النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

العدد 12084 الإثنين 9 مايو 2022 الموافق 8 شوال 1443

لماذا تقف المرأة ضد المرأة؟

رابط مختصر
تقول هاريت توبمان: لقد حررت ألف عبدٍ وكان بإمكاني تحرير ألف عبدٍ آخرين لو أنهم عرفوا فقط أنهم عبيد.
تختصر المناضلة العظيمة هاريت توبمان في هذه المقولة معضلة ضحايا متلازمة ستوكهولم في كل زمان ومكان.
متلازمة ستوكهولم هي متلازمة تصيب ضحايا الاعتداء والتحقير وسلب الحقوق، إذ يواجهون تلك المشاعر السلبية بأسلوب دفاعي نفسي (defense mechanism)، وهو التعاطف مع المعتدي والتضامن معه.
فالضحية حين تؤمن بنفس أفكار وقيم المعتدِي فإن أفكاره وتصرفاته معها لن تعتبر تهديدًا أو تخويفا بالنسبة لها.
والمرأة بالذات هي ضحية لتلك المتلازمة منذ أقدم العصور، إذ إن النساء كانت في المجتمعات البدائية تتعرض للخطف أو الأسر خلال هجوم القبائل الأخرى على قبيلتها، فخطف النساء واغتصابهن وقتل أطفالهن الصغار كان أمرًا شائعًا وكانت المرأة التي تقاوم في تلك المواقف تعرض حياتها للخطر.
وخلال فترات طويلة من التاريخ كان خوض الحروب وأخذ السبايا أمرًا طبيعيًا وقد كانت السبية أو الأسيرة تتعايش وتندمج ضمن القبيلة التي أسرتها وتخلص لها.
وهذا النمط من الحياة ما زال معروفًا لدى بعض القبائل البدائية، وكذلك لدى بعض الثدييات المتطورة.
والمشكلة مع هؤلاء الضحايا ليس فقط التضامن مع المعتدي والتعاطف معه، بل أيضًا المشاعر السلبية للضحية اتجاه من يحاول إنقاذهم أو الوقوف بجانبهم.
وتلك المشاعر السلبية كنا نراها في محاربة النساء بأنفسهن لأي من يحاول تحريرهن.
إذ حاربت النساء في الماضي القريب من دعا الى تعليمهن ودخولهن للمدارس والجامعات، وطالب بحقهن في العمل وكسب قوت العيش مثلهن مثل نظرائهن من الرجال.
وعلى الرغم من أن التعليم من أبسط الحقوق الشرعية للإنسان إلا ان الكثير من النساء حينها حاربن تلك المطالب والدعوات بتحريرهن واضطهدن من استجاب لتلك الدعوات من غيرهن من النساء، واتهموهن بالعهر والفسق واتهموا رجال عائلاتهن بالدياثة.
وكما قالت هدى شعراوي في مذكراتها:
(وكم سمعنا في ذلك الوقت السيدات أنفسهن يستنكرن تصريحات قاسم أمين ومبادئه رغم إنها كانت في صالحهن؛ لأنها كانت تظهرن في الثوب الحقيقي من عدم الكفاءة، وكان ذلك يجرح كبرياءهن، فكن بذلك يذكرنني بالجواري عندما تعطي لهن ورقة العتق من الرق، إذ كن يبكين على حياة العبودية والأسر).
وعلى الرغم من كل ما واجه الكاتب المصري قاسم أمين في دعواه لتعليم المرأة من معارضة حينها، سواء كان ذلك من ذكور المجتمع أو اناثه المستعبدات بجانب المؤسسات الدينية، إلا أن في النهاية مصر والوطن العربي من بعدها أُنعموا بمدارس وجامعات للنساء بعد دعوات قاسم أمين ومن سانده مثل الشيخ محمد عبده ولطفي السيد والأميرة نازلي فاضل.
وأصبح العلم بعدها تاجًا للمرأة العربية تتسابق لوضعه على رأسها بعد أن كانت تتزين بالجهل وتتشرف به.
وعلى الرغم مما تسببته متلازمة ستوكهولم بسلبية للكثير من النساء ووقوفهن ضد أنفسهن وضد منفعتهن، فإن لله سبحانه لطفه وحكمته، فهناك من هن ناجيات من تلك المتلازمة البغيضة ممن لا يطور اللاوعي لديهن دفاعية انكار الأذى والتماهي مع حجج المعتدي والدفاع عنه.
فهناك من عقلهم الواعي لا ينقاد ولا يستسلم لأساليب اللاوعي الدفاعية ويبقى يقظًا، ولا تنطلي عليه حجج المعتدي وخدعه.
ولهذا فقد كان هناك العديد من المناضلات النسويات على مدى التاريخ انطلاقًا من إليزابيث كادي ستانتون بالقرن التاسع عشر، ثم إيميلين بانكهرست الناشطة الأكثر شهرة في إنجلترا في عشرينات القرن العشرين، وإيفا كولستاد في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى سيمون دي بوفوار الأكثر شهرة في ستينات القرن العشرين والكثيرات غيرهن.
لم تنطل على هؤلاء النساء الحجج التي يستخدمها الذكوريون في تحقير وتضعيف قدرات المرأة واستحقار قدرها والهيمنة على حقوقها.
مثل حجة دورة المرأة الشهرية وهرموناتها وأثرها على قدرات المرأة، وهي الحجة الضعيفة علميًا والبالية منطقيًا، والتي ما زال بعض ضعيفي الحجة وبليدي الفكر يستخدموها على الرغم من أن العلم أثبت أن الرجل له نصيب من الدورة الشهرية فترتفع هرموناته وتنزل خلال فترات متقطعة من الشهر، مسببة بكل الأعراض المزاجية التي تصيب المرأة قبل الحيض.
التعذر بطبيعة جسد المرأة في حرمانها من حقوقها تعتبر من الخدع الناعمة التي تستخدم عادةً على أي ضحية من أي نوع من أنواع الاعتداء وذلك لتألف الضحية على وضعها المرير ويستطيع اللاوعي عندها خلق التبرير ويمنع حالة الفزع والمرارة الشديدة لو أدرك الوعي الواقع.
والضحية هنا لا تصدق الحجة لقوة الحجة او لقدرة الحجة على تحدي ذكائها، بل لرغبة الضحية نفسها في تصديقها وخوفها من الاصطدام بالحقيقة بالمؤلمة.
ولهذا فالضحايا من النساء يكرهن النساء اللواتي تحررن من الكذبة او الخدعة واستطعن ان يواجهن واقعهن لأن ذلك يذكر الضحايا بأنهن ايضًا يحتجن أن يواجهوا ذلك الخوف بعد أن كانوا قد تأقلموا مع أمان نفسي كاذب لفترة طويلة من الزمن.
فالخوف من المواجهة والتغيير صفة أصيلة لدى البشر، وقد تكون هي السبب في تأخير عجلة التحضر والتقدم عند البشر.
ولكن في النهاية وعلى مدى التاريخ، العقل الواعي لدى الإنسان دائمًا ما ينتصر على اللاوعي عنده، وأساليب اللاوعي أثرها التخديري على الإنسان أثر مؤقت واليقظة لديه دائمًا ما تتغلب.
وقد تكون الحرب بين الغفلة واليقظة طويلة ومرهقة وقد تستنزف في طريقها ضحايا وأنفُسًا، لكن الغلبة لليقظة نتيجة معلومة بالضرورة لا يستطيع أن ينكرها لا المخادعون ولا حتى مغفليهم.

هالة الشماسي

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها