النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11315 الأربعاء 1 ابريل 2020 الموافق 8 شعبان 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    5:55PM
  • العشاء
    7:25PM

العدد 11291 الأحد 8 مارس 2020 الموافق 13 رجب 1441

الـمـــحـــرق لؤلوة جـــــزر الــبــحـريـــن

رابط مختصر

تتعثر الكلمات كلما حاولت أن أكتب عن المحرق؛ لأن مشاعري تسبق أفكاري، فكيف لابن المحرق أن يصفها دون أن يجول بذاكرته في تاريخ مساجدها، ومعمار بيوتها القديمة التي تقف شامخة في وجه الغزو الحديث للبنيان الشاهق والعمارة الحديثة.
مدينة المحرق، ثاني أكبر جزر البحرين، وعاصمتها التاريخية من 1810 إلى 1923، شدّت إليها أهلها فلا يستطيعون فراقها، وجذبت إليها السياح فلا يغادرونها إلا وقد تشبّعت نفوسهم بعبق التاريخ وجمال المعمار وإشراقة الحاضر.
يعود تاريخ المحرق إلى عصر دلمون (قبل خمسة آلاف سنة)، لكنها برزت على الساحة في السجلات التاريخية في أثناء عصر تايلوس (حوالي 250 قبل الميلاد - 250 ميلادية) عندما وقعت البحرين تحت سيطرة اليونانيين السلوقيين. وبفضل موقعها الجغرافي المميز ووفرة المياه الجوفية فيها وملاءمة مرساها للسفن، أضحت المدينة منفذًا طبيعيًا مهمًا للبحرين.
كانت تسمى «رفين»، وهي مدينة قديمة، ويسميها العاشقون الهائمون بها عروس البحرين وعروس الخليج، امتدّت بين جنباتها أزهى وأحلى المناظر، فهذا البحر يحيط بها من مختلف الجهات، وهذه مزارعها الخلابة لوحة في غاية الروعة.
عُرفت مدينة المحرق بمعالمها التاريخية الشاهدة على عراقتها، فمعمارها عربي إسلامي ضارب في القدم يتجلى أبهى ما يكون في بيت الشيخ عيسى بن علي، وبيت مطر، وبيت بوخاطر، وبيت سيادي، وهذا البيت يعد من أشهر بيوت اللؤلؤ في المملكة وهو لا يزال أثرًا شامخًا وقائمًا. أما المساجد فهي تاريخ يروى ودروس تحفظ، حتّى أن الباحث الشيخ صلاح الجودر خصّها في كتاب بعنوان (مساجد المحرق تاريخ وآثار)، فلا يخلو فريج من مسجد أو اثنين، فهذا مسجد الشيخ عيسى، وهذا مسجد سيادي، وهذا مسجد المعاودة، وهذا مسجد البوعينين، وهذا مسجد بوخاطر...


وإذا دخلت سوق المحرق يشدك سوق القيصرية بوصفه شاهدًا تاريخيًا وحضاريًا حيًّا، وبما يحيط به من أسواق كسوق التجار والسوق المقابل له، وسوق اللوزية وسوق الخارو، وسوق محيش.. وقد جرى تجديد بعض الأسواق مثل سوق القيصرية لتبقى شاهدًا على عصر جميل مستمرّ بفضل محافظة أهل المحرق على تقاليدهم. وتبقى المحرق عاصمة الحلوى البحرينية، فلا يمرنّ أحد من الزائرين بها إلا واختار من محلات الحلوى ما يلذّ ويطيب له ولأهله.
أمّا عمود الاقتصاد الذي قامت عليه المحرق سابقًا فكان الغوص بحثًا عن اللؤلؤ الطبيعي، إذ سمح لها موقعها المطل على البحر أن تكون عاصمة للؤلؤ الطبيعي في منطقة الخليج العربي على مدى القرون؛ وذلك لكونها أكثر المدن ازدهارًا واتصالاً بهذا الاقتصاد العريق، بالإضافة إلى كونها موطنًا لأكبر عدد من الغوَّاصين.
في الواقع، كان جميع أهل الجزيرة بطريقة مباشرة مدمجين في أنشطة الغوص واللؤلؤ، وفي تزويد وتطوير الصناعات المتصلة بها، كما تفخر المحرق بكونها الأرض التي ينطلق منها الأسطول الأكبر لسفن اللؤلؤ.
وقد استطاعت هيئة البحرين للثقافة والآثار، بفضل جهود الشيخة مي بنت محمد آل خليفة، أن تدرج طريق اللؤلؤ ضمن معالم البحرين المدرجة على قائمة اليونسكو.
ومن اللافت في المحرق أيضًا وفرة مجالسها التي تعدّ قبلة أهلها فيها يجتمعون ويتدارسون مشاكلهم، وفيها تكون المعايدات وإحياء المناسبات الاجتماعية والوطنية؛ لذا تظل المجالس مفخرة من مفاخر مدينة المحرق، وأذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر مجلس بن هندي ومجلس الدوي ومجلس الجودر...


وقد أنجبت المحرق العديد من الشخصيات البارزة في مختلف المجالات، قديمًا وحديثًا، ونبغ في ربوعها الشعراء فتغنّوا بها ووصفوها وتفننوا في إبراز جمالها، ورحم الله ابن المحرق البار بأهله ومدينته العريقة، شاعر الشباب (عبدالرحمن بن قاسم المعاودة)، عندما أرهقه الحنين (وهو في المنفى)، فأرسل أبياته وبثّ شكواه إلى أهله في المحرق قائلاً:

إذا لاحَ من نحوِ المُحرّق بارقٌ حَنَنتُ وأضنانـي جـوًى وعـذابُ
وذكّـرنـي قومـًـا علـيّ أعـزّةً مدى الدهـرِ ما عنهم هوًى ومَنابُ
هنالك أرباعُ الطفولةِ والصِبــا وأهلٌ كـِـرامٌ حــولها وصِحــابُ
فيا من يُروّيني بِعذبِ عيونـهـا فقد ظمِأت نفسـي وعَـزّ شـَــرابُ

وقد احتفت منظمة (الإيسيسكو) سنة 2018 بالمحرق عاصمة للثقافة الإسلامية. وقد أشاد الدكتور عبدالعزيز بن عثمان التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بما تشهده مملكة البحرين من تطوّر ورقيّ انطلاقًا من تاريخها وحضارتها العريقة. كما أشاد الضّيوف بالإنجازات التي حقّقتها البحرين في المجالات الثقافية والتراثيّة، وبما تحتضنه من صروح ومعالم ثقافية وعلميّة شاهدة على عراقتها وأصالة شعبها، كما نوّهوا بعراقة تاريخ مدينة المحرق وإرثها الإنساني وما تتمتّع به من مقوّمات عديدة أهّلتها لتحظى بهذه المكانة المتميّزة على المستوى العالميّ.
ولعل ما تحقق للمحرق في العهد الزاهر لصاحب الجلالة الملك حمد يبقى دليلاً كافيًا على مدى اهتمام القيادة الرشيدة بالمحرق، لا سيّما فيما يتعلق بتوفير أفضل المرافق كي تكون متنفسًا لأهل المحرق، من ذلك ممشى الغوص وممشى البسيتين أخيرًا.
وتستمرّ مسيرة المحرق بفضل القيادة الرشيدة، وعلى رأسها صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، فقد خصّ المحرق برعايته الأبوية، وأحسب أن كلمات جلالة الملك لأهالي المحرق ستظلّ وسامًا على صدور أهلها، فجلالته أول من أطلق على المحرق لقب «أم المدن»، ثمّ وصفها بـ«قرّة العين»، وحين يذكر جلالة الملك حمد المحرق بهذه الأوصاف والألقاب فإنّه يحمّل أهلها مسؤولية مضاعفة حتى تبقى المحرق في هذه المنزلة الرفيعة في نظر القيادة، مستمرة على نهج الوفاء والولاء، رافعة لواء العزة والشموخ عاليًا من أجل عزة البحرين وأهلها.

عضو المجلس التنسيقي بمحافظة المحرق
المصدر: د. حسن إبراهيم كمال

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها