النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12175 الاثنين 6 أغسطس 2022 الموافق 10 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:41AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

العدد 12163 الأربعاء 27 يوليو 2022 الموافق 28 ذو الحجة 1443

أمجاد الماضي وآمال المستقبل

رابط مختصر
كانت مكة قرية صغيرة، ثم كبرت هذه القرية حتى أكلت مدن الباطل، ولدت مدن الخير والحق، ثم كبرت حتى صارت أم الأرض كلها. انبثق الإسلام من هذه القرية الصحراوية، لا في جنات الشام، ولا تحت قباب القسطنطنية، ولا يجنب إيوان المدائن، ولا في أوروبا التي كانت يومئذ مسرح وحوش على صورة بني آدم.
لولا هذه القرية التي لا تتطاول بالمظاهر الجميلة والمناظر البهيجة، لكان العالم قفصا ذهبيا، يبقى فيه الإنسان طائرا سجينا، فهذه هي القرية التي أخرجت الإنسان من ضيق الدنيا إلى سعتها، وأعادت الإنسانية حريتها الفردية وكرامتها الإنسانية.
وكانت البشرية جثة هامدة، ليس فيها حرارة روح، ولوعة قلب وسمو النفس، وإذا بهذه الجثة البشرية الهامدة يدب دبيب الحياة، وإذا بهذا الجسد الميت يهتز اهتزازا تزلزل به أوكار الطيور التي قد عششت عليها وباضت وفرخت وهي تحسب أنها ميتة، لا حراك فيها ولا نشاط، إذا طلع في هذه القرية فجر السعادة والعدل في العالم، وإذا بعثت في هذه القرية رسالة من السماء، وهذه الرسالة ضربة قوية على أفكار الحياة يأسرها ويتأثر بها هيكل الحضارة والسياسة بجميع أركانه.
من هنا تفجر ينبوع الإسلام، ومن هنا خرجت جنات الشام والأندلس، وعلى هذه الجبال السود نزلت رسالة للإنسانية، من هنا خرجت الحضارة الخيرة التي لا تزال الإنسانية تنعم بخيراتها، فما رأينا مكانا، أبلغ في القلوب أثرا، وكان أكثر على البشرية فضلا، وأخلد في التاريخ عظما، وأكبر على الحضارة يدا.
وفي هذا المكان المتواضع المنقطع عن العالم المتمدن، في هذه القرية بين الرمال والجبال، ولدت قوة جديدة لمكافحة الشر، وصد تيار الفساد لتكوين المجتمع الجديد وخدمة الإنسانية، وهذه القوة الباهرة تجددت الأمل في الإنسانية ومستقبلها، وأعادت كرامة الإنسان إلى الإنسان. وفي هذه القرية وجدت فيه الإنسانية الأمل والإيمان الذي فقدته وأفلست فيه منذ مدة طويلة.
إن المصلين يتوجهون جميعا، من آفاق الأرض الأربعة، خمس مرات كل يوم، إلى هذه القرية التي فيها البنية السوداء -الكعبة المقدسة- يقومون صفوفا وراء صفوف، يتصورونها على البعد من وراء الجبال والبحار، وقلوبهم تهفو إليها أكثر مما يهفو إلى المحبوب قلب العاشق الهيمان، وبينهم وبينها ألف حجاب، فلا يزال الحاج منهم يجزع الأرض يدنو منها، وكلما دنا وارتفعت له الحجب، حجابا بعد حجاب، زاد به الشوق خطوة بعد خطوة، حتى يصل في حضرة القدس، وإذا هو يلمس بيده جدرانها ويقبل حجرها، وإذا هو في لذة من لذائذ الروح، لو اجتمعت أقلام أدباء البشر من كل لسان لما استطاعت وصفها.
يشارك في الموكب الذي بدأ يسير من عهد إبراهيم، لم ينقطع أبدا، موكب الطهر الذي يسير في الليل والنهار على مدى الأيام وكر الليالي، موكب الطائفين، فهو يشعر كأنه قد حل عنه قيد الزمان والمكان.
هذه قرية «مكة» التي تغير بها مجرى التاريخ وانقلب بها تيار الحياة واستأنف العالم سيرا جديدا إلى نحو جديد. هذه هي القرية التي أهدت للعالم شيئا من الإيمان واليقين، فتبدل الأرض غير الأرض، وتغير العالم غير العالم. هذه هي القرية، منزل الوحي ومبعث الدين الحنيف، فيها الدين والدنيا، فيها أمجاد الماضي وآمال المستقبل.

د. معراج أحمد معراج الندوي
الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها
جامعة عالية، كولكاتا - الهند

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها