكــــن معركتنـــــــا الحقيقيــــــــة

رابط مختصر
العدد 11789 الأحد 18 يوليو 2021 الموافق 8 ذو الحجة 1442

الموسم الرابع من سلسلة الأنصاري و«قديمه المتجدد»

تواصل «دارة الأنصاري للفكر والثقافة»*، بالتعاون مع جريدة «الأيام»، كناشر حصري، بإعادة نشر بعض مقالات أ. د. محمد جابر الأنصاري «بتصرف» وبقراءة للحاضر من ماض قريب. 

المقال نشر في أوائل التسعينيات بمجلة الشروق الإماراتية الصادرة عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر لمؤسسيها «تريم عمران تريم» و«عبدالله عمران تريم».



د. محمد جابر الأنصاري

 

العمل من أجل التفاهم العربي، وصولاً إلى التضامن العربي المفقود، لم يعد مجرد مسألة قومية أو مسألة أيديولوجية، أو ترفًا فكريًا، أو منزعًا شعوريًا مثاليًا، بل غدا – في ضوء تجمع السيول المتلاطمة التي تحيط بالأرض العربية من كل الجهات – مسألة حاجة يومية يستشعرها المواطن العربي، والمسؤول العربي سائلاً نفسه - ليل نهار – عن مدى الأمن والأمان المتوافرين له ولأسرته ولرزقه ولوطنه في هذه المنطقة الخليجية والعربية التي لم تعان في تاريخها كله من التباعد والتفرق – مع تزايد وتعاظم الاخطار المصيرية المحدقة بها – كما تعاني الآن!

والواقع إنها ظاهرة تتعدى وتتجاوز كل منطق – بما في ذلك منطق المحافظة على الذات الذي هو منطق غريزي في كل الكائنات – أن يتعرض العرب في مختلف أقطارهم لمثل هذه الأخطار، التي هي منهم قاب قوسين أو أدنى، وبعضها قد حقق الاختراق إلى الداخل ولا ينتظر إلا «ساعة الصفر» للانقضاض، نقول إنه مما يتعدى، كل منطق عقلي أو غريزي أن تتعاظم الأخطار حول العرب، ثم لا نجد لديهم من سرعة المبادرة والتحرك إلى لم الشمل، ورص الصفوف، وتنشيط العمل المشترك – بل الدفاع المشترك – لمنح المواطن الخليجي والعربي ولو بصيصًا من الأمل إن الأوضاع تتجه إلى شيء من التحسن – على أقل تقدير – وأن ثمة تحسسًا بضخامة المسئولية المصيرية الملقاة على عاتق جميع العرب – مسئولين ومواطنين – في هذا العالم العاصف الذي لا يفهم غير لغة القوة والمصلحة – والتكتلات الكبرى القادرة – وحدها – على مواجهة غيرها من الحيتان المتضخمة في كل مكان من هذا العالم. 

والمدهش، أنه برغم كون التضامن العربي حاجة يومية حياتية بهذه الدرجة من الإلحاح والخطورة، فإن الخطاب العام عن التضامن العربي أصبح، للأسف، عند الكثيرين من العرب وكأنه خطبة وعظية مملة، ولا تثير فيهم أي كوامن أو مواجع أو حوافز، كما يستمعون إلى أية موعظة مكررة عن الفضائل المثلى غير القابلة للتحقيق.. بل أن منهم من يستمع إليها وكأنها حديث خرافة.. من أساطير الأولين.

 

 

وهذه النظرة المقلقة، يصحبها في المسلك العملي ما هو أخطر منها: يصحبها انشغال بصغائر الخلافات وتوافه الترسبات عن قضايا المصير الواحد والترابط المشترك، مبالغة في التقوقع داخل الكيانات الصغيرة والمصالح الضيقة، هذا مع مهادنة الغريب نكاية بالقريب.. وموالاة الأبعد لمواجهة الأقرب. وهذه الظاهرة.. إن استمرت، وتركت تستفحل، فستكون «قاصمة الظهر» للجميع، وللوجود العربي والخليجي برمته، فليتحرك كل من يعنيهم الشأن قبل فوات الأوان.

وسط هذه الصورة القاتمة، علينا تتبع ورصد إشارات الضوء لإعطائها ما تستحق من اهتمام وتجاوب من أجل أن تتحول من «دعوة» و«نداء» إلى برنامج عمل، وخطوات تطبيق، يتضح في ضوئها ما يجب عمله، في زمن محدد، أمام من يريد أن يتفاهم ويتضامن، ومن لا يريد. فمن غير الجائز من الآن فصاعداً أن تتحكم في الموقف العربي والخليجي «أضعف حلقاته» التي لا تتقبل الترابط والتنسيق، فتبقى سائر الحلقات العربية متباعدة.. متناثرة.. تحول دون ترابطها هذه «الحلقة» المنفردة أو تلك، بل يجب أن يكون العمل المشترك بمختلف مستوياته على درجة من الصراحة تسمح لمن يريدون التعاون والتضامن أن يبادروا إلى إنقاذ مصيرهم، ومن واجب الجماعة وحقها حيال ذلك ألا تتستر على المخالف وألا تبقى أسيرة لموقفه المتعجرف والمعاند، بل عليها أن تبادر فيما بينها إلى ما يتطلبه الموقف من حسم بلا مجاملات، وتقبيل لحى، وتظاهر بالإجماع.. الذي هو في حقيقة الأمر إجماع على اللا شيء، ومجرد إجماع على عدم اتخاذ موقف.. إي إنه «إجماع على الكارثة».

]   ]   ]

ومن بين أهم المواقف العربية التي كررت دعوتها لإعادة التضامن العربي في أكثر من مفترق تاريخي، هي مواقف ومبادرات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، عندما كانت العلاقات العربية في أدنى مستوياتها وكانت حركة مجلس التعاون الخليجي تعاني من الركود من جراء ترسبات ومضاعفات حرب الخليج الثانية، فكانت النتيجة أشبه ما تكون بـ «التجميد» لأنشطته في وقت كانت الشعوب الخليجية تتوقع تطويرًا لكيانه المشترك بعد تجربة الكويت، بكل دروسها المرة.

 

 

وقد كان زايد، مدركًا للعقبات التي ما زالت قائمة أمام دعوة إعادة التضامن العربي، فقد كانت رسائله واضحة وصريحة أمام حاجة دول المنطقة «لإصلاح الخلل ومسح ما حدث في السابق من نقص في الكيان العربي الذي يتطلب الوقت والحوار والتفاهم بالحسنى والتأني». 

ولن يكون هذا الجهد سهلاً ولا سريع المنال فهو يتطلب إصرارًا يشبه إصرار المقاتل في جبهة القتال، بل يزيد عليه. فكما آمن «زايد»، فإن طي صفحات الخلاف تتطلب «الشجاعة بالسعي الواثق من أجل لم الشمل، وهي أكبر من الشجاعة التي يحتاجها المقاتل في ميدان الحرب، لأن لم الشمل، يحتاج إلى فكر وعمل وتفاهم من أجل التقريب بين الأخ وأخيه»، ولكنها معركة مشرّفة جديرة بكل التضحيات، كما كان يؤكد «زايد»: «بأننا العرب في حاجة إلى بعضنا بعضا في السراء والضراء أكثر ألف مرة من حاجتنا إلى جميع أصدقائنا أينما كانوا».

مَنْ من العرب يستطيع أن يرفض هذا المنطق، إذا حكّم ضميره.. بل ومصلحته الذاتية؟ هل يأَمن أي عربي اليوم على وجوده الذاتي إذا استمر الشتات العربي على ما هو عليه؟

]   ]   ]

وفي تقديرنا، أن استراتيجية إعادة التضامن العربي، تتطلب على الصعيد العربي العام – الرسمي والشعبي والفكري – الخطوات الآتية:

1- اعتماد استراتيجية الدبلوماسية الهادئة البعيدة عن الضجيج والاحراج، بين الأطراف العربية الأساسية، لحل الإشكالات القائمة. إن الجلوس بهدوء وجهاً لوجه، أو بمشاركة وسطاء عرب مخلصين، هو الأسلوب الوحيد المجدي، للبدء بإذابة الجليد، بين «الفرقاء» العرب الذين يعرقل اختلافهم حتى – اللحظة – حركة التضامن العربي.

 

 

2- الابتعاد عن الحملات الإعلامية المتبادلة، وإرسال الرسائل الحرجة عبر أجهزة الإعلام، مع تحويل هذه الأجهزة لخدمة التقارب بدل الإثارة والفتنة.

3- الخروج من سيكولوجية «التلاوم المتبادل» بين الأوساط العربية في هذا الجانب، أو ذاك. واعتقد بأن كبار الكتاب والمفكرين العرب لن يخدموا قضيتهم إذا استمروا في إصدار الكتب وتدبيج المقالات من أجل «إثبات» صحة مواقفهم وآرائهم أثناء الفتنة والمحنة. فالاختبار الحقيقي هو تقديم الأفكار النافعة من أجل المستقبل، بعيدًا عن منطق «قلتم لنا كذا.. ونقول لكم ذلك».

4- وستبقى جامعة الدول العربية – رغم كل المآخذ – المؤسسة العربية الجامعة التي يمكن أن تبدأ في ظلها، وفي إطارها، وحسب ميثاقها وآلياتها، عملية إعادة التضامن العربي – من منطلق قومي شامل مشرقاً ومغربًا وخليجيًا – بعيدًا عن التحالفات الثنائية، والمحاور الانفرادية. إن الجامعة العربية هي أقدم مؤسسة إقليمية جامعة في تاريخ العالم المعاصر، ومن إضرار العرب بأنفسهم أن يهملوا هذه المنظمة الجامعة، التي تستطيع، لو أراد أعضائها، أن تصبح قوة ذات شأن في المنطقة قادرة على وقف المتداعيات في الكيان العربي، والتجرؤ عليه من كل جهة.

]   ]   ]

ويبقى أن العمل العربي المشترك – رغم تراجعاته الخطيرة – لا يفتقد التجارب والنماذج الإيجابية، هل يمكن أن ننسى «روح السادس من أكتوبر» أو بالأحرى «روح العاشر من رمضان»؟

كانت هناك مصر بكل ثقلها، كانت هناك سوريا بكل طاقتها. كان هناك المغرب الذي لم تمنعه المسافات من تلبية النداء، وكان هناك جيش العراق البطل الذي اندفع فورًا إلى المعركة ودخلها بشرف.. لأنه – عندئذ – كان ذاهباً في الاتجاه الصحيح (ومن الوفاء العربي ألا ننسى له ذلك الدور)، وعلى جبهة النفط، كان هناك الملك فيصل، وإخوانه قادة دول الخليج العربي يلبون النداء.

وكان هناك القرار المبكر لزايد بن سلطان باستخدام سلاح النفط في المعركة القومية، تحت الشعار التاريخي الذي أطلقه: «النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي»، وكانت هذه الحقيقة من أروع الحقائق التي تمخضت عنها معركة أكتوبر المجيدة.

نعم، ويجب أن يبقى الدم العربي والوجود العربي – دائمًا - أغلى من النفط العربي ومن كل سلعة في العالم..

وإذا كانت معركة أكتوبر قد جرت لاستعادة الحق العربي في فلسطين، فإن «روح أكتوبر» المطلوب استعادتها اليوم، للحيلولة دون تحول «أكثر من بلد عربي» إلى فلسطين ثانية، كما تنذر به طبيعة الأحداث! 

والمهمة المحددة الملقاة على عواتقنا جميعًا – وبخاصة القادة والمسؤولون فينا – هي كيف نحقق لمبادرة التضامن العربي «قوة الدفع» اللازمة لها.. كي لا تضيع في زحمة الأحداث؟.. فهل تنقص العرب «شجاعة لم الشمل»؟.

 

*دارة «الأنصاري» للفكر والثقافة هي مؤسسة ثقافية تهدف إلى الحفاظ على إنتاج الدكتور الأنصاري وأعماله الفكرية والأدبية التي اهتم بها وركز عليها طوال مسيرته العلمية، وفي مقدمتها، التعريف بالجوانب المضيئة للحضارة الإسلامية والتراث العربي ومطالبته بصحوة فكرية وثقافية لأمة العرب، وإتاحتها للمختصين والمهتمين للبناء عليها وإثرائها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها