النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11884 الخميس 21 اكتوبر 2021 الموافق 15 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

المحرق مهد الثقافة ومنبع الفكر في مملكة البحرين

رابط مختصر
العدد 11715 الأربعاء 5 مايو 2021 الموافق 23 رمضان 1442

تؤكد المصادر التاريخية المتوافرة لدينا بأن مدينة المحرق هي مهد الثقافة ومنبع الفكر في مملكة البحرين، وبصورة خاصة في الفترة الممتدة من القرن التاسع عشر الميلادي، وحتى سنوات القرن العشرين. فقد شهدت مدينة المحرق أبان تلك الفترة العديد من الأنشطة والفعاليات الثقافية، كما برز فيها الكثير من الأدباء والشعراء والمفكرين والكتاب، الذين كانت لهم آثارهم القيمة التي وثقتها العديد من المصادر المطبوعة.

تعد المحرق المنشأ الأول لتأسيس أول مكتبة خاصة منظمة، قامت بدور فاعل ومؤثر في نشر الثقافة، وتحولت إلى منتدى فكري يتجمع فيه الأدباء والشعراء حينذاك.. تمثلت في المكتبة التي أسسها الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة في مجلسه بمدينة المحرق، في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي.

امتاز صاحبها الشيخ إبراهيم بصفات جعلت منه منارة إشعاع على مدى سني حياته. فهو الأديب، والشاعر، والمثقف، والمصلح. وقد كرَّس جهوده من أجل بث الوعي الثقافي بين المواطنين من خلال تحويل مجلسه إلى منتدى ثقافي. وكان مجلسه الذي ضم مكتبته ملتقى الشعراء والأدباء، تقام فيه المناظرات ويحتدم فيه النقاش، ويثار الجدل حول أمور الفكر والأدب.

استفادت المرأة البحرينية المحرقية من الاستماع لما يدور في منتدى الشيخ إبراهيم، من خلال وقوفها قريباً من نوافذ المجلس. وعلى الرغم من شعور الآخرين بالحرج وطلبهم من الشيخ صرف النسوة، إلا أنه لم يمانع من وقوفهن واستماعهن إلى ما يدور في مجلسه من أمور الأدب والشعر، باعتبار الثقافة في نظره ليست وقفاً على الرجال فقط.

ضمت مكتبته مجموعة كبيرة من الكتب الأدبية، والتاريخية، والدينية، ومجموعة كبيرة من دواوين الشعر، إضافة إلى اقتنائه أمهات الكتب العربية آنذاك، إلا أنه ومن أسف شديد لم يبقَ منها غير 400 كتاب.

ومن المدهش حقًا أن مكتبته ضمت العديد من المجلات العربية التي كانت تصدر في زمانه من بعض الدول العربية، ومجلات الجاليات العربية في المهجر، حيث بلغ عدد المجلات التي كانت ترد اليه عبر الاشتراك زهاء 15مجلة، تم توثيقها جميعًا في كتاب ((المكتبات في البحرين)) الصادر عام 2001م.

ونظرًا لباعه الطويل في مجال الشعر والأدب والثقافة بصورة عامة، فقد تمت الإشادة به من قبل مشاهير الأدباء العرب حينذاك، ومنهم: أمين الريحاني، ومحمد النبهاني، وعبدالله الطائي، وعبد الفتاح محمد الحلو، ومحمد علي التاجر وغيرهم. 

شهدت المحرق في عام 1919م بداية التعليم النظامي في البلاد من خلال تأسيس أول مدرسة نظامية هي مدرسة الهداية الخليفية. وكان لهذه المدرسة الأثر الكبير في بروز مجموعة من المتعلمين والمثقفين من كتاب وشعراء ونقاد، أثروا الساحة الثقافية المحلية بنتاجهم الفكري. كما ساهموا مساهمة فاعلة في نشر التعليم. ومن بين أولئك الشاعر الكبير عبدالرحمن المعاودة، الذي ساهم في تأسيس مدرسة أهلية عرفت بمدرسة (الإصلاح) في عام 1936م. وكانت تدرس معظم طلابها مجاناً، نظراً لكونها تعتمد في تمويلها على تبرعات الأهالي.

آلت إدارة مدرسة الإصلاح فيما بعد إلى أبناء خميس الزياني، الأمر الذي دفع بالشاعر عبدالرحمن المعاودة إلى تأسيس مدرسة جديدة أطلق عليها (مدرسة الإرشاد).

عرفت المحرق بأنها مهد المدارس الأهلية والخاصة. فقد تأسست أول مدرسة خاصة بها في عام 1926م، عرفت بمدرسة (دار العلم) لصاحبها عبد اللطيف سعد الشملان. كما تأسست على أرض المحرق (مدرسة الفلاح) لصاحبها محمد علي زينل في عام 1931م، وبلغ عدد طلابها ما يقرب من خمسين طالبًا.

من بين أسباب بروز مجموعة من المثقفين الواعدين في مدينة المحرق قبل غيرها، قرار حكومة البحرين بابتعاث مجموعة من الطلاب المتميزين الذين تخرجوا من مدرسة الهداية الخليفية في العام الدراسي 1927 /‏ 1928م للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1928م.

أصبحت الأرضية مهيأة في بداية عشرينيات القرن الماضي، لتبني شباب المحرق حينذاك الكثير من الأنشطة الثقافية والأدبية التي لم تكن تعرف في السابق. فقد تأسس النادي الأدبي بمدينة المحرق في عام 1920م، وانضم اليه مجموعة من المتعلمين من أبناء البحرين، ومنهم على سبيل المثال: الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، وأحمد العمران، وعبدالله الزايد، وقاسم الشيراوي وغيرهم.

كان لوجود بعض رجالات الفكر والأدب في البحرين من بلدان عربية مختلفة في البلاد، كالشاعر السوري محمد الفراتي، والشاعر العراقي محمد صالح بحر العلوم، والشاعر الكويتي خالد الفرج، والشيخ حافظ وهبة مدير مدرسة الهداية الخليفية، الأثر الكبير في دعم مسيرة النادي بانضمامهم اليه.

أثبت النادي الأدبي جدارته في لم شمل الطبقة المتعلمة في مدينة المحرق، بالتردد على النادي بشكل مستمر. وشهد النادي الأدبي العديد من الندوات، والأمسيات الشعرية التي كانت تستضيف الأدباء والشعراء من داخل البحرين ومن خارجها.

من بين أهم الأنشطة الثقافية التي قام بها النادي الأدبي، مشاركته في المهرجان الأدبي الذي أقيم في عام 1927م بمناسبة مبايعة أحمد شوقي أميرًا للشعراء. وقد أهدت البحرين أحمد شوaقي نخلة من ذهب، تحمل رطبًا من لؤلؤ تبرع بها الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، وقدمها أعضاء النادي الأدبي، وبرفقتها قصيدة نظمها خالد الفرج قال فيها:

من منبت الدر تسليم وتكريم

لشاعر اللغة الفصحى وتقديم

حياك من دارنا البحرين لؤلؤها

والنخل إذ بسمت منه الأكاميم

ورد شوقي بقصيدة أشار فيها إلى هدية وفد البحرين بقولة:

قلدتني الملوك من لؤلؤ البحرين

آلاءها ومن مرجانه

نخلة لا تزال في الشرقي معنى

من بداواته ومن عمرانه

من بين اللمسات المهمة التي كان لها أثرها الكبير في تاريخ البحرين الصحفي، نجاح محاولة أبن المحرق عبدالله الزايد في إصدار أول جريدة في البلاد في شهر مارس من عام 1939م أطلق عليها (جريدة البحرين). وقد مرت هذه الجريدة بفترات قاسية أثرت على مسار حركتها. فبعد مرور نصف سنة على إصدارها وقعت الحرب العالمية الثانية، إلا أنها استمرت رغم ذلك في الصدور حتى عام 1944م.

اتجهت الجريدة للكتابة عن التعليم في البحرين والتشجيع عليه، والحث على الاهتمام بدور المرأة كعنصر مكمل ومساند للرجل في الحركة الفكرية والأدبية في البحرين. وافسحت الجريدة مجالاً للنقد الأدبي، تشجيعًا منها لدفع الشباب الواعد حينذاك بالمساهمة في الكتابة والنقد. وقد بلغ عدد المقالات النقدية التي نشرت في الجريدة 42 مقالاً نقديًا، تركز 35 منها في السجال الذي دار حول تجربة الشاعر عبدالرحمن المعاودة الخاصة برباعياته الشعرية.

أصبحت المحرق شعلة نشاط في الحراك الثقافي في خمسينيات القرن العشرين، إلا أنه كان ينقصها وجود مكتبة يتم من خلالها الاستفادة من قضاء أوقات الفراغ بما يعود على أهالي المحرق بالنفع. وقد لبى حاكم البحرين حينذاك الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة طلب الأهالي في عام 1954م، وتبرع بمقر المكتبة الذي هو عبارة عن مبنى مكون من غرفتين متلاصقتين ترتبطان برواق مفتوح، ويقع المبنى مقابل مسجد الشيخ حمد بسوق المحرق.

وهكذا تحقق حلم كان يراود المتعلمين والمثقفين في مدينة المحرق، يمثل في وجود مقر ثقافي يلم شملهم. وقد استمرت المكتبة حتى نهاية عام 1962م. وأعيد افتتاحها في نفس موقعها ولكن في مبنى جديد وذلك في عام 2017م.

كانت مدينة المحرق منارة علم وثقافة، وساهم وجود المناخ الثقافي المتعدد بها إلى بروز شخصية أدبية وفكرية نالت شهرتها على مستوى الوطن العربي.. ذلك هو المفكر العربي الكبير الدكتور محمد جابر الأنصاري، الذي شغل فكره ورؤاه كبار المفكرين العرب، باعتباره أحد أبرز رواد الفكر والثقافة في التاريخ المعاصر.

بدأ الدكتور محمد جابر الأنصاري مشواره بكتابات أدبية ونقدية، كان لها أثرها الكبير في أوساط الأدباء العرب، إلا أنه اتجه فيما بعد إلى التركيز على الكتابة في مجالات الفكر، والسياسة، والثقافة، رافدًا المكتبة العربية بكتب هي في أمس الحاجة اليها في التاريخ المعاصر.

اختار الدكتور الأنصاري منطقة الفكر، فأخذ يطل منها، وهي ساحة معرفية مشتركة تقع على خطوط التماس مع الدين، والفلسفة، والسياسة، والأدب. وعالج من خلالها واحدة من أدق إشكاليات العصر وأعقدها، وأكثرها مدعاة للجدل والحوار.. وهي ((التوفيقية)). كما لامس الخطوط الحمر في بحثه عن أسباب التأزم السياسي عند العرب، وهي حالة مزمنة أخذت من وقته الكثير.

نالت رؤاه وابحاثه التي نشرت في كتب بلغ عدد عناوينها 22 عنوانًا، اهتمام كبار المفكرين والمثقفين في الوطن العربي في النصف الثاني من القرن العشرين. 

وغطت كتبه أربعة حقول معرفية هي: الأدب، والسياسة والفكر، والسوسيولوجيا السياسية، والثقافة، داعماً بمؤلفاته هذه مشروعه الفكري الذي أخذ في الانتشار بين رجالات الفكر والسياسة في الوطن العربي.

وقد اعترف بجهوده تلك جمهرة من كبار المفكرين والأدباء والنقاد العرب، الذين وثقت شهاداتهم في كتابي الذي أصدرته في عام 2009م بعنوان: (الدكتور محمد جابر الأنصاري.. المفكر والأفكار)، للبرهنة على تجاوز فكرة ضفاف الخليج وصحراء الجزيرة العربية، لينفذ إلى جميع الأقطار العربية المشرقية منها والمغربية.

هكذا كانت المحرق مهد الثقافة ومنبع الفكر في مملكة البحرين، وإن الفخر والاعتزاز بها، يعني الاعتزاز والفخر بتاريخ مملكة البحرين الثقافي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها