النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11799 الأربعاء 28 يوليو 2021 الموافق 18 ذو الحجة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:32AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:27PM
  • العشاء
    7:57PM

كتاب الايام

في ذكرى وفاة عبدالناصر

هذه الأوراق المتباينة: بين قلب يقبل وعقل يسأل!

رابط مختصر
العدد 11499 الخميس 1 أكتوبر 2020 الموافق 14 صفر 1442

 الموسم الثالث من سلسلة الأنصاري و«قديمه المتجدد» 

تبادر «دارة الأنصاري للفكر والثقافة» *، بالتعاون مع جريدة «الأيام»، كناشرٍ حصري، بإعادة نشر بعض مقالات أ. د. محمد جابر الأنصاري «بتصرف» وبقراءة للحاضر من ماضٍ قريب. 


 

سيجد خصوم عبدالناصر في بعض مراجعاتنا تعاطفًا معه وتحيزًا إليه، ولا يسعني أن أنكر ذلك أو أتنكر له بحكم انتمائي وجدانًا وواقعًا للملايين التي خاطبها الرجل.

وسيجد محبو عبدالناصر في بعضها الآخر تحاملاً عليه وتحيزًا ضده، ولابد من الإقرار إن منهجية البحث عن الحقيقة قد حتمت ذلك، بعد الحصاد المر، وتكشّف محصلة التجربة.

والمراجعات لن تنجو من جدلية الاختلاف في الحالين، وكان هذا قدر عبدالناصر حيًا وميتًا، منتصرًا ومهزومًا.

ولا تطمح هذه المراجعات إلى الخروج من دائرة ذلك «القدر» فهي أوراق تناثرت، وتوزعت، وربما انشطرت، على امتداد العمر وتراكم التجربة، بين قلب يقبل وعقل يسأل، بين قلب يقبل عندما قال الرجل واثقًا: «ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد»، وبين عقل يسأل عندما قال الرجل مطأطئًا: «انتظرناهم من الشرق فجاؤونا من الغرب». 

وتقديري إنه إذا كانت «الناصرية» ظاهرة الحاكم الفرد وأخطائه، وسطوة أجهزته ومراكز قواها الفاسدة، فذلك تاريخ لابد من تجاوزه في كل الأنظمة العربية. أما إذا كانت «الناصرية» استنهاضًا للعرب لإقامة كيانهم المتقدم، بالكرامة والحرية، في هذا العصر، فذلك لا يمكن إغفاله في أي نهوضٍ مقبل للعروبة والإسلام، لا تملك مصر إلا أن تكون في طليعته.

في مساء يوم 23 يوليو 1952 كنت في الثالثة عشرة من العمر، وسمعت مع العائلة راديو لندن يقول: إن الجيش قد عزل الملك فاروق. وأسفنا للملك لأنه ملك مصر التي نحبها، والتي كانت تقاوم الإنكليز كما كنا نقاومهم في البحرين والخليج، والتي لم تبخل علينا بالمدرسين والكتب والصحف التي لم نكن نجد غيرها، والتي عززت ثقافة البحرين العربية على مختلف الأصعدة، ورسّخت عروبتها الصامدة في وجه الادعاءات الإيرانية في عهد الشاه.

وقد قال أحد أفراد العائلة بعد سماع نبأ الانقلاب، يطمئنا: «إنه انقلاب مؤقت، وسيعود الملك بعد ستة أشهر!».

ولم يعد الملك، بل رحل بعده ملوك آخرون. وجرت مياه كثيرة، وتحركت رمال أكثر على الأرض العربية. ولم ننتبه حينئذ أن الذي تهاوى على الأرض أقدم وأبكر ديمقراطية في العالم العربي متمثلة في النظام الملكي الدستوري المصري الذي تأسس، على دستور 1923، وكان -رغم سوءاته- مظلة النهضة الوطنية، التعليمية، والفكرية، والتنموية التي أنجبت طلعت حرب في البناء الاقتصادي، وطه حسين وعباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم في البناء الثقافي، وأشاعت مناخًا ليبراليًا في الوطن العربي تعايش في ظله «الإخوان المسلمون» و«الشيوعيون»، وكان عبد الناصر وضباطه «الأحرار» من نشطائه، إلا إن مقتل ذلك النظام تمثل في افتقاده إرادة إصلاح ذاته حكمًا ومعارضة.

***

ومرَّت 18 سنة عاصفة من الحضور المتفرد لقيادة عبدالناصر على الساحة العربية، وفي مساء 28 سبتمبر 1970، اليوم الفاجع الذي توفي فيه عبدالناصر، اضطررت لإغلاق باب غرفتي عليّ لساعات، وبكيت بكاءً مرًا بدموع غزيرة، رغم ندرة دموعي، كما لم أبكِ في حياتي قط. لم أبكِ الرجل فحسب، لكني بكيت فيه آمال الأمة الضائعة وفجيعة جيل بأكمله.

بين ذينك اليومين تفتح وعي، ونمت تطلعات، وازدهرت آمال ثم تحطم كل شيء. وتبين لي، بعد أن جفت الدموع وتحولت الحسرة إلى عبرة في السنوات التي تلت، أن التاريخ لا يرحم، وأنه لا تهمه دموع المحزونين، بقدر ما تحركه سواعد القادرين. وصار همي، أن أبحث بالمعرفة عن ذلك النوع من القدرة التي يمكن أن تؤثر في التاريخ. 

فالتحرر الذي نادت به «الناصرية»، كان ينبغي أن يكون تحريرًا للمواطن والمجتمع من أجهزة السلطة وفسادها في المقام الأول، وألا يقتصر على التحرر من الاستعمار الخارجي، واستبدال تسلط داخلي بتسلط داخلي آخر. 

هذا أول الدروس وأهمها في «نقد» الناصرية الذي لا بد منه لجيل عربي أرادت الناصرية «تحريره».

أما الدرس الموازي والذي لا يقل أهمية، فإنه كما افتقد النظام الملكي الدستوري في مصر إرادة الإصلاح الجدي من أجل البقاء والتطور، فإن النظام الثوري الناصري، بمراكز قواه المتسلطة التي صادرت إرادة القائد والجماهير معًا، قد عجز هو الآخر عن «إصلاح» ذاته من الداخل وترك مصيره النهائي يتقرر حسب مصالح تلك المراكز الفاسدة. وتلك مسؤولية تاريخية يتحملها القائد، والتقدير لذكراه ينبغي أن لا يحجب عنا هذه الحقيقة؛ لأن من الأهمية بمكان أن يعيها كل قائد عربي مخلص، وكل مواطن عربي، وكل مناضل عربي شريف يأبى الانضمام إلى زمرة الفاسدين ممن يجلبون الخراب والدمار في النهاية للأنظمة التي يتظاهرون بخدمتها ويبيعونها الولاء المغشوش ثم يبيعونها كلها بأبخس الأثمان.

وعليه فينبغي أن يكون مغزى هذا التزامن ليس مجرد التحسر على غياب «البطل» القومي في غمرة هذا التراجع الكبير، وإنما النظرة التاريخية الشاملة لما قبل ثورة يوليو وما بعدها. 

السؤال الكبير: لماذا سقط النظام الملكي البرلماني الدستوري وغابت معه تجربته الديمقراطية المأسوف عليها؟ ولماذا سيطر التيار السلطوي الشعبوي الثوري وحقق إنجازات ثم لم يلبث أن انحسر؟

لماذا سقطت الملكية إذن، ولم تتواصل الثورة بعدها؟ علينا مواجهة هذا السؤال المزدوج، إن كنا جادين، كعرب، في مواجهة استحقاق المستقبل.

يستطيع المؤرخ أن يشير إلى نكبة فلسطين 1948 وهزيمة 1967 وما رافقهما من مؤثرات دولية معيقة. لكن يجب على المؤرخ، المؤرخ العربي بالذات ولمصلحة العرب أنفسهم، ألا يغض النظر عن قصورين أساسيين في بُنية النظامين الذاتية:-

إن النظامين الملكي والثوري تعاملا مع مسألة الديمقراطية تعاملاً جعل للتسلط الأولوية على المشورة وتبادل الرأي (وإن كان النظام الملكي أقرب إلى طبيعة الديمقراطية بحكم تركيبته التعددية ذات التشكل الليبرالي).

إن النظامين انطويا على نوع من «فساد» الحكم خاص بطبيعة كل منهما. وافتقدا، كما أشرنا، إدارة أو قدرة اصلاح ذاتهما من الداخل (وذلك مقتل لأي نظام حاكم)، وإن كان النظام الثوري في بدايته أكثر حسمًا مع شؤون الفساد، إلا أن مراكز القوى والتسلط الفاسدة حالت دون استمراره في التطهير.

بإيجاز، السؤال التاريخي الذي يحاول الإجابة عليه كتابنا «الناصرية بمنظور نقدي: أي دروس للمستقبل»، ذو شقين:

لماذا تعثرت أبكر ديمقراطية عربية؟

ثم لماذا انحسرت أوسع ثورة عربية؟

فهما وجهان لعملة واحدة، هي حقيقة السيسيولوجيا السياسية العربية التي عالجناها في مؤلفات أخرى. (يراجع للمؤلف: «تكوين العرب السياسي» و«التأزم السياسي عند العرب» و«العرب والسياسة: أين الخلل؟»).

هكذا، فالعبرة ليست في نوعية النظام وشكله، العبرة في إرادة الإصلاح الحقيقي والجدّي. وإذا اهتزت هذه الإرادة، فلا بديل عن الإصلاح المسؤول والهادف إلا قفز الثورات الدموية بمصائر الأوطان والشعوب إلى المجهول.

 

* دارة «الأنصاري» للفكر والثقافة هي مؤسسة ثقافية تهدف إلى الحفاظ على إنتاج الدكتور الأنصاري وأعماله الفكرية والأدبية التي اهتم بها وركَّز عليها طوال مسيرته العلمية، وفي مقدمتها، التعريف بالجوانب المضيئة للحضارة الإسلامية والتراث العربي ومطالبته بصحوة فكرية وثقافية لأمة العرب، وإتاحتها للمختصين والمهتمين للبناء عليها وإثرائها. 

* المقال مقدمة كتاب «الناصرية بمنظور نقدي: أي دروس للمستقبل» بتصرف، الصادر عام 2002، ويضم الكتاب مراجعات متباينة زمانًا ونهجًا عمرها من عمر حركة 23 يوليو ومجراها العميق في الواقع العربي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها