النسخة الورقية
العدد 11096 الإثنين 26 أغسطس 2019 الموافق 25 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:52AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

«لا موسيقى في الأحمدي».. إكسير حياة يحارب شبح العنصرية

رابط مختصر
العدد 11082 الإثنين 12 أغسطس 2019 الموافق 11 ذو الحجة 1440
تتغير الحقبة الزمنية معرية معها ملامح المكان الأصيلة، تكسوه بصبغة مستجملة حداثية، وقد نقول إنها سنة الله في أرضه، حيث جعل من المرء خليفة فيها ليعمرها نسبيا في نطاق النمو المعرفي والآخر الاقتصادي المتواترين، قد تتعلق الروح بزاوية من زوايا الأطلال، يكون لها عبقا خاصا، يروي النفس الظمآنة التائقة لخلع أساور الحاضر واعتناق الماضي كما كان، قد تكون روائح قطرات نفط للتو قد انبثقت من بئرها أو رذاذ ماء متطاير يعانق قسمات الوجه فيزيده نضارة حضارية.
وها نحن على أعقاب مشاهدة العمل الدرامي (لا موسيقى في الأحمدي) نكاد أن نجزم ونقول أن الدراما الخليجية اليوم عادت إلى سابق عهدها، وحققت مكانة ومنزلة رفيعة في الحياة والفن، وها هو (لا موسيقى في الأحمدي) قد أصبح منهجا روائيا، ذا أبعاد فلسفية وإنسانية وأعماق ثقافية حضارية وتاريخية، وحمل جملة من الصور المعبرة عن الخصائص العقلية والفكرية والدينية، ومن ثم الأدبية والفنية.
وبهذا كله أثبت العمل أنه صورة ودلالة، صورة فنية ممتعة جذابة، لها سماتها المختلفة عن تلك التي عرفها الجمهور من بقية الأعمال الدرامية، فالصورة الفنية هنا أساسها الحوار الرصين الذي عقدت الكاتبة منى الشمري صلته بالزمان والمكان والإنسان، لأن الفنانين لونوها بظلال جميلة، ووشحوها بأثواب مثيرة للعين والعقل، حتى إن المتسرع في مشاهدته لن يصل إلى مراد الكاتبة.
وهذا ما عرف باسم الدلالة المجازية، التي لقيت عنتا كبيرا من معتنقي الحداثة في تفسيراتهم لها، إن هذا العمل بكونه رواية ما أجده إلا مرآة فنية جمالية، توحي بدلالات تعبيرية غنية لكثير من ألوان الحياة في سياقها الإنساني والزماني والمكاني والثقافي والفني.. فهو منهج ومصدر غني ثر للماضي والحاضر، تتعدد طرائقه وما تختلف، وتتفرع مشاهده وما تفترق.
بالكاد أستطيع أن أقول إن هذا العمل حرك بي أوتار الوجد وأعادنا إلى الزمن الجميل، حيث يأخذنا إلى أصالة الإرث الثقافي والحضاري والقومي، لسبر أغواره.. ويدرك بحكمة نافذة وشفافية كبيرة الأحداث التاريخية التي عجت بها حقبة زمنية مهمة في تاريخ الكويت، ولكن في الوقت ذاته ما شدني بالفعل للعمل هو سلاسة الأحداث الحضارية والتاريخية المعروضة قبالة المشاهد الدرامية التي جاءت مدعمة للفكرة المطروحة، إن جل الأعمال الروائية التاريخية المصورة تكون متخمة بالأحداث، متشبعة بأمور الحل والميراث، ولكن هذا العمل جاء مغايرا تماما.
أقف أولا عند شخصية عضيبان، وكأني به في طوله كالنخلة التي تقف في وجه الريح الصرصر، تقاومه بكلما أوتيت من قوة، صحيح إن تلك النخلة ذات أغصان متدلية تظلل بحنانيها على كل من يحيط بها بيئيا، وتمدنا بكل متجدد من ثمر طيب، ولكن هي النخلة ذاتها تقف عنيدة في وجه الريح العابرة التي تريد أن تهد من عاداته وتقاليده كما يرى وتجعلها هباء منثورا.
أما لولوة التي أجدها في زاوية أضيق من ثقب الابرة، لا أدري إن كانت ستقبل بالجفول وتقبل بالأمر والواقع الذي سيجبرها على الرضوخ لمعتقدات الجد عضيبان الأجودي، أم إنها ستنعتق من بوتقة الانجرار خلف هيمنة الأجداد الأوائل ورغباتهم.
وأثني هنا على المخرج محمد دحام الشمري من ارتضى بالفنانة شيماء سليمان بطلة للرواية، فإلى جانب تلك الملامح الشرقية ذات القسمات الهادئة التي ما عرفها الزيف، وكونها صاحبة الصوت الجهور ذي مخارج الحروف الواضحة، والذي أبيح به بتلوين صوتي فائق الدقة من وسط روح مهمشة أحيانا وتائقة للخلاص مرة أخرى، خفة حركات الجسد التي ما عرفت للغة الاصطناع من سبيل كانت لوحدها لغة للوحات الفنية، والإحساس الصادق عند تأدية المشاهد، والروح النقية للفنانة انعكست على مشاهد العمل بالفعل، وكأني لا أستطيع أن أتخيل بديلا لدور هذه البطولة.
هذه الفنانة الصاعدة تذكرني بالفنانة المخضرمة رجاء محمد التي جمعت بين الغناء والتمثيل، فكان صوتها الحريري الناعم الدافئ جوهر شخصيتها سواء في دور الغناء أو على خشبات التمثيل، فعشنا معها الإحساس قلبا وقالبا، العلامة الفارقة بين الفنانة رجاء محمد والفنانة الشابة شيماء سليمان هي إنه الأولى عاشت في زمن جميل نقي بكل من فيه، زمن لم ولن يتكرر.. نشتاق إليه في رحاب الفن الكويتي الذي كان وما زال منارة للفن والأدب الذي يحتذى به، بيد إن الثانية تعيش في زمن نكاد أن نقول قد اختلط به (الحابل بالنابل) ففئة ليست بالبسيطة يظهر منها أفرادها خلف الشاشة الفضية متخفين خلف ملامح مزيفة وتقاسيم وجه حادة مبالغ في رسمها تفتقر لأدنى معايير الشعور والإحساس حين تأدية المشهد، فكأنما هي آلة مستجملة ميسرة تملي على المشاهد ما حفظته من مشاهد، فيطلق على هذه الشاكلة للأسف لقب فنان.
ولكن (لولوة) كانت لؤلؤة الواقع المعاش قبل أن تكون لؤلؤة العمل الدرامي، صانت عقلية المشاهد فرفع الجميع لها القبعة مرتضين لها الدور الذي لم يكن إلا ليليق بها وحدها في اعتقادي.
هذه الرواية للكاتبة الأديبة منى الشمري ما أراها إلا أنموذجا واقعيا يحتذى به في ظل احتدام الأمور بين البشرية، العمل يزخر بالاختلافات العرقية والمذهبية، ومظاهر اختلاف اللون والبيئة، ولكن في الوقت ذاته يعالج كل تلك الاختلافات بثقافة الاختلاف بلا خلاف، بمشاهد سلسلة مترابطة مبطنة الغاية والهدف.
أكاد صدقا أن أقول إنني انقطعت عن مشاهدة الأعمال الرمضانية لفترة من الزمن، ولكن هذا العمل الدرامي الذي تفاجأت مؤخرا بكونه روائي الأصل، شدني من حيث لا أحتسب.. ربما لمشاهد البحر الأزرق الذي يعالج حباته مع ساحل الفحيحيل بكل أناة وتؤدة، أم لمناظر البوانيش الآسرة التي تظهر وقت تتر العمل والتي ترسو وادعة تحلم بيوم جديد بعد انصرام أيام اليأس الفائتة، أم لسماع صوت الصيادين والغاصة والنهامة الذين يرتلون المواويل في مقدمة العمل، أو ربما لأرواح الفنانين الذين أدوا مشاهد العمل بكل مرونة وأريحية وصدق للشعور والإحساس، والذي انعكس بدوره على عقلية المشاهد فتقبل العمل من أوسع أبواب قلبه قبل عقله.
وقفة على عتبة مشهد الكنيسة الدرامي: يقول الله تعالى فى كتابه «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين» صدق الله العظيم. ومن تفسير الآية الكريمة نفهم أن الاختلاف ليس أمرا مقبولا فقط، بل وجب علينا أيضا حمايته والدفاع عنه، لأنه مشيئة الله تعالى على الأرض، وقد كفل الإسلام للبشر عامة، وللمسلمين خاصة هذا الحق، فحق الاختلاف في الرأي هو حق أصيل من حقوق الإنسان في المنظور الإسلامي، وهو قيمة عالية من القيم الإنسانية التي يجب إدراكها من جانب المجتمع والتعامل معها بوعي.
وقد وردت مادة الاختلاف بصيغها المختلفة في القرآن الكريم في أكثر من خمسين موضوعاً، وقد شمل هذا الاختلاف الظواهر الطبيعية والمجال المادي في هذا الكون، كما شملت المجال الإنساني بكافة أشكاله وتشكلاته، من اختلاف الصور والألوان إلى اختلاف الألسنة واللغات إلى اختلاف العقائد والأفكار، فالوجود مختلف بكل ما فيه.
إنني أدرك على أعقاب هذا المشهد إن الروائية الفذة قد (ضربت عصفورين بحجر)، العصفور أو الأنموذج المضروب الأول هو تقبل الآخرين بمختلف أطيافهم الدينية والعقائدية، فلكم دينكم ولي دين، فكان مشهدا رائعا يحتذى به في مجال الانفتاح على الآخرين وبث روح التسامح بين الأديان، أما العصفور الثاني الذي لم تغفل عنه الروائية وأحييه عليها.. هو حين توازن الكلام المتلو في أركان القصيدة بآيات الله التي تدعو إلى الوحدانية والتي جاءت بتلاوة عطرة من فاه الجد عضيبان، فكأنما جميع الأديان السماوية ذات نقطة مشتركة وهي الدعوة إلى الوحدانية، وفي الوقت نفسه بحكم الفطرة والعقيدة الإسلامية التي تشبعت بها روح لولوة إثر تنشئتها على يد الجد الذي ما رام عن إكسابها كل ما في شأنه تغذية بصيرتها سواء من ناحية دينية أو ثقافية أو أدبية، فنرى أنه قد طغى صوت الجد الرؤوم على صوت صلوات الكنيسة، إن هذا المشهد الدرامي لتقشعر له الأبدان أو بالأحرى (يوقف شعر الجسد) دون مبالغة في القول.
ختاما.. قد يظن البعض إن هذه الرؤية التي دونتها على أعقاب مشاهدتي للعمل قد جاءت من قلم فذ عاش تلك الفترة أو لنقل في فترة زمنية مقاربة لها، فاستطاع أن يربط بين الواقع وما ظهر بالعمل، ولكن الحقيقة تقول إنني بحرينية من جيل التسعينات، يكاد إنني أرى نفسي فعلا قد عشت تلك الفترة وعلى أرض الكويت الحبيبة بالتحديد بعد أن استدركت متابعة ذاك العمل الضخم..فشكرا لطاقم العمل فردا فردا، ولا غاب صداه.

] زينب سعيد

أبرز النقاط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها